رحلة: تُسعدنا استضافتك أستاذ رولان بارت في هذا اللقاء الاستثنائي. أود في البداية، وقبل طرح الأسئلة، أن أخبرك كيف تطوّر اهتمامي بك وبكتاباتك. قد يكون السبب غير متوقع، وهامشيّا للبعض، ولكني سأخبرك في جميع الأحوال.

كل ما في الأمر أنني كنت أقرأ منذ حوالي ٣ سنوات كتاباً صدر في 2014 وموقّع بإسم "اللجنة الخفيّة"، Comité Invisible، وهي مجموعة فرنسية راديكالية، تهدف من خلال كتاباتها إلى التحريض على الاشتباك مع السلطة في كل مكان، وفي فرنسا طبعاً. أما الكتاب فهو "إلى أصدقائنا"، À nos amis، وقد  لفتني عنوان فرعي فيه: "وطننا الوحيد: طفولتنا"، Notre seule patrie: l'enfance. عنوان حفّز حشريتي على البحث عن العبارة وأصلها على محرك غوغل. لم يحالفني الحظ في بحثي عن إجابة، لكنّي وجدت بين النتائج رسم غرافيتي لعبارة مكتوبة بالألفباء اليونانية. أعدت طباعة الأحرف وقمت بترجمتها من اللغة اليونانية إلى الإنكليزية، فوجدت أن الترجمة هي، كما توقعت: "وطننا الوحيد: طفولتنا". خَلُصَ بحثي إلى استنتاج بأن الغرافيتي رُسِمَت في 2008 على حائط في جزيرة كريت اليونانية. في تلك الفترة، ونتيجة الأزمة المالية العالمية، دخلت اليونان مرحلة الإفلاس، وشهدت شوارع المدن اليونانية اشتباكات امتدت لأشهر. تابعت بحثي، وتكرّرت العبارة نفسها على جدران مدن يونانية أخرى، وكأن كل هذا الجيل الثائر وجد في هذه العبارة ضالّته وبدأ برشّها على الجدران. وصلتُ في نهاية المطاف إلى كتاب "حوادث" (Incidents, 1992) الذي كتبته حضرتك، وترِد فيه تقريباً نفس العبارة: "لا وطن سوى وطن الطفولة".

بارت: شكراً، يسعدني أن أعرف أن هذه العبارة العزيزة على قلبي تنتشر بين جيل حطّم عنفُ العالم عظامه.

جزيرة كريت اليونانية


رحلة: توفيت والدتك، هنرييت بارت في 1977. مثَل كتابك "كاميرا لوسيدا" تجسيداً مؤثراً لصلتك وارتباطك بأمك ووصفاً أعمق للحزن الشديد الذي رافقك بعد وفاتها. ورغم الدافع الشخصي الذي دفعك إلى كتابة هذه النصوص، تحوّل الكتاب، الذي يتضمن "مذكرات عزاء" خاصة، لاحقاً إلى دراسة مؤثرة حول الفوتوغرافيا. هل يمكنك أن تخبرنا عن هذه الصورة الفوتوغرافية؟

بارت: أولاً، لم أسمح لأحد أن يطلع على الصورة، إنها لي فقط. أما بالنسبة لأي شخص آخر، فلن تكون سوى صورة أخرى. عشت مع أمي معظم سنين حياتي. وبعد وفاتها، ذهبت للبحث عنها بين الصور القديمة. قادني بحثي الاستقصائي إلى الاستنتاج التالي: إن الصور جِراحٌ قادرة على إعادة إحياء الصدمات الشخصية أو التروما. كنت أبحث في صور والدتي في إحدى ليالي شهر تشرين الثاني عام 1977، أي بعد وفاتها بوقت قصير. حينها بدأت كتابة Camera Lucida (الكاميرا النقية)، كمحاولة لفهم المعنى الذي كانت تحمله صورة أمي بالنسبة إلي.

