”رأيتُ أفضل العقولِ في جيلي وقد دمرها الجنون\ يتضورون\ عراةً ومُهسترين\ يُجرجرون أنفسهم عبر شوارع زنجيةٍ في الفجر باحثين عن إبرة مخدرٍ ساخطة"- عواء، ألن غينسبرغ

فجأةً،

حدثَ ذات ليلة أن صحوت مخنوقاً كالتالي: يدي اليمنى على عنقي أتحسس نبضي، يدي اليسرى تلامس الحائط لأتأكد أنني على قيد الحياة. عيناي بَاظّتين بحجم طابة تينيس وفمي أتوستراد عريض يَشفُط أوكسيجين. حرّكتُ رأسي إلى الأمام برويةٍ واقتلعت شوكة نَخَرَت خلفية دماغي. تفقدت أصابعي بتركيزٍ مملَ، فركتها مرتين على التوالي، لم تَسل الدماء. رميت الشوكة على الأرض، ثُم، غيّرت رأيي، فالتقطها ووضعتها جانباً، على طاولة تُجاور سريري، عليها أوراق لوتو قديمة، وبضعة عُلوك "ترايدنت" ممضوغة سلفاً. وخزٌ ما اختفى، كان لا بدَ من الاعتراف. أيقَظت صديقتي فوراً، وأفصحتُ لها: "أنا قاتلٌ متسلسلٌ، مجرمٌ نقّال، لا أحتاج إم-سيكستين ولا سميث إند ويسن، لدي وفرة من أسلحة التًخبيص الفتّاكة، يداي ملطختان من سوّاد الليل. في رقبتي ثلاثة خيانات، أكثر من ألف قبلةٍ زائفة وما لا يقُل عن مئة وعد كاذب. قتلتُ المراهقة في عمر الطفولة واغتلتُ العمر بضحكة صاخبة كاد صداها أن يفضحني. في دمي حريق سريع لا يَخمد، في صوتي بحّة أملٍ خافتة، في قلبي حلمٌ ذابل. لم يعد بإمكاني المكوث، باي". كانت تحمل نومها إلى المقلب الآخر بهدوء، حيث بادرتني بضحكة ساخرة "إنه مُجرد كابوس، أنت بول، التلميذ المُجتهد في الفلسفة". ارتديت سروالي بسرعة، جينز ليفايز "فايف أو وان" وخبأت بطاقة هويتي في جيبي الخلفي، حزمت حقيبتي، أشعلت سيجارة وهممت بالرحيل، وقبل أن أغلق الباب قلتُ: "إيه طزّ، تفقدي ما خلفته ورائي". نزلت سلّم الأدراج سريعاً كأنني خرجت منتصراً، من أكبر عملية سطو لأعظم مصرفٍ في الكرة الأرضية، شغّلت محرك سيارتي، أدرت الراديو ووضعت سي-دي "جون كولتراين"، أغلقتُ النوافذ وانطلقت. المدينة التي سَحَرت أرواح الطموحين كانت مُعتمة بالكامل. لا ضوء، لا كهرباء، لا ظلال، ولا حتى بصيص أخضر يلمع من عيون القطط المتشردة. لم يكن هنالك أصوات أيضاً، لكنني، وعلى ما أذكر، سمعت تثاؤبة عميقة قادمة من برميل/مستنقع قمامة، صدى مشوّش آت من بعيد لهتاف يقول "ثورة، ثورة، ثورة" وأذكر أنني شممت رائحة نتنة، تُشبه رائحة الأمل العفن، مصدرها على ما أعتقد، أنبوب ضخم لصرف صحي يمُر من تحت المسلك الذي يَصلُك بوسط العاصمة. مدينة الديمقراطية والحداثة هي، عاصمة الموت والأموات، تشيّد إمبراطوريتها الأنيقة في النهار وتُقصر من طول تنورتها في الليل، وفي ملعب النفاق هذا، يجب التنبّه إلى أمرٍ وحيدٍ ومؤكد: أن تخطو مسارك عنيفاً في الجهة المُظلمة لهذا القاع المسمّى واقعاً بدون أن تنسى وضع نظاراتك الشمسية ليلاً متسمراً وراءهم بتيقّظ، للمزيد من الوضوح فقط، لأن أشعة الحقيقة المختبئة في ظل هذه العتمة الحالكة، كاملة الدسم. استمرّرت في مراقبة رتابة العدم من وراء زجاج النوافذ. لم يأخذ الأمر كيلومترات كثيرة حتى بدأ المشهد يتغيّر. رأيتُ ديبلوماسياً مشهوراً بالرزانة يبتاع اللذة من مومس آسيوية، شاعراً يسرق قصيدة من متسوّل، مقاولاً يرسم خريطة لحائط المبكى على حائط مدرسة رسمية، سمساراً يعرض أرواح أطفال للبيع، كاتبا شاباً يبلع كوندوماً أمام قوّاد أجنبي، وعلى الجهة الأخرى كان هنالك رجل في عقده الخامس، معروف في أوساط الاستثمارات النقدية يرتدي توكسيدو سوداء يملك قرنين عملاقين وراء أذنيه، يدخل مع زوجته إلى الملهى الليلي يرافقهما أكاديمي مرموق يحمل محرَمة ملطخة بالزيت ويُقسِم أنها شهادته الجامعية. الاستنتاج الأوّل: المجتمعات المعتوهة التي تَقبل أن تُلّقب بالدوّل النامية، إياكَ أن تتكل فيها على علم الأرقام. إذا كانت المؤشرات تشير إلى تضخم يرافقه تجهّم حيال سعر صرف الدولار مثلاً، فهذا كلّه هرّاء، ما عليك سوى مراقبة ابتسامات الوجوه وبريق الأعين، وهي كثيرة في الحالة هنا. وهي السبب الذي لم يمنعني من التردد إلى مكان توجهي حيث أردت ببساطة، أن أتحدى مَفضوح الوَجه، كل هذا اللامعقول الذي تضمره الأقنعة. ركنت سيارتي وترجلت منها بكل ثقة إلى كازينو يُقدّم عرضاً مزدوجاً، أملاً في النجاة مثل الذي يقدمها الله المخلِّص، وطبعاً المال. طلبت كأس"جي.إند.بي" ورُحت أقامر. وَضعت رهاناً على المادية التاريخية، رهانين على الجدلية المادية، وخمسة على المدرحية. جميعها، خسرت. بات من المؤكد أن كل مُحاولات النجاة، وكل برامج الإنقاذ وسط كل هذه الجلبة، مستحيلة. من هنا يُفتح باب المرور إلى الاستنتاج الثاني: عندما يتعلق الأمر بالخسارة، اختصر الطريق، وستكون محظوظاً للغاية إن انسحبت مبكراً. وعندما تكون مفلساً لكنك مُفعمٌ بالاستنتاجات وسخيٌ بالحكم، فهذا كنزٌ حقاً، لكن للأسف، لا يمكنك إقراضه لأحد أو حتى بيعه. لا تحزن يا مان، احتفظ به لنفسك لوقت لاحق، علّك تستفيد منه، وتَذكر دوماً أن كل هذا لم يكن ليحدث  لولا هذه العتمة، وطبعاً بفضل نظاراتك الشمسية.

هذا كل ما يمكنني قوله حتى الساعة. عدا عن الشتيمة التي تلقيتها من صديقتي عبر ال"إس.إم.إس" في الصباح التالي، يمكنني أن أوضح موضوع الفلسفة. الأمر بسيط جداً، بِصدقٍ. لقد قررت الانتقال من الرواية الكبيرة إلى القصة الصغيرة بعد ان اكتشفت أن الجموح هو انتقام مُدجج من ميتافيزيقيا خدّاعة، وأدمنت الإفراط، بما أنه تعويض مُكثف عن منبع الخسارة الأولى، الولادة دون أن يؤخذ برأيي.

أما اليوم، فالأمر مُعقد بعض الشيء. كالعادة لم آخذ استنتاجاتي على محمل الجدّ. وبدلاً من ذلك، وضعت عِبرة صديقي باغزي سيغل قُرطاً في أذني:" لكي تتحدث بصورةٍ واضحة يجب أن تلفظ كل مَقطع بشكلٍ صحيح، مثلاً: خيط حرير على حيط خليل" خيط حرير على حيط خليل.. خيط حرير على حيط خليل ... فإذن، لكي تَعتاش نداً على الند مع الظلمة، عليك أن تكون بليغاً فصيحاً. والآن ردد ورائي: لَوْلا الهاء-زين-ياء-ميم-تاء مربوطة، لما كان هذا العطب قاسياً، يُترجم معكوساً في مناسبات الجموحِ والإفراط، ولما قال الشاعر الخطير (محمد شحادة):"جلست في المقهى ولم يبق سوى أنت/ والفضيحة/ ورجلك/ أنت تضحك لأنك على قيد الحياة/ لأنك لم تنم منذ مدة". لقد بَقي القليل، صحيح، معي عشرين دولاراً مكتوب عليها "لقد مصصت قضيباً لأجني هذا المبلغ، الصراع حقيقي، إبقوا في المدارس" (راجع عدد النوستالجيا "في مديح النينتندو") ونعيق "حرمون" المُزمن لأتعلم الغوغل الدرايف. هذه هي تداعيات الرهانات العالية، لا تتحلّى بالاتزان إنما بكوجيتو مُضطرب حيث الحساسية المرهفة تُقابلها تعاسة حمقاء، فلا تَفرُق معي إذا كانت التكنولوجيا تُعادل المستقبل أو إذا كان مولد الكهرباء غائباً طوال الليل طالما يمكنني أن أُحقق خلاصاتٍ ومن ثم أطمرها في باحتي الخلفية. التعاسة حَمقاء لأنها معطوفة على حساسية مُرهفة، وهذه لا تحتاج إلى استنتاج ثالث. 

قاتلٌ متسلسل، زيّن وجهه الشاحب بنظاراتٍ شمسية سمحت له برؤية كل هذا على اللامعقول

(برادات فارغة تُشبه خطاب جمعيات حقوق الإنسان

عاطل عن الأمل شَهَرَ كولت9  على حياته ولم يتردد

بيروقراطي ضحكته صفراء يداوم على مذبحته بدمٍ بارد

إعلاميات من بلاستيك، أخبارهن من هيرويين

مسرحي خارق (لا خشبة له) يمثل في السوبرماركت

مواطنون ومواطنات في دولة زعموا أنها سَقطت

تافهة تنتحب على الأرشيف

أحاديث عِصابية تأخذك زيارةً خاطفة إلى الجحيم.)

وزرعت شوكة في رأسه. أشعر أنني أفقد صوَابي،

آاااااع!

الصورة لـ فرنسوا الدويهي

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: