الجملة أدناه جملة استهلالية تقوم على ما وصلنا إليه في عالمنا اليوم، أي سنة 2020، أي في ما يُعرف بالعالم المعاصر، أي في ما يبدو انهيارًا تامًا على كل الاصعدة وإعادةً لإنتاج سرديات طالما اعتقدنا أن لا عودة لنا إليها... لحيوات العمارات، وخاصة في زمننا هذا، خاصيّة شبيهة بمقولة للكاتب أندريه بريتون، وهي التالية: "من الصعب عدم النظر إلى المستقبل ومن خلاله، وسط العمارة العمياء التي تحيط بنا، والتي تبدو أغبى ألف مرة من عمارة العصور السابقة... كم يبدو أننا ضجرنا!" 

يبدو أي تدشين لمشروع جديد او عمارة حديثة كحفلٍ سعيد وأبديّ. يجتمع الناس والمعماريون والمهندسون والممولون والمقاولون لأخذ الصور أمام المبنى، ولا يعودون لاحقًا لالتقاط الصور عندما يبهت لون العمارة وتشفّ الصورة. لكن، أهذا المرور الزمنيّ شفيف بحقّ؟ كما سائر مشاكلنا المعاصرة، هناك مشكلة معاصرة للعمارات الحديثة، سببها دور المعماري المعاصر. انتفاخ "الأنا" عند بداية الأشياء، وتقلّص "الأنا" مع مرور الزمن. ولكن، هل الزمن وحده كفيل بتقليص "الأنا"؟ بتقليص صورة المعماري؟ وهناك "أنا" اخرى يفرضها المبنى نفسه، وكما الشعر الذي يمسي مع الوقت للقارئ، تمسي المباني ملكًا للوقت والناس، وأحيانا ملكًا لنفسها. 

تشبه هذه الحالة في الكثير من الأحيان أفلام ديزني التي تنتهي دومًا حين تكون القصة في أوج الحاجة إلى الولادة التي هي الحقيقة الأصيلة. هكذا يُنتسى المشهد. الإنسان المعاصر الذي يختصر الحكايات والبدايات بالسرعة والحضور الفوري ثم يُنسى المشهد الأكبر. كيف تنفّس المبنى وكيف كتب حكايته؟ مع الوقت، ينمو مشهد آخر وأرض جديدة، أرض رأس المال أو المشاع. عادة، المشاع هو الأرض التي يستغلها الناس، إلا أن مشاع رأس المال الناتج عن العمارات المتحوّلة عادة ما يفعل هو فعل الاستغلال. 

عندما دخل السيد "ح" إلى متجر سبينيس الكائن في منطقة جناح، وقف في الطابق الأول المطلّ على الطابق الأرضي. وقف إلى جانبي قائلًا: "إنها المرّة الأولى التي أدخل فيها إلى السوبر ماركت. أشعر بشيء غريب". وقفتُ إلى جانبه أنظر عبر لوح الزجاج العملاق إلى الطابق السفلي. وأنا أيضا أيها السيد "ح". إلا أني كنتُ أعلم بخرافة الـ "عادي". الـ "عادي" كصورة عمّال سبينيس يرتبون آلاف المنتجات، على نفس الرفوف، بشكل شبه يوميّ، الـ "عادي" كأن نضيع بين الممرات ونشعر اننا علقنا هنا، داخل لعبة الكترونية، في متاهة معاصرة. كيف نخرج؟ ونعود للـ "عادي"... عادي! لقد علقنا... لكن للمبنى قصّة، وللقصة تاريخ، وللتاريخ أرشيف وقصص غابت عنا، نحن، مشاع رأس المال. 

اُنشأ مبنى سبينيس في 1965 وهو من تصميم المعماري اللبناني واثق أديب والمعماري البولندي كارل شاير. لا أدري كيف ستكون ردة فعل الراحلين أديب وشاير لو رأَيا محتوى سبينس اليوم. هل كانا ليشعرا بالسحق لو وقفا في الطابق الأول ينظران إلى ما ولّد الزمن من كم كبير من "الإنسان المعاصر"؟

في مقابلة لواثق أديب مع المعماري هاشم سركيس (جريدة "النهار" في 2014)، كتب سركيس التالي:
"سألتُ واثق أديب مرّة منذ أكثر من عشر سنين كيف استطاع هو وأفراد جيله، من المعماريين الذين رسموا واجهة بيروت الحديثة في الخمسينات والستّينات، أن يحافظوا على ذلك المستوى العالي من التصميم والبناء. أجاب بعد صمت، وبدقّة: "كنّا نستجوب الزبائن قبل ان نقبل المشروع". كان الصمت والدقّة ميزتين كبيرتين في شخص واثق أديب (وفي أعماله) الذي رحل الأسبوع الفائت. رحل بصمت 1".

هناك خاصيّة مشاريع واثق أديب المعمارية التي كانت الرائدة في تعميم العمارة الحديثة في منطقتنا، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ماذا الذي باتت عليه هذه المشاريع في حضرة تاريخنا المعاصر؟ وكيف ذُوِّب الإنسان الحديث، الذي كان محور العمارة الحديثة وبات إنسانًا معاصرًا يشبه أي معاصر آخر يصرف ساعة من يومه على انتقاء منتج من على رفّ متاجر سبينيس بين عشر منتوجات مماثلة.

ضمن ثورة الحداثة المعمارية نفسها، ولكن في المقلب الآخر من الأرض، يحدّثنا المعماري لو كوربوزييه، ضمن وثائقي مصوّر مع "بي بي سي"، ويفتتح الكلام قائلًا : "أنا رجل فتيّ في عمر الواحد والسبعين" 2.  ويعدّ المعماري شارل إدوار جانيريه - كري، المعروف بـ "لو كوربوزييه" (1887 - 1965) أحد روّاد عمارة الحداثة في القرن العشرين. ويمكننا هنا القول إن مقولة المعماري تذكرنا بمفهوم الفضاء الزمني للعمارة. ولو طُبّقت على سائر المباني الحديثة لكانت أصالة المباني خارج الزمن، وغير عرضة للانتهاكات السياسية والاقتصادية: كيف ينقضي الزمن في الابنية الحديثة وكيف يتموضع ليصبح بعدًا رابعًا يضاف إلى ثلاثية الابعاد في الابنية. مفهوم الزمن هنا ليس بسائل يسير على خط مستقيم لا يحيد، حيث أني لا أستطيع نقر الحاضر، وأعجز عن النظر إلى يساره لكي أرى الماضي، ولا إلى يمينه لكي أرى المستقبل. الوقت هنا يُخلق ولا يتلاحق. وكما تتأرجح كلمات لو كوربوزييه مع هوائية الماضي أيام فتوّته، كان على متجر سبينيس أن يتأرجح في الأزمنة وأن يحافظ على أصالته كما تستحق عمارته الحديثة. يبدو أن الحداثيين في ذاك العصر كانوا يملكون ما يكفي من البراءة ليعتقدوا بأن مفهوم الزمن/الوقت في العمارة الحديثة أقوى من مفهوم الوقت عند الإنسان المعاصر، وأقوى من رأس المال نفسه.

وفي زماننا هذا، وفي وقتنا هذا، يبدو اليوم أي افتتاح لمشروع جديد او عمارة حديثة كحفلٍ بائس وأبديّ. ننظر إلى الأرض. أقدامنا على الأرض وفكرة واحدة تسحقنا: هل هذه الارض من تحتنا مشاع هذا المبنى، أم أننا نحن المشاع؟ ينقطع الصوت و تموت الاسئلة... عودة إلى أفلام ديزني!

___________________

1. ورد هذا الحديث ضمن مقابلة لهاشم سركيس مع واثق اديب في جريدة النهار في تاريخ 08-10-2014 تحت عنوان: "تحت الضوء - واثق أديب (1926 – 2014) أو المعماري كما كان يمكن أن يكون"

2. https://www.youtube.com/watch?v=UP6HHS4abik

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل:
Patreon support button