بما أنني سأتطرّق إلى قطار "هايبرلوب"، أي القطار الفراغي - وهو وسيلة نقل (مستقبلية) من بنات مخيّلة البشر منذ أكثر من قرن وقد بدأ العمل على تحقيقها – بهدف تناول صنوف من الحنين (النوستالجيا)، قلتُ لنفسي فلأنطلق من هذا القطار ومبدأ سيره لكي أصل إلى لبّ الموضوع. فلدي نزعة دفينة قديمة الى مقارنة الحالات النفسية والعاطفية عند البشر بعمل الآلات والأجهزة على أنواعها.

القطار الفراغي هو عبارة عن مقصورة للركاب تُدخَل في أنبوب يصل منصة المغادرة بمنصة الوصول. وينتقل بينهما بإحداث فراغ شبه كلّي يعمل على "شفط" المقصورة سريعاً جدًا (أكثر من ألف كلم/س) إلى وجهتها. وقبل بلوغها بوقت يُملأ الفراغ ليتوقّف القطار تدريجا.

والفراغ المادي كمبدأ لعمل هذا القطار يقابله الفراغ النفسي والعاطفي لدى البشر الذي يشكّل (مع مشاعر أخرى) الأسباب التي تثير الشعور بالحنين. وفي الحالتين، ملء الفراغ يوقف القطار ويساعد على إخماد حالة الحنين. أما من ناحية السرعة، فسرعة حدوث فورة حنين أعلى بكثير من سرعة القطار، ذلك أن الأولى تكفيها رائحة أو لحظة عاطفية غادرة لكي تغمر الحانّين بحضورها.

وما نبّه إلى موضوع الحنين حالة العزل القسري المسترسل في كوكبنا بسبب وباء كوفيد 19 التي كثّفت حالة عامة من النوستالجيا تتمثّل في انشداد سكّانه إلى مواضيهم لاستعادة تفاصيلها عبر السوشال ميديا والأحاديث والأفلام والموسيقى والكتب والمقالات، في أضخم عملية نبش للذاكرة / الماضي ربما في تاريخ البشرية. فحتى أرشيفات كثيرة لمراكز ومؤسسات كانت مغلقة إلّا على جمهور المشتركين، شُرّعت للعامّة الذين راحوا يغرفون منها.

لعلّه الفراغ في النفوس والأمكنة بسبب الحرمان من "عاديّة" الحياة هو ما أدّى إلى عرقلة التقدّم نحو الغد أو المستقبل والإرباك والخوف من احتمالات التداعيات، فلاذ البشر بالنوستالجيا، من دون أن يعني ذلك أننا جميعاً مفرطون في الإحباط.

مفارقة الٱتجاهين

سواءٌ أكانت النوستالجيا اضطراباً نفسياً (أو "مرضًا يصيب المخيّلة"، كما القرن السابع عشر) أم حافزاً لاستنهاض الذات من الكبوات (فيما بعد)، فلطالما اصطدم الحانّون بهباء حنينهم. فالماضي حدث بل مات، إلّا إذا أجدى نفعاً أو درساً يخدم تغيّراً ما في الرؤية والمسلك.

بيد أن درب الحنين مزدوج الٱتجاهات: إلى الماضي وإلى المستقبل، وفي كلتيهما هروب. والمفارقة هنا هي أن هباء الماضي الزائل هو نفسه ترّهات المستقبل المعدوم. فكيف صار للمستقبل حنين؟

إستطاعت الأعمال الفنية والأدبية في القرون الماضية أن تشكّل وعياً جديداً، قوامه الخيال العلمي، وتشيع أفكاراً من شأنها "ترقية الواقع"، ما أفضى إلى بروز حركة "المستقبلية السالفة"، Retrofuturism، الفنية الإبداعية. فإذا اعتبرنا "المستقبلية" علمًا يفضي إلى توقّع ما سيحدث، تنزع "المستقبلية السالفة" إلى تذكّر ذلك التوقّع.

لا يصحّ التوق إلى مستقبل ما على تصديق فكرة جديدة، إنما على الإرادة في تحقيقها، ومع ذلك يستحيل أن نتيقّن منه كما نفعل مع الماضي الذي حصل بالفعل. فنوستالجيا المستقبل تنطوي على "محاكاة" أشياء وأمور لم تشكّل واقعًا قط، إنما تكون مجرّد تمنّيات وتطلعات من بنات أفكار المخيّلة، يحاول البشر استعادتها والركون إليها للفرار من واقع لا يحبّونه إلى واقع متخيّل يحسبونه أفضل.

وتعود جذور تلك الحركة إلى القرن التاسع عشر، واستمرّت حتى ستينات القرن العشرين أي حتى ما سمّي بـ "عصر الفضاء"، حيث برزت تأثيراتها في عوالم الموضة والعمران والتصميم والموسيقى والأدب والسينما، وحتى ألعاب الفيديو. وجُسّدت بالوسائل والأدوات التي يستطيع الإنسان بواسطتها تحريك أشياء وعوالم مبتدَعة، وتوليفها لمحاكاة إحيائها أمام الرائي.

أسلوب ال retrofuturism

ومن مخلّفاتها نوع الخيال العلمي "ستيمْبَانْك" الذي قدّم أعمالًا مصوّرة لشخصيات وعمران ومخلوقات وأدوات "متقدّمة" مؤسلبة تحرّكها محرّكات بخارية، متأثرةً بتكنولوجيا الثورة الصناعية. ثم ظهرت أنواع فنية مستقبلية عزّزت بجماليتها نوستالجيا المستقبل، وبخاصة تلك التي برزت في الفترة التي أعقبت أزمة الركود الاقتصادي في 1929.

حينها، انكبّ الفنانون والأدباء على اختلاق عوالم مستقبلية ظاهريًا ظلت متشبّثة بالحاضر والماضي، حتى جعلت الغد يشبه الأمس. ومن الأمثلة على ذلك، طائرات جايروسكوبية حائمة فوق باحة، منازل مفتوحة رحبة توحي برغد العيش، سيارات طائرة في أجواء مدينة خيالية، أزياء مؤسلبة تحمل إضافات وإكسسوارات غريبة وغير عملية... حينها، تعلّق الناس بأي شيء يزيل شعورهم بالفراغ العاطفي وينزع عن كاهلهم وطأة المحنة، كما يلمّح إلى ذلك الرسّام الكندي الساخر، بروس ماكال.

فهي مجرّد تصاوير محققة على ورق، تارةً جامدة وطورًا متحرّكة، تصنع مسودّات خيالية لعوالم خيالية لا تقوم على أساس علمي وتراكم يجعلانها حقيقة مقبِلة ولو بعد حين. إذاً هي مجرّد تهيؤات خيالية عشوائية شكّلت أصل أو مبعث نوستالجيا المستقبل، على عكس أعمال مستقبلية في أدب الخيال العلمي، رسّخها مؤلفوها على معلومات وخلاصات مثبتة وقابلة للتحقيق، وكان لها تأثيرات في التقدّم العلمي والتغيرات المجتمعية.

ويطلق ماكال على هذا الصنف من الحنين تسمية "النوستالجيا الزائفة" لأنها تحمل الحانّين، "بتفاؤل هزلي مبالغ فيه"، إلى عوالم واهية. عوالم أمعن الرسّام نفسه في التهكّم عليها إذ وصفها بـ "الهراء الجَدّي"، لأنها مرتكزة على "العودة إلى الماضي لرؤية المستقبل"، حتى أنه خلُص إلى أن "النوستالجيا هي شعور إنساني لا نفع منه". وذلك لأن واقع الغد يأتي من تراكم الماضي وليس من القفز عنه إلى فراغ غير محسوب العواقب يعيد كَرّة الركون إلى النوستالجيا.

القطار الفراغي... وإيلون ماسك

واقعية الغد "المُرَقّاة" هي ما يُشعر الحانُّ بأن تحقُّق حلمه ليس مستحيلًا. فثمة نوستالجيا مثلًا للقطار المعلّق أحادي السكة، لأن منظره جميل ومستقبلي مقارنة بالقطارات التقليدية. ويستطيع راكبه الاستمتاع بالمناظر في خضم الزحام اليومي. أوقِف في مدن عدّة بسبب كلفة صيانته الباهظة وفشله في تخفيف زحام القطارات العادية. غير أنه بقي شغّالًا في منتزهات سياحية، كعالم ديزني، حيث يأنس لركوبه السيّاح، وها هو حاليًا يستعاد في بعض الدول. وتعود فكرته إلى 1821، حين قدّم المهندس البريطاني طلبًا لنيل براءة اختراع عن قطار معلّق يجرّه حصان، وبنى له مضمارًا تجريبيًا.

ولأن أي مشروع لا يبصر النور ما لم يجد مبرّره الاقتصادي، يسعى إيلون ماسك، مع شركاته "تيسلا" و"سبايس أكس" وجهات عالمية إلى تحقيق فكرة "هايبرلوب" (القطار الفراغي)، بعدما وضع مبدأ عمله وتشغيله منذ 2012، وأقام له مسارًا اختبارياً. وثمة دول كثيرة بدأت تخطط لتشييد شبكات مواصلات لهذا القطار لوصل مدنها بعضها ببعض وبدول الجوار، منها: الإمارات، كندا، أستراليا الهند وغيرها. ومنافعه كثيرة على مستويات الكلفة والمواصلات والبيئة والاقتصاد.

لعلّ المقاول الشاب استلهَم الفكرة من رسم قديم، من نوع "المستقبلية السالفة"، الذي نرى فيه مُزارعاً يجر حمارَه وينظر إلى قطار "هايبرلوب" يسير فوقه. وقد اعتبر هواة النوع ذلك الرسم بمثابة النسخة الأولى للقطار الفراغي.

ويَعِد ماسك أيضًا بتحقيق حلم الإقامة في المريخ عبر مستوطنات ذُكرت في أدب الخيال العلمي وشحذت طويلًا مخيلة الرسّامين والروائيين والسينمائيين. وها هي مختبرات البحث في إقامة البشر على الكوكب الأحمر تنتشر حول العالم، ومنها في دول الخليج، وهي تشبه كثيراً تلك التي ظهرت في الأفلام والصور، لكنها لا تزال قابعة في صحارى على الأرض.

غير أن هذا الحلم تعترضه عقبات كثيرة، منها مصاعب الإقامة طويلًا في حالة انعدام الجاذبية والوزن وتقلّص حجم القلب وتطيل العمود الفقري وتوهن العضلات، فضلاً عن تأثيرات سلبية أخرى لا يزال العلماء يتدارسونها، كما ورد في مراجع كثيرة. وهذا يعني أن مستقبلًا مماثلًا لعوالم "ستار وورز" و"ستار تريك" يبدو معدومًا أو، تفاديًا لقتل الأمل، يبدو قصيّاً جدًا.

هل ستدفعنا المحنة الكبرى الحالية التي قد تنجم عن تداعيات وباء كوفيد 19، كما فعلت محنة 1929، إلى التوق أو الهروب من جديد إلى مستقبل معدوم؟ وكيف سنراه من ماضينا المستجد المشبع بكل احتمالات الخيال؟ تلك الاحتمالات التي أوصلتنا إلى الكواكب والمجرّات البعيدة، وأحضرت إلينا محاربي الأكوان الأخرى، وعرّفتنا على "آهليها"، الظريف منهم كإي تي عبر فيلم سبيلبرغ، والغليظ المتعجرف كفلاديمير هاركونن عبر ثلاثية "الكثب" لفرانك هربرت، خصوصًا بعد أن حظي كل هؤلاء "الغرباء"، ومن بينهم مخلوق "آليان" و"دارث فايدر" المرعبَين، بمناصرين وشعبية واسعة، أين منها شعبية زعماء العالم؟