لا يمكن فهم سلوكيات المجتمع أو ثقافته دون بحث دقيق عن الدور الذي يلعبه الإعلام داخل هذا المجتمع. الصورة التي يقدمها الإعلام ليست دائماً إمتداداً، أو إنعكاساً حقيقياً لما هو موجود في العالم الخارجي، أحياناً يرتدي الواقع لباساً مستمداً من الصورة المقدمة له من الإعلام مجاناً. عن السلطة السياسية وارتباطها مع المؤسسات الإعلامية، عن الدور الإعلامي في 17 تشرين الأول، عن الصورة الإستعراضية الداعية إلى الإستهلاك، حدثنا "سليمان البصومعي" الدكتور في الجامعة اللبنانية في كلية الإعلام والعلاقات العامة.

>> كيف يمكنك أن تلخص العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والسلطة السياسية؟ هل إنها علاقة عضوية أم أنها منفصلة وأن الإعلام هو حقاً سلطة حرة غير مقيدة بشروط؟

الإعلام والسياسة بإختصار، في بوتقة واحدة يصب إنتاجهما في المجتمع، وهنالك علاقة أزلية تجمع بينهما. أداتان لا تنفصل منهما الواحدة عن الأخرى، يحتاج السياسي للإعلام ليعرض مشروعه، أفكاره وإيديولوجيته في حين أن الإعلام  يقدم نفسه في المقابل كوسيط، كوسيلة إيصال، إلا أنه يشترط حسب مصالحه أيضاً على السياسي نفسه. أما عن نوع العلاقة التي تجمع ما بين الإثنين، فإنها لا تخضع لمعايير الأخلاق أو القيّم بل للمصلحة البحتة. فمثلاً نحن دائماًما نسمع بالأجندة السياسية، أي الرسالة المخفية التي يبتغي الإعلام أن ينقلها، إن كان بإستنباط تصريح لإحدى السياسيين كون ذلك يؤمن “scoop”  يعزز موقعته، أو حتى بتناوله للخبر، إن كان من حيث نوعه، شكله أو حتى الظروف المعينة التي قررت هذه المؤسسة نشرها للخبر. هذه الأجندة هي بكل بساطة دلالة بسيطة تظهر أن العلاقة التي تجمعهما وثيقة واحدة في خدمة الاخرى.

>> هل الإعلام هو من يصنع الحدث أم أنه يستند فعلياً، فقط لا غير، على الحدث؟

يمكن للإعلام أن يلعب الدورين معاً. يستطيع الإعلام وله القدرة أن يصنع  شيئا ًمن اللا شيء. لكن يجب العودة إلى الأساس، أي الوظيفة البديهية للإعلام. بمعنى آخر على الإعلام أن يرتكز على الخبر كحدثٍ فعلي حَدَثَ، ومن واجبه الإضاءة عليه ونقل تفاصيله إلى المتلقي. أولوية الإعلام هو أن يكون وسيطاً بين كلٍّ من المُرسِل والمتلقي بغض النظر عن إستحالة الوصول إلى الموضوعية الصرفة، وبدون أن نتحدث عن حيثيات هذه الميزة الضرورية، لكن يجب على الإعلام أن يخفي إنحيازه قدر المستطاع لتبقى معالجته للحدث ونقله له مجرّدة، مستندة إلى معايير علمية في تناول للحدث. لكن هذا لا يعني أنه لا يستطيع أن يضيف عناصر المبالغة أو أن ينشر أكاذيب، يحولها إلى حقائق. عصرنا هذا مليء بهذا النوع تحديداً من العمل الإعلامي، لكن في هذه الحالة، يتحول الإعلام إلى منصة بروباغندية بحتة، يفقد أولويته ودوره الوظيفي ويصبح أداة ً موّجهة لا تمت بصلّة إلى طبيعته الأصلية .

>> هنالك رأي لبناني مُصِرٌّ أن كل ما يحدث في لبنان، منذ 17 تشرين أي منذ بدء الإنتفاضة، ليس سوى صناعة إعلامية، ما رأيك؟

المواطن اللبناني ضحّى لوقت ٍ طويل بكل ما يملك وهو أساساً يعاني من أبشع العوارض السلبية، من فقرٍ ومرضٍ وغيرها، كما أنه يعيش في ظل نظام إجتماعي إستهلاكي "طويل عريض"، جلّ همه أن يروّج ويدعو على الشراء وإقتناء السلع. هذه الدعوات المتكررة للإستهلاك، أضف إليها "الثقافة اللبنانية" بشكل عام، خلقتْ إحباطاً عند المواطن، حيث لم يعد يستطيع أن يكون فاعلاً في لعبة العرض والطلب. هذا سبب من أهم الأسباب التي قامت عليها الإنتفاضة. أما عن الدور الإعلامي فيجب علينا العمل على تفكيكه، وتقسيمه؛ أولاً في العامّ: الإعلام اللبناني ساعد بأن ينقل صرخة المواطن وفتح بثه المباشر لساعات طويلة من النهار لتغطية الإحتجاجات والمظاهرات، وساهم في نقل الحقيقة الموجودة في الشارع. أما في الخاص، فبطبيعة الحال، لعب الإعلام دوراً يمكن وصفه بالمريب بعض الشيء، إذ أن العديد من المحطات التلفزيونية تعاني من الشح المادي ومن أزمة حقيقية في مواردها المالية. لا شك أن الإعلام إستثمر حماس الشارع وغضبه، وكان يريد المزيد من "التشويق"، وهو أجج الإنتفاضة وساعد في تسريع نتائجها، كونَ هذا الأمر يتناسب مع مصالحه الخاصة، ولو أنها لا تتناسب مع مصالحه الخاصة فكيف بالإعلام أن ينقل مباشرة كل ما حدث على مدى أيام عديدة في وقت أنّ تكلفة البث المباشر باهظةٌ للغاية؟ هنالك خلفيات مجهولة وراء هذا التمويل للإعلام اللبناني، وهم حريصون على أن يكون الإعلام "المتبني الأكبر" لهذه الإنتفاضة، لكن المنطق يقول أن ليس هنالك من ممول لا يبتغي مردوداً بالمقابل. كل المحطات الداعمة للإنتفاضة اليوم، والتي تراهم حريصين عليها، ما هم حقيقةً سوى مستثمرين فيها جنوا أموالا طائلة جراء هذا الحدث، وإلا لماذا ما زالوا حتى اليوم يستقبلون دعايات تابعة للمصارف مثلاً، هم الذين يزعمون أنهم داعمون للثورة لأن حياة المواطن اللبناني أصبحت بائسة جراء هذا النظام الذي يتحكم به؟ أما من هم الممولون وما هو مغزاهم وماذا يريدون في المقابل وغيرها من المسائل التي تقبع وراء الكواليس، فهي تساؤلات شأنها أهل الإختصاص، أي الصحافيون الإستقصائيون الذين يَعمدون في بحثهم على كشف الحقيقة.

>> برزت في اَونة ما قبل الإنتخابات برامج سياسية وحوارية تهدف إلى تلميع صورة السياسيين والترويج لهم، وعندما نشبت الإنتفاضة في لبنان، عمدَ الإعلام اللبناني نفسه إلى تبني مواقفها وشعاراتها. كيف يمكنك تفسير هذه الإزدواجية؟

إذا أردت أن تفهم أي موقف إعلامي،  يجب عليك أن تراقب خارطة المصالح المادية. لا مواقفَ ثابتةً عند الإعلام ولا يهتم أصلاً بأخلاقية الثبات على موقف واحد، مبدئي لا يهتز. غاية الإعلام تشبه إلى حد بعيد مهمة السمسار. جل ما يريده هو بيع منتوجاته. يريد أن يصرّفها، وفي هذه الحالة فمن الطبيعي أن لا يعرف حدوداً أو أخلاقاً. خذ مثلاً التغطية الإعلامية الأخيرة، قام الإعلام بنقل ما حدث ليلة تكسير المصارف وعندما إنتهى من البث، كان الفاصل الإعلامي دعاية مصرف لبناني معين.

>> بعيداً عن ال SHOW BUSINESS، هل إستطاع الإعلام في لبنان أن ينشر وعيا سياسيا- إجتماعيا حقيقيا غير منحاز؟ وفي المقابل ما هو العائق الذي يقف أمامه في تشكيل هذا الوعي؟

الرأي العام يبلور نفسه بنفسه، هو يأتي كردة فعل طبيعية على حدث نَقَلَهُ الإعلام أو كشفه. إعتماداً على أسلوبٍ يستند إلى معايير  موضوعية محددة يمكن للأفراد أن يكوّنوا رأيا عاما. لكن على الصعيد الأكبر، أي على الصعيد الواقعي والعملي، لا يهتم الإعلام بخلق رأي عام أكثر مما يهتم بأن يصدق الرأي العام شعارات المصارف التي تشكل ركيزة التمويل الأساسي له من خلال إعلاناتها ومصالحهما المشتركة. يمكن للإعلام أن يخلق رأياً عاما، ولكنه رأي عامّ منحاز يخدم هدف المموّل الذي يستثمر في الإعلام. هنالك تجارب معينة إعتمدت على تقديم إعلام بديل ومستقل بعيداً عن التمويل، على البقاء بعيداً عن عالم "الصناعة الإعلامية" يعتمد على إشتراكات معينة من جمهور يطلب أساساً إعلاماً حراً صادقاً فعلا في نقل الخبر ومعالجة القضايا، لا يتدخل فيه أو يقف وراءه  مصرفيون ورجال الأعمال وبارونات السياسة الكبار، الطامعون بأجندات سياسية.

>> برأيك، ما هي المعطيات التي يجب أن يرتكز الإعلام عليها بعمله؟

تحتاج هذه إلى المعادلة السرية كما أسميها، ومعناها خلق برامج إعلامية مستوحاة من الأسلوب الدراماتيكي التي إعتمدها المسرح اليوناني القديم. كانوا يقدمون عملاً إبداعاً فنياً يرتكز على تصوير المأساة بطريقة مضحكة ومسلية، الكوميديا السوداء، إذا أردت، أي أن تضحك على ما يصيبك من شجن. الإنسان عموماً يطلب التسلية، فما بالك بالمشاهد الذي يشاهد التلفاز؟ المعادلة السرية أي أن تستطيع أن تخلق وسيلة ترفيه تناسب المحتوى أو المضمون الذي تقدمه. لكن في النهاية هذا يتطلب التوازن (balance) ما بين  المضمون المُقّدم والشكل الذي يأخذه. الوسيط ما بين الإثنين يجب أن يكون سحرياً ليحافظ على أهمية كلّ منهما، في الشكل من ناحية والمضمون من ناحية أخرى، بدون أن تطغى الواحدة على الأخرى.

>> لماذا يصر الإعلام اللبناني على مخاطبة العواطف والوجدان وإثارة الأحاسيس عوضا عن التوجه العقلاني والعمل على بناء رأي عام؟

صحيح، الإعلام اللبناني غارق بالكامل في هذا التوّجه، لأن معظم همه هو الإفراط في التسلية وتقديم برامج ترفيهية خاوية من أي محتوى، فذلك يؤمن له مشاهدة، التي بدورها تؤمن له سوقاً كبيرة من الإعلانات، والتي في النهاية تدر له الكثير من الأرباح والأموال.

>> في المجتمعات القائمة على الإستعراض والفرجة، دائماً ما يكون الإعلام المحرك الأول للرغبات والمروّج الأساسي للإستهلاك. كيف لعب الإعلام اللبناني هذا الدور؟ وما هي "الصورة" التي سعى إلى إيصالها؟

