أخبرني صديقي "آل" بعد مكالمةٍ هاتفية وجيزة، أنه بإمكاني أن أجد كاسيتات ألعاب فيديو "نينتندو" في محل ”Wild “Willy في منطقة جلّ الديب. كان وَقْع الخبر المثير أقوى من حشريتي لأن أسأله كيف خطرت هذه المسألة على ذهنه في الأصل. منذ أيامٍ عدّة وأنا أتابع مستجدات العالم على التويتر، وانتبهت آنذاك أن جميع المستخدمين تقريباً باتوا أشبه بروبوتات وجدانية يحركهم طيف ماض قديم ورغبة هائمة بالعودة في الزمن إلى الوراء، ويشعرون بأن الحاضر وقتٌ ثقيل يصعب الرزوح تحت وطأته. لربما "آل" أيضاً اعترته النوستالجيا واقتحمته الذكريات وإلا لما كان اتصل بي. على كل حال، في ظل هذه الرتابة، أمر جديد أضفته على لائحة ما لن أفعله أو ال “Not to do list” الخاصة بي، وهو مغادرة المنزل في هذه الأثناء والتوّجه إلى جلّ الديب كونَ هذا الوباء الأشعث لا ينام، له قدرة فائقة على قنص الأرواح متخفّياً، له القدرة على أن يكون مستلقياً بأريحيةٍ كاملة، بهدوء تام وكأنه يستجم، منتظراً وصول يدك إلى قبضة الباب لينقض عليك ويضاجع فروة رأسك بثوان قليلة. أساسا ً لم يكن الخيار في يدي لو أردت الذهاب في مطلق الأحوال، فقرار وزير الأمن القومي "الغرينغو" الذي ينصّ على القوانين الوضعية المستمدة من الوضعيات الكاماسوترية، يمنعني من التجوّل بسيارتي لأن نِمرتها تنتهي برقم ٍ مفرِد، واليوم دور الرقم المجوز، أي العكس، لا بل التضاد، ما ينافي القاعدة، وأكون بذلك قد أخللت بالسلامة العامة مما يعرضني لمحضرٍ قانوني وغرامة مالية هائلة لا أستطيع التكفل بها.

الخيارات هذه الأيام مثل قدرات العقل، مثل المعطوبين شعورياً، مثل الرهانات، محدودة جدا ً، أمامك قراران لا أكثر. بين المجازفة بحياتك من أجل شريط لعبة فيديو أو المكوث في المنزل محدّقا ً لساعات في شجرة الافوكاتو، اخترت النوم. لم يعد باستطاعتي تحمل هذا الشعور الغليظ بالتفاهة، الذي يشدّني إلى تحت، مناكفاً قانون الجاذبية، كلّما فكرت أن شجرة الأفوكاتو ترمز لأحدهم، هو الذي يعلي من شأن الطبيعة على كل مدنية وتحديث، "العالم الجديد" أي عالم ينتمي زمنياً إلى فترة ما بعد الكورونا مستمِدا ً شكله ونمطه من عالم ما قبل الصناعة لننعم بالسلام ونكون أمام مستقبل أكثر إنسانية وعدالة واخضرارا ً. قيلولة صغيرة على الأقل، لأنني طامع بشدة بذلك الشعور المخدّر، بأن أكون هائما ً على سطح الأرض، كأنك منوّم مغناطيسيا ً، تنتقل تدريجيا ً، ببطىء وخفة من "الآن" هنا" إلى "الآن" في المجهول، هنالك في ذلك المكان الذي وصفه "رشيد الضعيف"  بالفسحة المستهدفة بين النوم والنعاس .

يمكنني أن أجزم بأن المتعة التي تولّدها هذه اللحظات لا مثيل لها إطلاقاً، تشبه تسجيلك الكرة في السلّة برمية خارقة من أول الملعب. ضربة قاضية في وجه جمود الحالة ولزاجة الملل. كتّاب كبار يمجدون القيلولة. "فيليب روث" واحد منهم، علاقته مع القيلولة مذهلة لكنه على عكسي، هو يفضل أن ينزع ثيابه عنه ويتغطى بلحافٍ رقيق بينما أنا لا يكتمل انتقامي من الحضور إلا إذا نمت بثيابي. أشعر براحة وجودية دافئة، طمأنينة مطلقة بأنني إذا ما مِت أثناء نومي بسكتةٍ دماغية مثلاً، يمكنهم دفني كما أنا عليه، دون إحالتي إلى المرحاض مثلاً ليعروني ويبدلوا ثيابي ببزةٍ رسمية، والدي يعلم أنني أكرهها أصلا ً، وليس ضروريا أن يراني عاريا وعضوي بارز. الميت أيضا ً يشعر بالخجل وإلا ما معنى حرمة الميت؟ 

"ووووووووووووووززززززززززز"

الذبابة القذرة حامت فوق رأسي وبطلقة صوتية طويلة اغتالت حلمي بأن أحلم وأنا شبه متيقّظ. حسنا ً، إذا كان طريق الهلوسة مستحيلا ً فسألجأ إلى  المخيال وأتجه صوب لعبة النينتدو.

قليل ما أملك في ظل نظام يشجع الملكية الفردية. لدي صندوق عتيق في داخله بعض من مقتنياتي الخاصة: "كرافات" سوداء هدية من أختي، صورة فوتوغرافية تجمعني بشفيع المدرسة الكاثولكية التي تعلمت فيها، الطبعة الأولى من كتاب "الأساطير" لرولان بارت سرقته من مكتبة الجامعة، ورقة نقدية من فئة 20$ مكتوب عليها " لقد مصصت قضيبا ً لأجني هذا المبلغ، الصراع حقيقي، إبقوا في المدرسة" ونينتندو أصليّة، يابانية الصنع، مع كاسيت سوبر ماريو موديل 1992.

يعود الفضل إلى"آل" بأن أعود وأزور هذا الصندوق. تربطني بهذه الأشياء علاقة حميمية ولاشك أنها، بشكلٍ ما، تعيد إلي بعض الذكريات عن نفسي، عن نفسي فقط. في بادىء الأمر، خشيت قليلاً أن يكون "آل" كما حال الجميع في هذه الأيام، هالكاً في مستنقع الحنين، يقضي كامل وقته في نبش القبور. بعض الأفكار التي أثرت عليّ من كتاب "بارت"، أن للنوستالجيا قوّة فعّالة لتكون نسقاً إيديولوجياً مغلقاً، لا تعير الحاضر أي أهمية نافية ً قيمته كزمنٍ مستقل يصنع نفسه، قادراً على السيرورة دون الحؤول إلى الأطلال ومحطات الماضي. هذه الدعوة إلى انعتاق القديم وتبنّيه وإضفاء رومانسية مرهفة عليه تزعجني أكثر من شاب الطبيعة والأفوكاتو. وهذه مشكلة عانيت منها كثيراً، فدائما ً ما  تقترن هذه النزعة النوستالجية الرومانسية بالبطل الذي يطلُ مستقيماً، بثيابه المطرّزة التي ترمز إلى القوّة، المجد والعنفوان دون أن تكون ملطخة بأي نقطة غبار، كما لو أنه كان قابعا ً في فانوس سحري منتظراً النداء ليولد، فنغدو أمام "سوبرمان" علّته حتميّة، ويخضع لمبدأ الضرورة. هذه الشخصيات الصارمة، التي لا تنكسر، لا تنهزم، وتملكُ قدراً غير محدودٍ من الحكمة مع خنصر ظفرهُ طويل، مضجرة، وخطيرة وتُضحكني للغاية. لم يشدني الأدب إلا عندما قرأت روايات لا يقودها بطل، من "أنتيغون" (سوفوكليس) إلى "غريب" (كامو) وحتى "فسحة مستهدفة بين النوم والنعاس" (رشيد الضعيف)، كذلك الأمر في الأفلام، وأيضاً في الحياة. وقعت في غرام الواقعية منذ اصطدامي الأوّل مع مدير المدرسة، ورفضي القاطع للتلفاز وكسلي المزمن من تحليل خطاب لا أعلم من صنفه منزَلا ً أو مطلقاً، حيث تكدّ في الاجتهاد والتأويل لتفهم الانزياحات التركيبية والدلالات الفظيعة، وفي نهاية المطاف تجد أن المخاطَب، مثل الوباء، لا يفصح عن نفسه بل غالبا ً ما يكون مستتراً.

كاتبة القصة القصيرة على عملة العشرين دولار التي أحتفظ بها، جميلة. نصيحتها الآتية من رحم الصراع، من جوهر التجربة، أثمن من كل أموال العالم. لو انصاعت للنوستالجيا لكتبت مراثي بكاء مليئة بالشفقة وناشدت بطلاً. هي الوحيدة القادرة على أن توقظ ذلك الشعور الذي يقطن بين النوم والنعاس. روعتها تكمن في انتصارها الدائم على العتمة، وباقتناءها مصباحاً مُشّعاً يضيء زواريب الحياة ويعزز وهج اللحظات. كان مصيبا ً للغاية جيم موريسون عندما  قال: "داوِ العماء بلعاب عاهرة". علاقتي مع الهامشيين أقوى من ارتباطي بأي بطل. مواقفهم الشخصية تنبثق حصرا ً من الداخل، من الحاضر، يكرهون الإرشاد ويحتقرون الجزم، ويبوحون بأسرارٍ موجعة عن زواريب الحياة بضحكة شوّهتها كؤوس الويسكي. هؤلاء يعلمون الحياة للفلاسفة، يجسدون بلا نية مسبقة ما قاله "جيجك": "...أظن أن الرضى الذاتي التام يأتي من حياة مليئة بالصراع، خصوصا ً الصراع مع الذات". الصراع مفروض أصلاً وهم اختاروا أن ينجزوا مهامَهم على طريقة اللهو. 

 وهذا تماما ً ما يربطني بالنينتدو، لعبة سوبر ماريو تحديدا ً. مرّة قال لي أحد المقامرين: "لذتي في الخسارة تضاهي لذتي بالربح". لغة "سوبر ماريو" المترنحة، الممزوجة بين اللهو وإنجاز المهمة، تشبهني. أداؤه بالارتجال، قفزاته عاليا ً وانبطاحاته أرضا ً مراوغا ً قوى مضادة تريد النيل منه، تجذبني. كنت قد قرأت في يوميات "بودلير" شذرة لخصت الكثير: "ما من فتنة للحياة حقيقية غير فتنة اللعب. ولكن ماذا لو كنا غير مبالين بأن نكسب أو نخسر؟"

"سوبر ماريو" غير آبه بنوستالجيا العصور الفائتة أو باستعادة حنينٍ إلى وقتٍ كاملٍ لكنه ضائع. إنه ينظر إلى الأمام دوماً، يمتلك شغفاً كبيراً للمراحل القادمة. فُرضت عليه مهمة ووافق عليها. هنالك فتاة مفتون بها، مسجونة في قصر مُظلم تحتله وحوش ضارية وعليه أن ينقذها منهم، دون أن يكون مجهزاً  بعتادٍ أو بحكمة ورثها من أجداده. يُخطىء لكنه يعيد المحاولة. هو يصنع نفسه بنفسه، ويعيد وصل اللحظات ببعضها، يستعمل خدعة كسبها أو سحراً أجاد فعله بفضل تكرار التجربة، هذا إذا ما اضطره عليه الأمر. "سوبر ماريو" مجرد رجل أحب قدره البائس، ووافق على الصراع، ووجد معنى في التوغل السرمدي في اللحظات من خلال إبداعها من جديد، دون أن يتوق إلى زمن ٍ غاب أو زمنٍ مضى. إنه "العود الأبدي"، الذي يعني أن تكون قادرا ًعلى الاستمتاع في اللحظات و تجديدها دون تردد من الغد أو ندم على البارحة." سوبر ماريو" يعلم هذا جيّداً، وهو ليس خارقاً وليس حكيما ً وطبعا ً ليس ببطلٍ، لكنه يعلم أن النهاية التي تأتي بجملة سخيفة ومأساوية، تقول  “Game is over” لا تعيقه عن العودة للتجربة من جديد أو أن تكون فعلاً نهاية للتاريخ.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: