يعرّف عنه مَعشَر الأدباء، كما رجال الشرطة،  بأنه نشّال وبائع هوى، قضى معظم شبابه متسكِّعاً في الأزقة المظلمة التي تفوح منها رائحة العفن، أو زائراً جميلاً في الحوانيت والزنازين. وللأسباب نفسها، لفت انتباه ضبّاط الشرطة وأدباء وفنانين مثل جان بول سارتر وبابلو بيكاسو. ولكنه وقع أخيراً في أسر جماعة نجحت في مساعدته على تحقيق أكثر التحولات جذرية في حياته: إنهم "الفلسطينيون". جان جينيه، أسير عاشق وُلد من جديد في معسكرات الفدائيين في الأردن. أهلاً بك على متن خطوط مجلة "رحلة". 


جان، بالنسبة لك، ماذا تعني كلمة "فلسطينيون"؟

بالنسبة إلي، أن تكون كلمة "فلسطينيون" موضوعة في العنوان، أو في صلب مقالة، أو على منشور سرّي، فإنها تستحضر في ذهني مباشرة الفدائيين في مكان معين هو: الأردن، وخلال فترة يمكن تحديدها بسهولة. ففي تلك الفترة وفي ذلك المكان، عرفتُ الثورة الفلسطينية. إن الوضوح البديهي العجيب لما حدث، وقوة تلك السعادة المرافقة لوجودهم، يسميان أيضاً: الجمال.

جميل. متى كان أول "لقاء" لك مع فلسطين؟

صحيح . هو "لقاء"- اختيار موفّق - لقاء غرامي. فأول لقاء لي مع الكفاح الفلسطيني جرى في صيف عام 1968 بينما كنت أٌقيم في تونس في أحد الفنادق. أخذَني نادل الفندق إلى غرفة صغيرة وسريّة ومعزولة داخل مكتبة، وفتح أمام عينيّ بعض كتب الشعر العربي، وقرأ على مسامعي قصائد للمقاتلين الفلسطينيين. لم تعجبني القصائد صراحة، لكن لفتني جمال الخط العربي. سبق لي أن رأيت مجلّدات من الشعر العربي في باريس خلال انتفاضة مايو 1968، ولكن دون الخط العربي المميز. بالعودة إلى تونس، شعرت بشيء جديد تماماً: فما بدأ كمشهد إغواء فاشل، أطلق في داخلي شيئاً مختلفاً. منذ ذلك الحين تورّطت، غرامياً، بالكفاح الفلسطيني.

وبعد أن تورّطت، قررت أن تزيد من تورّطك وتوجّهتَ إلى مخيمات الثورة الفلسطينية.

صحيح. رحلتي الأولى إلى عالم فلسطين كانت عام 1970. تسلّحتُ برسالة "تسهيل مرور" من ياسر عرفات شخصياً وتوجّهت إلى مخيّمات الأردن. بقيت هناك لعامين، وأصبح إسمي الحركي "الملازم علي". عدت إلى المنطقة في عدة مناسبات سياسية ونضالية. قضيت ستة أشهر في مخيمات الأردن في أواخر عام 1970 وأوائل عام 1971. عدت إلى المنطقة عدة مرات خلال عامي 1971 و 1972، ثم مرة أخرى بعد عقد من الزمن، إلى لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وكنت شاهداً على مجزرة صبرا وشاتيلا.  

بدأتَ تأليف كتابك "أسير عاشق" عام 1983، أي بعد 10 سنوات على مغادرتك مخيمات الأردن وبعد عامٍ على اجتياح لبنان ومجزرة صبرا وشاتيلا. شكّل الكتاب المحطة الأخيرة في رحلة حجّك في عالم المستضعفين والمهمّشين التي بدأتها في كتاب "يوميّات لصّ". فكانت النتيجة كتاب سياسي بامتياز وشخصيّ في آن معاً. "أسير عاشق" هو كتابك الأخير. عمل مميز يوثّق رحلة شاعريّة وفلسفيّة يتقاطع فيها الدّم والقمع والرّغبة والرّعب في قلب العالم المعاصر. بعض المصادر تشير إلى أنك كنت تعمل على هذا المشروع منذ عام 1973، أي مباشرة بعد مغادرتك الأردن. وكان الإسم المطروح لهذا العمل هو "وصف الحقيقي" (Description du réel). لماذا كتبت هذا الكتاب؟ ولماذا أجّلت كتابته؟

لماذا؟ لا أعلم، ولكني كتبته بشغف. كتبته بإخلاص للتجربة، أو ربما بإخلاص لمن سمحوا لي بأن أكون بينهم، ومع عائلاتهم وفي خيمهم، أي الشعب الفلسطيني. لطالما كنت منبوذاً في مجتمعي بسبب هويّتي وتاريخي، وأعتقد أن هذا الأمر ساهم في جذبي إلى الشعب الفلسطيني المنبوذ والمُبعَد بهدف طَمس هويّته وتاريخه. عندما كتبتُ "أسير عاشق" عام 1983، كان العديد من الرجال الذين عرفتهم في المعسكرات قد قُتلوا، وكنت أنا أحتضر بسبب المرض. أردت من خلال الكتاب أن أكتب وصفاً جميلاً لتلك اللحظة ولأولئك الرجال، وأن أعيد تأكيد إلتِزامي، بعد عشر سنوات، ليس فقط للثورة الفلسطينية ولكن للتمرد عموماً. 

يظهر في الكتاب الأثر الذي تركته الثورة الفلسطينية فيك، وكأنك وجدت أرضك الموعودة التي لطالما بحثت عنها. 

بالتأكيد. لقد تعرّفت على هذه الثورة كما تتعرف أُذن موسيقية على النغمة الصحيحة. غالباً كنتُ أنام خارج الخيمة، بين الأشجار، وأتطلّع إلى المجرّة شديدة القرب وراء الأغصان. وما كان الحرّاس، المسلّحون، ليُحدثوا أدنى جلبة، إذ يتنقِلون في الليل، على العشب وأوراق الأشجار. لكأن خيالاتهم تريد الامتزاج بجذوع الأشجار. كانوا ينصتون. هم الحَرَس. وكانت الأنوار، إذ تستمدّ ذاتها من أضواء "الجليل"، ترسم قوساً يتجاوزني ويجتاز وادي الأردن، لينتهي متناثراً في صحراء السعودية. كنت أتخيّل أحلام الفلسطينيين، ذلك أن لديهم أحلاماً، أما أنا، فقضيت حياتي كلّها في السأم. 

تنقل في كتابك، بأسلوب شاعري، تفاصيل التدريب العسكري ومراسم دفن الشهداء وحركة اليدين وطريقة وقوف الفدائي وكيفية حمله للسلاح. نستنتج من الإصرار على نقل كل هذه المَشاهد أنها في صميم النضال الثوري الذي يمارسه الفدائي. فإلى ماذا يرمز الفدائي؟ إلى قوّة الفعل المباشر أو قوّة الصورة؟

عبّر الفدائيون عن أنفسهم وعن طبيعة نضالهم بطريقة مميزة. كان نضالهم يحمل نمطاً أو أسلوباً خاصاً. الفدائيون افتتحوا مسرحًا للثورة لتأدية دورهم: ابتكروا المشهد، امتهنوا السخرية، استمتعوا بوقتهم. أدركوا الطبيعة الإيمائية لأفعالهم وقدّموا أنفسهم على أنهم يحتلون دورًا رئيسياً في الفضاء الثوري. لكن هذا الدور لم يُعَدّ مسبقاً من قبل جهة أخرى كجزء من سكريبت كامل وجاهز. الفدائي هو الكاتب والمُصمّم الذي صنع مسرحه بواسطة الفعل المباشر. هكذا أصبحت الساحة الثوريّة مساحة مسرحيّة أو لعبة. لكنها لعبة جدّية، حتّى الموت. ومع ذلك، لا تجعل هذه المساحة المسرحيّة نضال الفدائيين أقل واقعيّة، بل تكشف هذه المساحة النمط المسرحي - الحلم أو المحاكاة أو الخيال - الذي يتموضع فيه واقع النضال الثوري.

معك حق. يذكرني كلامك بعملية مهبط داوسون عام 1970. أعتقد أن مشهد تفجير الطائرات في مطار الثورة على يد فدائيي الجبهة الشعبية كان من أجمل الأعمال الفنيّة- الثورية التي يمكن أن يفكّر فيها المرء. كانت من صنع الفدائي الفلسطيني الذي حدّد هدفه وطريقة تحقيق الهدف. عندما بدأ الفدائيون خطف الطائرات وتفجيرها، كان الهدف لفت أنظار العالم إلى فضيتهم. أي إن الصورة كانت السلاح الأكثر فعالية خارج حدود فلسطين. ولكن في المقابل، كيف تلقّى الفدائي نظرة "العالم" إليه؟

"كنّا نجوماً". هكذا وصف أحد الفدائيين نفسه عندما كنت في أحد المعسكرات. قال لي أن الصحافيين والمصوّرين والسينمائيين يأتون من اليابان، ومن النرويج، من دوسلدورف، والولايات المتحدة وهولندا، وكوريا والسويد ومن بلدان كنّا نجهل موقعها على الخارطة. الفدائيون كانوا في الكادر وخارجه، في الصوت والصورة وفي اللقطة المتحركة. لكن لا أحد من الفلسطينيين في القواعد أو المخيمات شاهد فيلماً أو صورة فوتوغرافية أو صحيفة أجنبية تتحدث عنهم. كانوا موجودين. كانوا يقومون بأشياء مدهشة بحقّ، ما داموا يأتون من بعيد ليروهم. أليس كذلك؟

ربما هم مهتمون بالقضية ويريدون تسليط الضوء على كفاح الشعب الفلسطيني؟

لا، لا أظن ذلك. كثيرون كانوا يعتقدون أن ياسر عرفات وأبا عمار اسمان لرجلين مختلفين. كانوا يقومون بعملهم فقط. نعم، كان الفلسطينيّ محطّ إعجاب العالم، طالما أن كفاحه سيبقى محصوراً في الحدود التي يُجيزها الحكّام. 

أها، يعني عندما زادت الصورة عن حدّها، كان على الملك حسين أن يحرقها، وهذا ما حصل في أيلول الأسود.

صحيح، حينها بدأت صورة الفدائي بالتلاشي. صورة في طور الغياب، ضاعت، تمّ محوها، لم تعد متاحة… في كتابي "أسير عاشق" حاولت أن أعيد إحياء هذه الصورة، أن أسترجعها، أن أستعيدها، أن أعيدها إلى المجال السياسي. تلاشي صورة الفدائي دليل على التغيّر الكبير في مسار الثورة. فبعد أن كانت المقاومة المسلحة في نهاية الستينيات تتبع النموذج الثوري المعادي للاستعمار جنباً إلى جنب مع نضال حركات التحرر في دول العالم الثالث، تعرّضت الثورة في بداية السبعينات إلى هزائم عسكرية عدّة أدت إلى حرف مسار القضية الفلسطينية نحو النضال المؤسساتي وأولويّة فكرة إنشاء دولة على جزء من أرض فلسطين. هكذا تحوّل الكفاح الثوري الأممي إلى مشروع وطني. أدت تلك اللحظة إلى اختفاء المقاتل الفلسطيني إما من خلال سقوطه على أرض المعركة في بداية السبعينيات، أو عبر تحوّله إلى حزبيّ ناشط في الساحة السياسية. 