هنا، أفصل بين مستويين في الصورة. المستوى الأول، وقد أشرت إليه بمصطلح studium، هو الموضوع الواضح ومعنى الصورة وسياقها، أي التاريخ، المكان، المناسبة، الخ. بمعنى آخر، كل ما ينتمي إلى التاريخ والثقافة والفن. أما المستوى الثاني، والذي يرتبط بالإحساس، فاستخدمت مصطلح "punctum" للتعبير عنه. وهذا الجانب من الصورة (غالبًا ما يكون تفصيلًا فيها) يحمل نظرتنا للصورة الفوتوغرافية من دون التنازل والبحث عن معنى مجرّد أو جمالية ما.

رحلة: جميل، وكيف نطبق هذا النظرية في سياق صور أمك؟

بارت: لم أجد أمي في الصور... فحتى لو حمَلَت الصور تمثيلاً موضوعياً لها (أي المستوى الأول Studium)، لم أجد شبهها الحقيقي، أو طيفها الذي أتذكره، إلا في صورة واحدة لها عندما كانت في الخامسة من عمرها. الصورة التي أتحدث عنها التُقطت في حديقة شتوية في 1898. وقدَّمَت هذه الصورة بالذات حقيقة أمي، طيفها، توحّد الجسد والروح في هذه الصورة الفوتوغرافية. واللافت في الأمر أن هذه الصورة التقطت بطبيعة الحال قبل أن أولد أنا. أي أنها تسبق التاريخ المشترك بيننا. ذكّرتني هذه الصورة بطبيعة العالم دائم التحوُّل. واكتشفت في هذه اللحظة شعوراً شخصياً لم أتمكن من التخلص منه: الشعور المتكرر بالفقدان كلما نظرت إلى الصورة.

رحلة: اوف، هذا أمر محزن يا أستاذ رولان. سؤال على الهامش، تذكرت الآن قصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش "أحنّ إلى خبز أمي، وقهوة أمي، و لمسة أمي... و تكبر في الطفولة" وما إلى هنالك. اللافت هنا، هذه التفاصيل الدقيقة التي لم تغب عن ذاكرته. حتى خصلة شعر أمه وثوبها وقلبها، لو عادت، لكان سيصير "إلهًا"، حسب تعبيره (وشدّي وثاقي بخصلة شعر، بخيط يلوّح في ذيل ثوبك، عساني أصير إلهًا، إذا ما لمست قرارة قلبك!). فما رأيك بصورة أمه فيه، وليس فقط في ذاكرته؟ وهل تداخلت هنا صورة أمه بواقع أرضه ووطنه المبعدين قسراً؟

بارت: تماماً، ينسج الارتباط بالأم بداية خيوط النوستالجيا التي تلاحقنا في حياتنا لاحقاً. إذ أن الدافع الأساسي للنوستالجيا هو رأب الصدع بين الطبيعة الأصليّة والحضارة، وبالتالي، نحاول من خلال النوستالجيا العودة إلى اليوتوبيا الأصلية الكامنة في مدينة الأم المسوّرة: رحم الأم، الوطن الأساسي لكل كائن حي، الوطن الذي ضاع إلى الأبد في غياب أي وسيلة لاسترجاعه. وأريد أن أشير إلى ما قاله محمود درويش أيضاً: "السّلام على أمّي أول الأوطان وآخر المنافي". وهنا نرى الارتباط الوثيق بين الحنين للأم والارتباط بالأرض والوطن. وفي حالة درويش، الأمر مؤلم، فلا مجال للعودة إلى حضن الأم أو حتى حضن الوطن فلسطين. هذه تراجيديا الإنسان…

رولان بارت وأمه هانرييت


رحلة: فعلاً تراجيديا. ولكن، إسمح لي أن أسأل، هل يمكن لبراءة الطفولة أن تحتال علينا؟

بارت: هناك نوع من القدسيّة، والبراءة طبعاً، التي نفتقدها في الزمن الضائع. وتزيد قدسيّة هذا الزمن مع مرور الوقت، وتزداد قناعتنا بـ"براءة" هذا الماضي كلما ازدادت صعوبات الحياة واشتدَّ ضغطها. فهذه البراءة ترسم لوحة الماضي حياةً أبسط وأسهل بالنسبة لنا وفي كل ما حولنا. ولذلك نميل إلى إضفاء الطابع الرومانسي على سنين الطفولة والمراهقة، على الرغم من أن هذا الماضي قد يكون صعباً في الحقيقة.

على المستوى الشخصي، أذكر أني كنت طالباً متفوقاً، وقضيت الفترة ما بين 1935 و1939 في جامعة السوربون. ولكني كنت أعاني مشاكل صحيّة جمّة خلال تلك الفترة، وأصِبتُ بداء السل، وكان يتوجب عليّ أن أبقى في عزلة في المشفى لفترات طويلة. عطّلت مشاكلي الصحية والجسدية المتكررة، مسيرتي الأكاديمية، ما أثر على دراستي وقدرتي على الخضوع للامتحانات. كما أعفيت، للأسباب نفسها، من الخدمة العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية، وهذا أمر جيد. لكن على كل حال، ضاعت سنين من عمري بسبب آلام الجسد.

رحلة: الجسد...هممم.  الذاكرة، بالنسبة لـ"بارت"، مرتبطة بالجسد، وهي أيضاً جغرافيّة بامتياز، أي أنها ترتبط بمكان محدد، مكان نطلق عليه إسم "البيت / الموطن". طرحتَ في إحدى كتاباتك أنّ الزمن، من منطَلَقٍ جغرافيّ، هو "أرض غريبة". وربطتَ بين وصفك لمناطق جنوب غربي فرنسا التي ترعرعت فيها وحديثك عن نفسك. أي أن قراءة المكان تتطلب قبل كل شيء التعامل معه انطلاقاً من حركة الجسد فيه، أو "ذاكرة الجسد". هل لرواية أحلام مستغانمي علاقة بالموضوع؟

بارت: لا لا، ما هذا الهراء؟ أحلام مستغانمي؟ ولا في الأحلام. أنت تتحدث عن نص كنت قد كتبته ونشرته في جريدة l'humanité في 1977، في 17 تموز، أي بعد ٣ أيام على احتفالات العيد الوطني الفرنسي. أذكر أنه كان يوماً مشمساً وكنت أقضي الإجازة في ريف الجنوب الغربي. أذكر أني كنت حينها جالسًا على مقعد في الحديقة محدّقاً بعين واحدة والأخرى مغلقة لأمحي الإطار العام للمشهد. كنت كالطفل، أراقب أقحوانة على الجانب الآخر من الطريق.

على كلّ حال، سأخبرك عن رحلتي إلى هذا الريف. عندما كنت أقود سيارتي من باريس (لقد قمت بهذه الرحلة ألف مرة)، كنت أشعر بأني تجاوزت عَتَبةً ما، ودخلت موطن طفولتي؛ بستان صنوبر على جانب الطريق، شجرة نخيل في فناء منزل، غيوم وتضاريس. منظر يبعث على البهجة الصافية. هناك، في بلدة بايون قضيت سنيً طفولتي، وقد كانت مقر عطلتي الصيفية في فترة المراهقة، وإليها أعود كل عام. أدخل هذه المناطق عبر الخاص، أي جسدي. وجسدي هو طفولتي كما شكّلتها أحداث الماضي. لقد أعطاني هذا الماضي طفولة "بروفينسالية" بورجوازية. بالنسبة لي، البورجوازية هي "البروفانس". بايون النائية هي أرض طفولتي، هي شبكة من الرحلات الريفيّة والزيارات الاجتماعية والقصص. وعليه، في فترة تكوين الذاكرة تلك، لم أكتسب من كل تلك "الوقائع" سوى الأحاسيس التي كانت متاحة لي آنذاك: العطور، الروائح، الإرهاق، الأصوات، الواجبات اليومية، إشعال النور، إلخ... إنها ذاكرة الوقت المفقود. ولهذا السبب تُشكّل الطفولة الطريق السريعة التي نتعرف من خلالها على الموطن الأول بطريقة أفضل. تختلف هذه الذاكرة تماماً عن طفولتي الباريسية. حتى أنني لا أحمل أي انطباعات عن فترة حياتي في باريس.

رحلة: لستَ وحيداً في تعاملك مع هذه الذكريات. فمن منا لا تستوقفه الأصوات والأضواء والذكريات العشوائية التي تعيدنا فجأة إلى طفولتنا للحظات قبل أن نعود مجدداً إلى الضجر وانشغالاتنا اليومية؟ ومن منا لا يشتاق إلى الدهشة الطفولية تجاه أبسط الأمور وحب الاستكشاف والشعور بالأمان الذي أصبح نادراً في أيامنا هذه. إنه إحساس ما قبل فقدان النعيم، قبل الانخراط في "معترك الحياة" والمسير الأبدي باتجاه الشهادات الدّراسيّة والسلّم الوظيفي وديكتاتورية الخيارات المُرهِقة. غالباً ما أشعر بأن هذه الرغبات الدّفينة تعود إلي من دون إدراكها، ومن دون أية قدرة على استعادتها. فهل هذه غربة أم وطن؟ أم هي وقائع الذات / الموطن الآمن في وقائع أيامنا القلقة؟

بارت: تماماً، وبذلك، نتحول تدريجًا إلى غرباء في أرض غريبة فرضتها "ضرورات الحياة". هنا أقتبس من الفيلسوف والتر بنجامين الذي قال :"إن تَصَوّرنا للسعادة مرتبط بشكل تام بصورة الماضي."

رحلة: يرحم ترابك يا والتر. أستاذ رولان، طلب مني صديقي بول أن أطرح عليك المسألة التالية: ترعرعنا في لبنان على الأغاني الفرنسية القديمة التي كانت ولا تزال تبثها يومياً إذاعة "نوستالجي" على الموجة المتوسطة 88.1 FM، هل هذه هي النوستالجيا والذاكرة التي نحن إليها؟

بارت: وهل صديقك بول متحذلق في أغلب الأحيان؟ أستغرب هذا الميل لدى جزء كبير من اللبنانيين إلى الشعور بالحنين إلى الأغاني الفرنسية. ما علاقتكم أصلاً بالفرنسيين وقصصهم وتاريخهم؟ أذكر أنهم استعمروكم وأعلنتم استقلالكم عنهم. لا يبدو هذا الاستقلال فعليّاً صراحةً.

رحلة: هاها، معك حق. الاستقلال في لبنان هو بضعة خطوط على خريطة وانتهى.

أستاذ رولان بارت، أريد أن أشكرك على هذه اللقاء المميّز، وأريد أن أشكرك لأنك ساعدتني في محاولتي لفهم ما أشعر به منذ فترة طويلة. كنت أشعر أن ذاكرتي ضعيفة. أجزم أنني فقدت القدرة على التذكّر. أعلم أن الذكريات موجودة في مكان ما في رأسي، ولكن شيئاً ما يمنعها من أن تطفو على السطح. أنجح أحياناً باسترجاعها بعد سماع أغنية قديمة أو حوار مع صديق أو زيارة مكان لم أزره منذ فترة طويلة. ولكن الخلاصة هي أنني أغرق في شعور دائم بالنوستالجيا، بالرغم من ضعف ذاكرتي. وكلما زاد شعوري بالنوستالجيا شعرتُ بفقدان الذاكرة. هذه النوستالجيا تسرق منّي الذاكرة ثم تذكّرني بالفقدان. أسرة "رحلة" تتمنى لك رحلة سعيدة في أرضٍ بعيدة. فأجمل رحلاتنا في القطار الذي فاتنا. بونسوار.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: