- ما إن وقع العقل في العدم ﻷنّ الرأس المنحني الشاهد على القاتل أثقل من الجسد المقتول المنفجر في الهواء، حتى بدأت جوقات التأريخ التراجيدية بالتنبؤ بأيام أفضل وبحرية تفوق حرية الجسد المنفجر، حرية الاستمرار بتجريد المنطق من المنطق للتفكير بكيفية تنمية استدامة المهزلة: "ما قبل الانفجار ليس كما بعده!"
يا الله أمام رهبة هكذا تحليل واستنتاج! برافو عليكم وعلينا واعذرونا فلم ننتبه إلى اﻵن لشدّة ولقوّة العصف في دماغ العاصمة، كما ولم ننتبه أصلا من مئة عام الى اﻵن وهكذا دواليك من الآن وصاعدًا مصعوقًا: إن كل شيء حاصل قبل حصول أي شيء من البديهي أن يكون مغايرًا للشيء الذي كانه بعد انفجار كل شيء؟؟؟ ما هذا الإستهراء يا ترى ؟ ما الذي جرى بالاهراءات يا خراب؟ من سرق موت الفراعنة من الاهرامات؟ كيف انقرضت الدينوصارات؟ ماذا انتم تحاولون القول بربّ ربّكم الفاجر المنفجر؟ يا اخوات المنطق، أما تعبتم من التردد والترداد بين صاعق الهواء وانشفاط معنى كل شيء، يا أحباب شبق الهيجان التحرري وبالغي ذروة النشوة الطليعية، ما زلنا كما نحن وعلى نفس ايقاع التوقيت الحربوي، نعيش تحت جسر العبور المقصوف نحو دولة الانسان والمواطن الممطوط لشبك الهوة ما بين انفجارين. لذلك، ارحمونا رجاء وكفوا عن اطلاق عبارات وحملات صليب العبث المنبثق من الأمل المنفجر أصلاً بالطائر وبالزاحف. نقولها لنفسنا أوّلاً ومن ثمّ لكم، كنتم من كنتم، هذا إن أنتم بعد لا زلتم كما كنتم، لا فرق، فأنتم اﻵن وباختصار ثورجي وممانع على السواء: أنتم مشروع دائم لتلغيم كل ما في المخ من حكمة ومنطق. أنتم خارطة حريق دائم لعصب الكائن. أنتم دون الجنون والرقص والتخبيص في الدم مخلوقات ميتة تضجر من العيش بسلام. والتاريخ؟ كل ما حصل في لبنان ما زال يحصل، لا شيء مؤرخ موضوعيًا قبل حصول الشيء المنفجر أو من بعده، الموضوعية عبوة في الرأس أو رصاصة طائشة في الحلق أو رمانة بلديّة على مائدة العائلة. الشيء الوحيد المؤرخ بالمطلق ــــ هذا المطلق المنفجر أيضًا في الجسد المفزور هباء وفداء للوطن ــــ  ما هو إلاّ أحداث التفنّن باختلاق المجزرة وباجترار الدم وبفرقعتنا بآمال وأحلام تتلخّص دائما بصفّ الكلمات الملغومة على شاكلة أنّ "ما قبل هذه المجزرة لن يكون كما بعدها". وها نحن، أيّ من توفّق منّا وظَمط، نبقى وندوم ونصمد ونثور لننتصر في انتظار المجزرة الآتية، ننشغل بالدفن وبترقيع العظم واللحم، نشتغل على الرأس كما على الصخر لنحت مصاصات للصدمة، ننام ونمصّ ونمتصّ أحلامنا كموتانا على وسادة القطن المرصّع بطراطيش دم البارحة المنفجر، نفيق وننعق بوجه اﻷطفال، نربي جيلاً جديدًا من قتلة ومقتولين.

ما قبل اﻵن ليس كما بعده، طيّب أوكي يا حبّ أجل ونعم، لكن قل لي ماذا نفعل الآن يا حبّ، بالنسبة لكلّ هذا الدم الحي الآن، في هذا العدم الحيّ الآن؟ ماذا نفعل اﻵن؟ ماذا نقول اﻵن؟ ماذا نكتب اﻵن؟


- نقتل كتّاب العدل.  

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: