عند مداعبة لحظات الخلق الأولى  

عند مداعبة لحظات الخلق الأولى تشفّنا النوستالجيا. ترقّنا جناحات يعاسيب تتهاوى فنرى ما وراءها ببطء يتطاير. نرانا اجساد متهالكة جراء السّفر البعيد. بعيدة هذه الغيمة وناطحة هذه السماء. كيف لم تنفجر قلوبنا جرّاء الهبوط الأول. كيف هوت عظامنا من سابع سماء وبقيت الرجلُ متّصلة بالظهر. نراها. قصة الخلق خلف ستائر الوقت. هنا، حنّ آدم إلى ما لم يحصل، حنّ إلى ماضيه القادم بعد حين. حنّ إلى حياة ثانية و قبل مماته بقليل حنّ إلى حياته الأولى.

- البناء على انقاض من بنوا، البناء على انقاض ما تبقى من صور في الرؤوس-

وطِئت أقدام آدم الأرض فكانت ال tabula rasa،أو اللوح الفارغ. يعرّف اللوح الفارغ انه حالة الخلاء التام، الذي لا يتضمن شيئا من الماضي، ولا تخمينا من المستقبل. هو حالة التفلّت التامة من قياس الزمن، وعليه، وطأ آدم أرضا فارغة. أرض أولى، فكان هو المعماريّ الاول. كيف لآدم ان يبنيَ منالعدم. لآدم ان يبنيَ مستوحيا من بيته الأول. لا نعرف الكثير عن مسكن آدم الاول. نعرف ان "الَّذِينَاتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِيمِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ". جنات عدن وانهر واشجار كثيفة،  "وَفِيهَامَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ ". اليوتوبيا التي ينتظره اكثر لا تختلف كثيرا عن ما نراه من عمارات اليوم. اليوتوبيا الأبدية لا تحتوي علىمدن سحرية ولا على على عمارات تطير من غيمة إلى أخرى. هذا الوصف المنبثق من مشاهد حاضرة يمثّل الوصف العام: غرف فوق غرف على مقربة منالشجر والمياه. إنها النوستالجيا لما سبق، النوستالجيا للموجود.  ولعل هذا أهم عنصر في البيوت الاولى عندما كان للعمارة العامية مجال على الارض. والعمارة العامية التي وُجدت قبل وجود اسمها، هييالنوستالجيا القصوى للأرض. نوستالجيا حنين التراب الذي يجعل الناس تبني بيوتها دون معماريين مستخدمة المواد الطبيعية المحلية. يندثر هنا الداخل والخارج وتتحول النوستالجيا المعماريةمن نوستالجيا اليوتوبيا إلى نوستالجيا الطبيعة ألأم، رحم الخلق. يترافق مع النسيج المعماري والمديني نسيجا اجتماعيا يتماشى مع ما تفرضه العمارة. العمارة تفرض نفسها،وفي معظم الأحيان تفرض نوستالجيّتها.

-نوستالجيا صورة الشيء، لا الشيء نفسه -

تخدعنا النوستالجيا، تخدعنا الذاكرة. للأخيرة قدرة انتقائية عجيبة. يحدث الانتقاء جرّاء أسباب غير مفهومة، جرّاء أسباب دفينة تطفو بخجل على الوعي، وبكثير من التلكّؤ. النوستالجيا الخدّاعة تلك التي تنفجرشعوريا ناسفة أي ذاكرة علمية. نوستالجيا المباني التي تغدو أطول بكثير من ما هي، او اقصر بكثير، نوستالجيا الشوارع العريضة، والارصفة الشاسعة، والاشجار المنبثقة من رحم الأرض خضراء و مكتنزة اكثر بكثير من ما هي عليه. إنها العمارة الوهم. والنوستالجيا العلمية ليست ما يخلو من العناصر الشعورية، بل هي تشريح الذاكرة. يختلط الأمر هنا، هل نحافظ على التراث المعماري أم نحافظ على روحه؟ هي النوستالجيا إلى روح المكانلا المكان. وروح المكان هي ما نستطيع ان نبني عليه دون ان نقع في الذاكرة الوهم. تبدو روح المكان مرتبطة بالمكان نفسه، إلا انها  وفي الكثير من ألاحيان تكون مرتبطة بالنسيج الاجتماعي المترافق لهذا المكان. عندها، و من منظور إعادة إحياء التراث جماليا، نفشل في إعادة إحياء المكان ونقع في فخ الرومانسية. تحثّنا النوستالجيا الكاذبة فيمعظم الاوقات ان نحنّ لصورة الشيء، لا للشيء نفسه. وهي تعيد انتاجية نفسها، كأنهانوستالجيا متراكمة. تتنقل النوستالجيا المتراكمة من أحد إلى آخر مرتكزة على مشهدواحد، وعلى نقطة جامدة في ذاكرة حواسنا. نرى البيوت والشجر والطريق في صورة. نراهمثابتون ينظرون إلينا وينتظرون. تسرح المخيّلة. هسيسٌ في كعب الجمجمة. نسمع العصافير تتخاطب من على الشجر، ونرى المارة بين البيوت، نراهم يتخالطون. حركيّة الذاكرة الوهم. نحرّك الاشياء كما يحلو لنا ونحنّ لما كانت عليه دون ان تكون يوما.

يبدأ تحطيم النوستالجيا من فهم لعبتها علينا. وتنتهي عملية التحطيم من خلال التشاعر. ترتبط العمارات بين بعضها، كما نرتبط نحنمع البيوت والاحياء والمدن. هو التشاعر. كيفية تقمص روح المباني لفهم الحنين الواعي، لا الحنين الوهم. التشاعر يقتضي أيضا معرفتنا بعدم قدرتنا على بناء ما هوقديم ناسفة عامل الفارق الزمني. كيف لنا ان نبني عمارة قديمة؟ يقتضي أيضا رفضنا للانسياب مع موجة الحنين الزائفة والتي تبني نماذج موجودة دون ادنى ادراك لماهيتها واهميتها التاريخية مع محيطها. للعمارات حق في التبدّل، والتغاير، والتآلفمع كل ما هو متحوّل. ماذا تريد العمارات ان تسرد لنا؟ نوستالجيا الإصغاء والخروجمن الأنا يولّد أولى خطوات التشاعر. أحيانا، تودّ العمارات لو تلبس فستانا جديدا فتصيرنجمة ساطعة وسط المدينة. أحيانا، تودّ العمارات لو تظلّ تحوي وظائفها المعتادة،كأن تظل المدرسة مدرسة، أو كأن يظل البيت بيتا. أحيانا ترغب العمارات في التوسّع، تنبت لها جذوعا جديدة، ومديدة. فنقف نحن هنا ولا نصغي. نتآكل في الذاكرة ونتآكل فيالمخيّلة ونغرق فينا. أصنام في الرؤوس نعبدها ونأبى ان نحطّمها. تحطيم الأصنام يتطلب تحطيم الخوف، خوف الآنية المتفلّتة من اي مألوف. هو الفراغ والنقطة الخالية التي تعيدنا إلى لحظات الخلق الأولى. كم كان جميلا لو بنى المعماري الأول مسكنهدون الرجوع إلى الماضي. لو حطّم قيود مخيّلته وتركها تلعب على الألواح الفارغة كماتشاء. بعيدة هذه الغيمة وناطحة هذه السماء، لمً العيون مسمرة على الشارع الضيق، وعلى الصور الرمادية، وعلى المباني البالية، وعلى "العصور الذهبية" المتكررة تاريخا بعد تاريخ. لم العيون مسمّرة إلى الداخل، ولم الأحداق مائلة إلى الرأس.

 

 

- النوستالجيا الموجعة-

أذكر رجلا فقد عقله. أذكره نادى لحب ضاع منه وامرأة كانت تنتظره كل يومٍ في مقهى الويمبي في شارع الحمرا. أذكره نادى طيلة عشرين عامًا. أذكره لفظ اسمها على فراش الموت. لكن المرأة هذه لم تجلس يوما في مقهى الويمبي. لكن المرأة هذه لم تكن يوما حقيقة.