هناك اختلاف واضح بين كتاباتك الأولى في "يوميات لص" التي وثّقت من خلالها تجربتك كمتشرّد ولصّ وبائع هوى، وبين ما كتبته لاحقاً في "أسير عاشق". يشعر القارئ أنك كنت تعيش في عالمين مختلفين تماماً. فهل هذا يشير إلى تغيّر مواقفك من الواقع؟

كتابات المرحلة الأولى كانت مجرّد أحلام يقظة كتبتها في السجن. ولكن بمجرد أن أصبحت حراً، أصبت بالضياع. ولم أجد نفسي في "الواقع" مجدداً، أي في العالم الحقيقي، إلا بعد أن تعرّفت إلى هاتين الحركتين الثوريتين. أقصد هنا الفهود السود في أميركا والمقاومة في فلسطين. ومن ثم سلّمت نفسي للعالم الحقيقي، نقيض عالم أحلام اليقظة. تبنّيت العمل بديلاً عن الكتابة، والسياسة بديلاً عن الأدب. كانت تلك مرحلة الصمت الإبداعي. حيّ على خير العمل.

حسناً، يدفعني جوابك إلى التساؤل: هل كتابة "أسير عاشق" عام 1983 هو إعلان عودتك من عالم الحقيقي إلى عالم الخيالي؟ أي إلى الكتابة والأدب؟ وهل المقصود أن الحقيقي، أي الصراع السياسي والكفاح الثوري، قد تلاشى؟

نعم، اعتقد ذلك. بل حدث ذلك قبل سنوات. فأنا انضممت إلى الثورة الفلسطينية في تشرين الثاني 1970 بعد أحداث أيلول الأسود، أي بعد تراجع المشروع الثوري المسلّح المعادي للاستعمار. بمعنى آخر، جئت بعد انقضاء اللحظة الثورية، واختفاء الفدائي. وكان عليّ أن استرجع اللحظة الثورية والفدائي، أن أعيدهما إلى الوعي السياسي. لكن حتى في عام 1988، مع عودة "الحقيقي" من خلال الانتفاضة الأولى، استُبدَل الفدائيّون بأطفال الحجارة. خسر الفلسطيني بطله الفدائي وأسلحته وأدواته الثورية والطائرات التي سيطر عليها، وحصل بالمقابل على الوعد بدولة فلسطينية "رسمية" على أجزاء مبعثرة من ارض الميعاد إسرائيل. من روّج لهذا الوعد هم المستعمِر أو أدوات الإستعمار المحلييّن، وهو يشبه فترة الاستعمار الأوروبي في أفريقيا كما وصفها أحد قادة حركة التحرير الكينية والأفريقية جومو كينياتا فقال: "عندما وصل المبشّرون الأوروبيّون، كان الافارقة يملكون الأرض والمبشّرون يحملون الإنجيل. ثم علّمونا كيف نصلّي وأعيننا مغلقة. وعندما فتحناها كانوا هم يملكون الأرض ونحن نحمل الإنجيل ". الآن الفلسطينيون حصلوا على دولة "حقيقية"، فيما تحوّلت الثورة إلى "حلم" تلخّصه صورة الفدائي.

نعم أوافقك الرأي. وكما قال محمود درويش: "ما أوسع الثورة، ما أضيق الرحلة، ما أكبر الفكرة... ما أصغر الدولة." ولكن، ألا تعتقد أن صورة أبو عبيدة والكوفية التي تغطي وجهه هما استعادة لصورة فدائيي ثورة الستينيات؟

كل فكرة طليعيّة ستتحول في نهاية المطاف إلى سلعة. على الطليعة الجديدة أن تبتكر "جديدًا" خاصًا بها قادر على كسر قوانين سوق العرض والطلب. إياك أن تنسى، العالم يفرح بالفلسطينيين طالما أنهم يعبّرون عن أنفسهم بعيداً عن "العالم الحرّ". ولكن، لكي يكون فعّالاً، يجب على مسرح الثورة أن يشمل كل العالم.

مِن سارق إلى أسير عاشق، جان جينيه، كلمة أخيرة للمنشقين عن قوى الأمر الواقع؟

سرقتُ أول كتاب قرأته. لو لم أكن سارقاً، كنت سأبقى جاهلاً لآخر يوم في حياتي وكانت كل الكتابات الأدبية الجميلة ستبقى غريبة عني.

الصورة: جينيه في أحد معسكرات الثورة الفلسطينية في الأردن، 1971. تصوير برونو باربيه

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل:
Patreon support button