أن أقعد أكثر من شهر لكي أكتب نصًّا يتعلّق بفلسطين إثر أحداث دامية وخراب مهول ولا أنبِس بحرف، تفكيري معطّل ذاكرتي ممحيّة وفَص الابداع في دماغي مصاب بمغص، يعني الأفضل لي أن لا أكتب.

إلّا أني لم أكن وحدي في هذه المحنة، زميلي أنطوان الزعتيني عانى "بَوْكَلَة" (كلمة فرنسية تصف حالة عسر) مماثلة. انسحبَ مرات من الكتابة في هذا العدد، ثم سحب انسحاباته من التداول وراح يكتب بعدما حدّد، في البدء، عدد كلمات نصّه ب ١٩٤٨ كلمة. القصة عنده اذهبوا إليه حالا لو أردتم.

وما دخل كل ذلك بفلسطين؟ لم أكن لأكشف ما يجري أحيانّا في مطبخ "رحلة" لو لم يكن لذلك دخل بها.

فلسطين طرأت على "رحلة". حشرت نفسها بين إصدارين العدد ٢٠ "الطريق مقطوع" والعدد ٢١ الذي لم تكن ثيمته تقررت نهائياً بعد. أحداثها الأخيرة وتلك الوقفة الثابتة الكلّية في وجه الغطرسة والظلم المستمر منذ أكثر من ٧٣ سنة، شكّلت معًا اقتراحًا لفتح الطريق ومنفذًا لعودة الأمل والمضي في الرحلة إليها. فأصبحت هي العدد ٢١.

لن أكتب عن فلسطين بأريحية أو تنظير مثلما يفعل عرب وأعاجم كثر بأقلامهم السيّالة. ولن أكتب عنها بعاطفة جيّاشة تفاديًا للإنشائية العقيمة. هذه المرة، تستحق فلسطين كتابة خالية من أي غضب ونظيفة من كل لوثة. كتابة صريحة واضحة.

كما أني لن أكتب استنادًا إلى ذاكرتي. فأنا ليس لدي أي ذكرى عن تلك التي تسمّونها "بوصلة!" أسمح لنفسي هنا ومن بعيد، بأن أرجّح أن فلسطين هي الوجهة التي تشير إليها البوصلة، وليس البوصلة. ولكن، من أنا لكي أتدخّل في ترّهات سياساتكم؟!

اسمي ياهْتو (أي أزرق) من السكان الأصليين في قارة أميركا. لا يهم إلى أي قبيلة أنتمي فكلنا نحمل الأثلام نفسها التي حرثها الرجل الأبيض في أجسادنا وعقولنا.

لكني أحذركم بلطف من أني رسميًا متوحّش. كلنا متوحشون كما هو مدوّن في سجلات النفوس ووثائق المعمودية والزواج، حيث كان يُكتب على سبيل المثال "عُقد قران المتوحّشة la sauvagesse إيزابيل لابوانت بعد تقبّلها المعمودية والقربان المقدّس بتاريخ كذا، على لوي فيليب لابورت، في منطقة كذا وتاريخ كذا." وإيزابيل تلك قد يكون اسمها المتوحّش مثلا أكوينه ومعناه سلام.

حتى بعد المعمودية واعتناقنا المسيحية بأفرعها كافة وترقّينا على درجات الإيمان، بقينا متوحّشين ملاحَقين ومضطهَدين. آخرها فسحة خضراء في مونريال مخصصة لتلاقينا، أخذ المقاولون يقضمونها بتشييد أبنية سكنية من دون مبرر لاختيارهم تلك الفسحة بالذات.

اخواني الفلسطينيين وأخواتي، اعتبروني مثل أحمد الزعتر الذي قفر شاعركم محمود درويش وجه الشبه بيني وبينه إذ كتب "إنّ التشابه للرمال... وأنت للأزرقْ".