ينقل لك الإعلام ثقافة الإستهلاك ويلعب دور المرشد أو العراب الأساسي  للإنسان العصري. إننا غائصون في مجتمع إستهلاكي حتى النخاع الشوكي، ولا يمكن لأحد أن ينفي أنه بعيدٌ عن التأثر بما يروّج له. سعى الإعلام إلى إيصال صورة ما يريده العصر من الأفراد. الإعلام عمل وفقاً لهذه الشعارات، فتراه يجسدها في برامجه وإعلامييه وعمله ككل، مثل "إعمل أكثر" أو "إجنِ المزيد من الأموال" أو "إشترِ هذه السيارة لأنها مريحة أكثر" وغيرها. سمح للإعلانات أن تعبر منه، كونُه منصةً مفتوحة، وهو بدوره أعطاها مبررات وشروط، بل وحتى نظّمَ أفكارها ليجعل منها ثقافة تؤثر على سلوك وقيم المجتمع.

>> إننا نعيش في زمن الأزمات، ما هي الأزمة الكبرى على صعيد الإعلام اللبناني اليوم؟

هنالك تقهقر في محتوى المضمون عند الإعلام اللبناني في يومنا هذا.  تزعجني مثلاً الهالة  الكبيرة التي تحيط ب "مرسيل غانم"، هو مسؤول عن تدهور حالة الإعلام. أنا أطلب من الجميع الإستماع إلى "مرسيل غانم" بدون مشاهدة برنامجه، لن تجد شيئاً. بعيداً عن الأجندات السياسية الظاهرة في برنامجه، وبغض النظر عن الحيّل غير المجدية التي يستعملها لإخفاء إنحيازه، أتكلم هنا على المستوى الإعلامي، أي على السمتين الأساسيتين التي يجب على أي برنامج حواري أن يتمتع بهما، وهما كشف المشكلة وإيجاد حلول. إنهما مفقودتان في برامج "مرسيل غانم". ظاهرة "مرسيل غانم" تؤكد تماماً أن المظاهر والإستعراض في المواجهة، باتت هي المضمون نفسه، أي إنتصار الشكل على المضمون.

>> هل الإعلام اللبناني مسؤول عن الأزمة الحالية التي وصلنا إليها اليوم؟

كلا، صحيح أن الإعلام روّج وعزز الإستعراض وخلق ثقافة إستعراضية لكن المسؤول الأول والأخير، هو المشاهد كإنسان له حرية الإختيار. من يتحمل مسؤولية الأزمة أو الإنهيار اليوم هو الفرد الذي لم يقاوم ما تم عرضه عليه وقبل به. الإعلام ضرورة، ضروريّ وجوده كوسيط أولاً، وكأداة تخلق برامج هادفة تحمل محتوى، وفي الوقت نفسه مسلّية وفيها ترفيه، عدنا إلى موضوع المعادلة السرية.

>> ما رأيك بظاهرة الإعلامي الذي يعمل في قناة  لكنه يصنع من شخصيته واجهة إعلامية مستقلة؟

تقبع المشكلة هنا أن الإعلامي أصبح بحد ذاته الخبر. إنه الإثم الذي يقع فيه الإعلامي، لأن الإعلامي في هذه الحالة يفقد كل أنواع المصداقية والموضوعية.

>> مع إنخفاض القدرة الشرائية خاصة على صعيد الكماليات، من المنطقي أن يتراجع مجال سوق الإعلانات. يقول أحد الخبراء أن الشركات (الدعائية) ستعمل من الآن وصاعداً فقط لخدمة مصالح الخليج، بينما سيتضاءل عملها في  لبنان. ما هي رواسب هذه الأزمة وكيف ستؤثر على الإعلام والعاملين فيه؟

رواسب الأزمة نعيشها الان. هنالك الكثير من أبناء الإختصاص الذين تخرجوا ولم يجدوا عملاً. المعلنون إختفوا من السوق، ومجال الإعلانات في أسفل دركات الجحيم. تدنّى كثيراً الدفع الإعلاني. ليس خفيّاً على أحد أن العديد من المحطات التلفزيونية تصرف موظفيها أو بات الموظفون فيها يعملون بنصف راتب.

>> كلمة أخيرة؟

أرى المستقبل الإعلامي والصحافي في مشاريع هادفة، مستقلة غير مموّلة من جهات مشبوهة، مثل "رحلة".