" هاك هذه القصة: أنقذ أحدهم رجلاً من الغرق في بركةٍ موحلة، مجازفاً بحياته، الآن كلاهما مستلقٍ على حافة البركة، متقطعا الأنفاس منهكان، فقال الرجل الذي تم إنقاذه: أحمق! لم فعلت هذا؟ أنا أعيش هنا"


  أولادٌ قرب الجامع يلعبون. هناك غرفةٌ ملاصقة للمبنى يضعُ القيّمون فيها الأغراض الهامشيّة، فيها ركنُ تغسيل الميت، سبيكراتٌ معطّلة، سجاجيد عتيقةٌ وكتبٌ قديمة مغبره. وهناك في الركن التابوتُ الذي يحملون فيه الميت إلى المقبرة ثم يردون التابوت لاحقاً. أثناء تدافعنا في اللعبِ، تعثرتُ ووقعتُ على ظهري لأجد نفسي ممدّداً داخل التابوت. تراجع كل الأولاد إلى الوراء مصدومين، وأنا لم أفهم ما الذي حصل بعد. "طالب! هل أنت بخير؟" ثم صَمَتَ الصوت. هل صرتُ في العالم الآخر؟ تساءلتُ. قال الولد النازلة مخطتهُ :" أتشم الرائحةَ تلك عندك؟". لا أدري هل يريد القول أنها رائحة الإيمان أو شيء كهذا، ففي الحقيقة هذه رائحة الكافور التي يطيّبون بها جسد الميّت فحسب، وهي نفّاذة بشدة فعلاً. قال أكبرنا بحكمةٍ أنّ الشخص لو بقيَ في التابوت لمدة خمس دقائق مغمضاً عينيه، وذاعوا نبأ موته فوقه، فلن يخرج منه مرةً أخرى، بل يموت شكليّاً، عائدةً روحهُ في الزمن إلى الماضي، ويعلقُ هناك. كان يقول هذا ولو أن فرقة منشدين أو كورالاً يرتّل خلفه، لكان المشهدُ عظيماً، لكنْ يا للحسرة الكمالُ لله وحده.

لا، هذه الحادثة لم تغيّر حياتي ولا بلوط، كما كان يمكن أن يقولَ أحد ضيوف TED ex مثلا، ولستُ في وارد القصّ هنا، لكن تستطيع من هذا، اكتشافَ أن التوابيت ليست مخصوصةً بالأموات فقط، بل بالأحياء أيضاً، أحياء يعيشون بحثاً عن التابوت المناسب.

 أما بعد، فأنا إنسانٌ يكره قيادة السيارات، لا أفهم التحكم بجسدي فكيف تريدني أن أتحكم بسيارة؟ في العادة حبيبتي هي من يقود بنا في لقاءاتنا، لكنني رغم ذلك أعرف كيف مثلاً، نقود السيارة إلى الخلف، وهذا هو السؤال الأساسي الأول هنا: كيف يكون الرجوع إلى الخلف صحيحاً؟ أولاً يقولون لك: ركّز على مرآة خلفية واحدة، مع ملاحظة مهمة :" مقاسات وأبعادُ الصورة في المرآة غير حقيقية!" أي أن الصورة متغيّرة أيضاً، المرآة بحد ذاتها غير حقيقية، إنها إضافةٌ طارئة. ثم تأتي القاعدة التالية : مسارُ السيارة رجوعاً، معاكسٌ لحركة المِقوَد؛ بديهيّات الرجوع خِلافاً، الأغلبية لديهم فكرةٌ عنها، تنطبق على السيارة كما على الحياة، لكنِ القليلُ لديهم المبرر الواضح لاختيار الرجوع هذا، فيقعُ في المشهدِ الكابوسيّ (بالنسبة لي) حين تخطئ المسار، بأن تضيعَ متسمّراً بشكلٍ شاذّ في منتصفِ الأوتوستراد السريع، بين التقدّم أو الرجوع، خائفاً من الاصطدام، عالقاً في اللحظة، لا خزان البنزين فارغ ولا السيارة معطّلة. (طبعاً كنت تستطيع الذهاب في الطريق البحرية وتوفّرَ عليّ آخر جملتين وتستمتع بالمشهد، لكن لا بأس فداك).

 الإشكاليةُ المزدوجةُ التي تتبدّى هنا هي الزمن والشعور. معضلةٌ تلقي أبعادها عميقاً في وجودك الراهن، مسبّبةً نوعاً من الدوخةِ الوجودية؛ لتعيش بعدها في وبائك.

تصابُ بهذا الوباء الخفيّ الشعوبُ عامةً، شعوبٌ تاريخها حضاريٌّ في العادة، وفي حالات أخرى، سببيّة غالباً، يُوَرَّدُ ويُشَكّلُ هذا الوباءُ في مصانعَ سلطوية، خفيّة وظاهرة، مصطنعة ومتوارثة، خصّيصاً من أجل تمثيلية الخلاصِ المنتظر من المجهول.

المجهول، هذه كلمةٌ رئيسية في هذا الوباء، الكلمةُ المستخدمةُ لبثّ الخوف، والخشية من مواجهة الحقائق، علماً بأن المجهولَ - بما هو عدم معرفةٍ مسبقةٍ- شرطٌ أساسيٌ في تعدد المسارات، بالتالي إمكانيّةَ حريّة المشي. والآن، قبل أن نسمي هذا المرض، دعنا ندخل في العوارض أكثر؛

رسم تاركوفسكي في فيلمه "Nostalghia 1983 " شخصيّة بطله، الشاعرِ الروسي البعيد عن وطنه (أندريه)، بأنه شخصٌ ذو أصالةٍ ذوقيّة، باردٌ في مشاركةِ المشاعر المتوقعة، قصداً أو دون قصدٍ، وفي الوقت نفسه متعاطفٌ مع شخصيات غير متوازنةٍ، مثله، تتأسّى، باحثة عن كمال وتوازن ما (دومينكو)، شخصية تبحث عن أضحيةِ عبور نحو وحدة وجود. صديقنا هذا (أندريه) مصابٌ ب (هيداك المرض) الذي نحاول تسميتهُ، نستثني بالتأكيد من فحوصاتنا، الأشخاص الذين يستلذّون بإصابتهم به جرّاء كونِهِم خاضعين للتعبئةِ الفوقيةِ، بشكل براغماتي (تكاد هذه الكلمة تثقب موضعها من شدة ثقلها)، شكلٌ مثقلٌ عمداً بالذكريات التاريخية من بطولاتٍ ومآسٍ وحوادثَ، رغم التعاطف نستثنيهم "فمن أجل إيجاد تعبير للفكرة، لمعنى الحياة الإنسانية، فليس ثمةَ حاجةٌ لبسطِ لوحةٍ مزدحمة بالحوادث خلفَ الإنسان" (النحت في الزمن - تاركوفسكي).

عودةً إلى الفيلم، يفيد تاركوفسكي في الكتاب نفسه، بأنه يصوِّرُ شخصاً في حالةِ عزلةٍ عميقة عن العالمِ وعن ذاته، غير قادرٍ على إيجاد التوازن بين الواقع والتناغمِ الذي يتوقُ إليه. العزلةُ والغربة أعراضٌ واضحة على جلد الروحِ كما ترى، ونخصّ بالذكر غربةَ (راوح مكانك) أعني -والعياذ بالله- الغربة الداخلية. التباس الهنا والهناك، فقدان الوصول إلى اليد.

  ترتعُ الأغلبيّةُ - تجنّباً لمشقّةِ السؤال والبحث- في اللحظة الراهنة، وأفضل ما يفعلونه هو التسمّرُ أمام الأخبار اليومية وحسب، وهذا [الإعلام] دهليزٌ آخر جدواه غير مضمونة دون تركيب وتفكيك متراكمين. وبما أن الزمنَ يدخل في النسيج النفسي للإنسان، مكوّناً من مكوناته، تكون اللحظةُ الراهنة في الحقيقة هي باب الشعور الأول من أجل الانتهاء إلى التجربة الوجودية، لحظةُ "الآن" التي هي منصّة طرح الأسئلةِ الجوهرية: من أنا؟ أين أنا؟ كيف؟ ... والنموذج المصغّر لهذه العملية على المستوى الداخلي، يظهرُ في التعلّق الشخصيّ بالطفولة الأولى عند الفرد، أعني تلك اللمحات الدافئة التي يسمحُ الشخص لنفسهِ بنعتها: أبديةً، متوحّده. هذه الأسطر توضح ما يجعل الإنسان مختلفاً عن الشجرة في أحسن حال: تعيشُ كل الفصول والمراحل، في كل سنة مرة. بالتالي، ما يثبتُ صفةَ السّرابيّةِ على هذا المرض، هو قيامه على غياب كل حركةٍ تثبت أنك موجود بأي شكل كان، هي الدخول في باب (لو)، والممكناتِ السابقةِ لا الممكناتِ الآتية، شيء أساسهُ العبث اليوميُ والضجر. فما المصير المفترض لهذا الإنسان، إضافة إلى الثقل المتراكم عليه؟

 يستعرضُ الكاتب "إلياس كانيتي" في مسرحيته "المرقّمون" حياة شخصيات بلا أسماء، في مجتمعٍ يحملونَ في أعناقهم قلائد وميداليات تحتوي عدد السنوات التي سيعيشونها، أي تاريخ وفاتهم، يُدعَون بأرقامهم لا أسمائهم، وفي الوفاة يأتي من يمثل هذه الفكرة القهرية ويدعى (الحافظ) الذي يفتح وقت الوفاةِ القلادةَ المحرمِ عليهم فتحها، آخذاً روح الميت. كذلك نحن، أسيرو أزمنةٍ ملتفّةٍ حول أعناقنا، نَعُدُّ لأنفسنا ونؤرخ بساعاتٍ وتواريخ انتهت صلاحيتها، إذ لا وقت لنا، لا لشيءٍ لكننا لم نصنع هذا الوقت، وقتنا، بعدُ. كل ما عليك أولاً هو أن تتجرأ على فتح قلادتك لتكتشفَ خلوّها من تاريخِ وفاتك؛ هكذا أفعل أنا وأعزي نفسي بهذه اللحظة التي أكتب فيها هذه الأسطر الآن، أكتب هذه الجملة بالذات لأقول أنها كُتِبَت الآن.

هذا المرض هو ما سميناه: النوستالجيا/الحنين؛ وها أنا أصعد في هذه المناسبة إلى المعبد الروماني في المنطقة المجاورةِ، أعلى أحد أعمدته الرخامية وأردّد :" إسمعوا أيها الناس، أنتم أموات تماماً، السنوات التي تحملونها حول أعناقكم زائفة [...] فمن يرغبِ في الموت اليوم يستطيع الموت اليوم، ومن لا يرغبه يمُت مع ذلك، فالميداليات فارغة، فارغة (ص١٤٧-المرقمون)" .

هي أنشودة هلاك دائم، نحو فسادٍ دائم، شاركوا في الدمار، فليس لكم إلا أن تتهدموا في هذا المسعى الإنساني الذي لا ينتهي عما قريب.