أنا هو الأزرق... أنا ياهْتو الذي يرفض "خطبة "الهندي الأحمر" ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض"، للسبب الذي خطّه درويش نفسه في متنها "وُلدْنَا هُنَا بَيْنَ ماءٍ ونارٍ… ونولَدُ ثانيةً في الْغُيومْ". فأجمل رؤيا تطالعنا في جلسات الاستخارة تلك التي نهطل فيها من تلك الغيوم لتنظيف الأرض من ارتكابات الرجل الأبيض.

قد يكون صحيحًا أننا شعوب نتوسّل السوانح في حياتنا وطرق عيشنا، إلا أن ثمة سوانح مؤاتية في الأفق مع بدء تدمير التماثيل والنُصُب التي ترمز إلى الغزاة البيض، وفي عقر ديارهم، آخرها تماثيل كريستوفرو كولومبس ذاته وقريبًا سيرمونه عن عرشه في برشلونة مسقط رأسه. ألا تقولون "ولو بعد حين"؟

الرجل الأبيض مهما انعدم إحساسه أخذ يدرك فداحة ارتكاباته. تاريخه بدأ يقض مضجعه. أجياله الجديدة راحت تسائل أجياله القديمة… والأمر شبيه بمواقف مستجدة وحازمة وحاسمة من إسرائيلكم (نعم، نعرفها فلدينا إسرائيلنا أيضًا).

قد تقولون إننا كسالى سكّيرون، الجواب هو لا مدوّية. كنا شعوبًا تعدّ، منذ ٥٠٠ عام، بنحو ١٠٠ مليون نسمة. فانخفض عددنا بنسبة ٩٠ في المئة في الأميركتين، بسبب الحروب وعدوى الجدري المتعمّدة وإبادة مصادر قوتنا ورزقنا: قطعان البيزون والمواسم ومدى الأراضي والفَلا والطبيعة مصدر الهامنا. ضعفنا كثيرًا بوقت قصير فانقطع حولنا.

أحلف لكم بحكمة واكانْ تانْكا، منذ وصول كولومبس في ١٤٩٢، والمستوطنون يقتلعوننا من بيوتنا وأراضينا التي راحت تتقلّص وتضيق بنا.

وكلما تعافينا وقمنا اشتدّت الضربات على رؤوسنا: زربونا في محميات بعد إخلالهم بالمعاهدات. وبات مورد رزقنا تهريب الدخان والويسكي. علقنا بالويسكي حتى الثمالة. ففزع الرجل الأبيض على أولادنا من سوء تربية السكرانين فانتزعوهم من أحضاننا.

انتزعوهم وحرموهم من النطق بلغاتهم ووزعوهم على أسر غريبة ووضعوهم في مدارس. واغتصبوهم وقتلوهم ودفنوهم.

اليوم، لفظت أمّنا الأرض ٩٦٦ جثة من بين آلاف اختفوا في الماضي، بين ١٩٠٠ و١٩٧٣ ولا يزالون يختفون… ويُقتلون في المستشفيات، مثل جويس إشاكان التي استطاعت تسجيل موتها بالفيديو وسط قهقهات الممرضات.

التمعت فلسطين بين ٨ و٢٠ من أيار الماضي، فاستطعنا رؤية جمرتها تتوهّج تحت الرماد والركام. واطمأننا عليها. لا يزال في عروقها نبض. وغضبها هذه المرة فعل فعله. زعقت في وجه المحتل الغاشم زعقة مهولة، لتقول "كفى، كفّوا اجرامكم عنّا". وامتثل العدو للزعقة، هكذا يقول المشهد لا المنظّرون أو المحللون.

كانت وقفةً جامدة جيرونيميّة (نسبة إلى قائد قبيلة الأباتشي جيرونيمو الشرس في قتاله).

عندما اندلعت الأحداث الأخيرة في فلسطين، لفتتني قصة ذلك المستوطن الكمخ الذي يريد أخذ (نعم أخذ) بيت تلك السيدة الفلسطينية الوقورة الصلبة في حي الشيخ جرّاح. وذكرتني الواقعة بوقفتنا في أوكا، غرب مونتريال (١٩٩٠) وإيبّرواش بمقاطعة أونتاريو (١٩٩٥) عندما أراد الرجل الأبيض الكمخ أيضًا أخذ (نعم أخذ) أراض لنا هي مقابر لأجدادنا وتحويلها ملاعب غولف. فوقفنا في وجهه وفزنا.

ثمة فارق جوهري بين مواجهاتكم ومواجهاتنا الغول. ولنتّفق أولا على أن الغول سبب معاناتنا وأوضاعنا المزرية هو غول واحد. هو نفسه، يتلوّن حسب الظروف وأحكامها بالاستعمار والاستيطان والإقطاع والرأسمالية والديموقراطية والنيوليبرالية والعقائدية والدين والشرق والغرب والشمال والجنوب.

الفارق هو أنكم تجابهونه من خارجه. تتراشقون بأسلحة ولو غير متكافئة، وأحيانًا توفّقون بمناصرة محدودة أو عميمة. تتوقفون. تهادنون. تعترضون. تقاومون...

أما نحن فالمجابهة تحصل في قلب معدة الغول. فبأي وسيلة نحارب معدة تفرز علينا الأسيد والويسكي من كل ما يصل إلى معدة حيوان أسطوري شرِه يبتلع كل شيء في كل الأوقات: مناجم، أقمار اصطناعية، تاريخنا، تشيبس، لغاتنا… حتى أخبار فلسطين الأخيرة ازدردها مع الاحتجاجات على الإجرام الإسرائيلي التي عمّت شوارع بعض المدن هنا. عتّم إعلام الغول عليها. لم يدرِ بها أحد كأخبارنا تمامًا.

أثناء التِماع فلسطين الأخير، كنت مترعًا بويسكي رخيصة من نوع Black Velvet Reserve (مخمل اسود معتّق). وفي ترجمة أخرى، يحمل اسم هذا المشروب معنى "المحمية المخملية السوداء". هاهاهاهاها. يا لسخرية القدر! هل أدركتم ما المضحك في ذلك؟ "المحمية" (Reserve) حيث بتنا نسكن نحن "الهنود الحمر" بعد أن سُلخنا عن كل بقاع الأميركيتين وزُرِبنا في محميات. مخيّمات داخل أراضينا مثل المخيّمات داخل أراضيكم. 

والمضحك الثاني هو "مخملية" (Velvet)، فهذه توحي بأن المحمية فاخرة. فارهة هاهاهاهاها. أما السوداء فهذه صفة لحياتنا المُرّة.

أصاب الرجل الأبيض في الاعتماد على كروية الأرض والاتجاه غربًا لبلوغ الهند. ولكنّه عندما وجد نفسه على خطأ، سأل عن اسم ذلك المكان الفسيح الزاخر بالخيرات والبشر والمشاكل والسعي والفنون والعمارة والذهب فلم يجد له اسمًا. وهذا ما راعه إذ اعتبر أن لا اسم يعني لا وجود، فاستباح من فيه وما عليه. 

اخواني الفلسطينيين وأخواتي، في "خطبة الهندي الأحمر"، ينقل درويش صورة وافية عنّا وعن أحوالنا. جميل أن نجد تاريخنا مصوّرًا في أبيات قصيدة عربية! أما أنا فأضفت بعض التفاصيل التي قد تكون فاتته أو فاتت القصيدة.

حتى أنه انتبه إلى فلسفة الحياة عندنا، باقتباس قول لسياتل زعيم قبيلة الدُواميش، في المطلع:

"هَلْ قُلْتُ: مَوْتى؟

لا مَوْتَ هناك...

هناكَ، فقط، تبديلُ عوالِم".

إخواني الفلسطينيين وأخواتي، اسمحوا لي أن أضيف "إذا رأيت مصيبة غيرك لن تهون مصيبتك... لن تهون".


كل التقدير والمودة،

أخوكم ياهْتو

الصورة: من أزمة أوكا بين الحكومة الكندية والسكان الأصليين (1990)

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل أنقر هنا
Patreon support button