نتّجهُ بخطى متسارعة نحو مثال حيّ شبيه ببلاد بول أوستر المنكوبة، لسنا أقلّ مأساوية ولا أقلّ عبثيّة. سنصلُ إلى نهار لا نجد فيه البحر ولا الجبل، حتّى معنى كلمة بحر أو شاطئ سيكون غريباً ولا شيء سيؤكد أنّ بحراً كان هنا لأنّ الحكومات التي تتساقط بسرعة ويبقى ضررها فاعلاً تُغيّر أسماء الشوارع، حتّى الذاكرة الجمْعية تعمل على محوها وهناك ثقة أن لا مكان يُناسب النفايات غير البحر، هناك ثقة بأشياء كثيرة خاطئة، هناك إصرارٌ على الإفساد. كما "في بلاد الأشياء الأخيرة" ما من سبيل للنجاة، المتوفّر هنا هو الانضمام إلى الغوغاء، أنْ تكسبَ مكاناً في هذا الخراب للبقاء أطول مدّة ممكنة، الحروب المجاورة تساهم في جعل هذه الصورة أكثر قابلية للتحقّق. الحروب الداخلية تُساهم في جعل هذه البلاد بلاد الأشياء الأخيرة.


إنّها أقرب ممّا نتصوّر وأبعد من مدى الرؤية. الحربُ لا تزال مستمرّة بتجلياتٍ عدّة أهمّها المجتمع القائم على العنف. انتهاء الحرب الأهلية كان إعلان نهاية القتل المجانيّ والدمار بينما دولة ما بعد الحرب هي دولة عنْفية استبدلتْ البطش بالعمل الواعي على إفقار وإذلال الشعب. قدْ تختصر عبارة "أنتَ عارف حالك مع مين عم تحكي" منطقية "اللبناني"، صاحب النفوذ ولو كان مقدار نفوذه ضئيل، إلا أنّها تؤكد استعداده على كَسح الآخر. يسقط العنف من أعلى إلى أسفل ليتجلّى في حياة الناس الذين يعانون من ماضٍ يفتكُ بهم بين القسوة والحنين. قسوة القتل والتهجير وصوت الرّصاص يُقابلها الحنين إلى أيّام بلا ضائقة مالية، حنين إلى أملٍ يقول أنّ بعد الحرب تتصلّح الأمور. 

صورُ أهلنا لا تقلّ فرحاً أو حزناً عن صورنا، صور السّهر ليلاً والخوف نهاراً تتماهى مع أيّامنا. كثرة استخدام المهدئات وأدوية الأعصاب تؤكد أنّنا أتعس بأشواط. أملُ انتهاء الحرب والإنتعاش قدْ تبدَّدَ والبدء بأخرى أصعب فيما استهلكنا كلّ القضايا الكبرى. ومن السّذاجة الاعتقاد أنّ قرار الحرب قرار شخصيّ وأنّنا نحيا على عطارد حيث لا تأثيرات إقليميّة تمسّنا أو عدواً يتنزه بطائراته في أجواء سمائنا.  

نحن بلدٌ ممتاز لتفجير الشرق الأوسط وإعادة صياغته. لدينا ما يكفي من العثرات، منْ في الدخل يلقي اللوم على الخارج والخارج اكتشفَ فساد الدولة حديثاً ويريدنا أنْ نثور بعشوائية، أنْ نفكّر مثلهم، أن نتصرف مثلهم، ونهتف ضدّ أسماءٍ اختارَها مغيّباً أخرى. الخارج "غبيّ" لدرجة أنه لم يلحظ أموال السياسيين اللبنانيين في مصارفه، لم يرَ قصورهم ولم يشهدْ على تجارتهم وفضائحهم. 

نحن ضحايا ذاكرةٍ أفسدتنا، تُصوّرُ الحربَ كطريقٍ مجاورة، كاحتمالٍ حاضرٍ ومُعاش. ذاكرةٌ أنتجتِ السِّلْمَ الحذر الذي اعتنى بالمخاوف. نحن ضحايا ذاكرة الآباء وورثةُ خيباتهم.
أحملُ ذكرى عن اتفاق أوسلو، كنتُ في أول وعيي حين سألتُ لِمَ يتصافح عرفات معاهم، ليقطعَ حبل الأسئلة أجابني أبي أنّ فلسطين عادتْ، فرحتُ للحظة ثمّ بحدسٍ طفوليّ قلتُ لا غير معقول وانقباض كئيب سيطرَ عليّ. عرفتُ هذا الشعور لاحقاً كلما تعارضَ يقيني الشخصيّ مع ظاهر الأمور مهما كانتْ مطمْئنة. تحطّم يومها كلّ ماضي أبي مع منظمة التحرير، الماضي الذي يسردُه بحنين كأنّه يتكلم عن أجمل أيّام حياته بينما في تلك الأيّام كان الإجتياح. يذكر مجموعة شباب من جنسيات عربية مختلفة ساعدوا وواجهوا ولم يهربوا من بيروت في الإجتياح. رغم خيبة أوسلو بقي أبي يرى منظمة التحرير كما آمنَ بها وبقيَ في نظره أبو حسن سلامة أجمل من جورجينا رزق.

تسوياتُ الحروب أكثر قسوة من الحرب على من أمِلَ بالأفضل، منْ لم يتاجرْ وقدّمَ سنين عمره هباءً. أنْ يتساوى الجميع بلا محاسبة بلا امتنان، بلا حقّ بلا باطل، كأنّ الحربَ لم تكنْ لشيء حتّى تصعب الإجابة لِمَ صارتِ الحرب. رغم حقيقتنا كعائلةٍ لا تُناقش إلا أنّ الخيبة هو أكثر شعور عرفه أبي، يمكن تلمّس ذلك من حياته بعد الطائف من خسارة الأصدقاء بالهجرة ومن هشاشة الأمل. 

ما من ناجين هنا. من لجأ من أصدقاء أبي إلى أوروبا وأميركا رغم جمالية الحياة في العالم الأوّل يحكي كمنْ استبدلَ جحيماً بآخر بينما هنا يقع الجحيم الأصيل. يعذبهم الحنين إلى مكانهم في المنارة حيث يعطون ظهرهم للمدينة التي لا وجه لها ويتحدّثون عن آخر وصوليّ عرفوه.
تتعقّد ملامح هذه المدينة بين بيروت العروبة وبيروت الفرونكوفونية وبيروت السّياحة والخدمات ورغم ذلك يضحّي الإنسان غالباً لأجل أشياء لا يفهمها. سأصفها بالهلاميّة، ثمّة منْ استخدم هذه الكلمة لوصفي ربمّا في معرض الذّم إلا أنّ غرابة اللفظ تعفو عنه وغرابة بيروت تعفو عنها.

الإنسان لا يتغيّر بسهولة، الخطاب العنصريّ الذي نسمعه من أغلب الأطراف يستعيدُ أشياءَ سبق أنْ سمعناها عن هُم ونحن ثمّ استنكار وترحيب ونبذ للسّفهاء منّا بينما الدولة تتصرّف كمدير يستفيدُ من الصراعات بين موظفيه، تتركُ العنفَ على هواه كيلا يُصَبُّ في اتّجاهها.
العنفُ الذي كانَ دوماً طريقها المفضّل.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: