في التاسع من شباط\فبراير 1995، علّقت الحكومة المكسيكية عمليّة السّلام مع حركة زاباتيستا (أو: جيش زاباتيستا للتحرر الوطني - EZLN) وغزت معاقلهم في إقليم تشياباس (التي سيطروا عليها قبل عام) إثر مطالبة أحد مستشاري بنك تشيس مانهاتن الأميركي الحكومة المكسيكية بأن تتخذ إجراءات ضدّ الحركة. أشارت مذكرة تشيس السرية المسرّبة أنه "في حين لا يشكل إقليم تشياباس، في رأينا، تهديداً أساسياً للاستقرار السياسي المكسيكي، إلا أن كُثُراً في دوائر المستثمرين الماليين يرون عكس ذلك. وذلك يتطلب من الحكومة القضاء على الزاباتيستا لإثبات سيطرتها الأمنية الفعليّة وسيادتها على أراضيها".

بعد أكثر من 25 عاماً على صدور هذه المذكرة السريّة وشن الهجوم المضاد على حركة زاباتيستا، لا تزال مناطق واسعة من إقليم تشياباس خارج سلطة الحكومة "الشرعية" المركزية. حتى أن رئيس المكسيك الحالي لوبيز ابرادور قال في شهر تموز\يوليو 2019 إن حكومته تحترم بشدة حركة زاباتيستا، وتطمح إلى التعايش سوياً بسلام. فما الذي حال دون فرض الدولة سلطتها على منطقة تسيطر عليها مجموعة من المتمردين والمزارعين منذ أكثر من 25 عاماً؟

ساعة الصفر: ليلة رأس السنة

في ليلة رأس السنة من عام 1994، وعشية توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك (NAFTA) والتي ستؤدي إلى نتائج كارثية على الصناعات المحلية المكسيكية وخاصة المزارعين، شن 3000 من مسلحي زاباتيستا هجوماً استولوا خلاله على بلدات ومدن في إقليم تشياباس، وأطلقوا سراح السجناء وأضرموا النار في العديد من مباني الشرطة والثكنات العسكرية. تراجعت الحركة في الأيام التالية بعد هجوم مضاد للجيش وانتهت الاشتباكات المسلحة بعد 11 يوماً عبر اتفاق وقف إطلاق نار بوساطة كنسيّة.

شكّل التمرّد المسلّح مفاجئة كبرى حيث اعتبر مراقبون أن ما حصل هو فشل استخباراتي من جانب الحكومة، خاصة وأن الجيش كان على علم بوجود الحركة في الإقليم منذ عام 1993.

وحتى يومنا هذا، لا تزال الحركة تسيطر على مناطق مساحتها حوالي 24 ألف كيلومتر مربع (ضعف مساحة لبنان) يسكنها أكثر من 360 ألف شخص يستفيدون، على سبيل المثال، من خدمات طبية مجانية أفضل من التي تقدمها الحكومة المركزية في مناطق أخرى. وتُحافظ الحركة على أُسس الحكم الذاتي الأفقي من خلال المجالس المحلية والتكافل الإجتماعي وبناء وصيانة نظمها الصحية والتعليمية الإيكولوجية الزراعية المستدامة، وتعزيز العلاقات الجندرية العادلة، وترسيخ التضامن الدولي من خلال التواصل السياسي غير المُلزم (لا يُفرض على أحد). ومن خلال ارتداء الأقنعة لإخفاء هويتهم، يشدّد أعضاء حركة زاباتيستا على أن "لا قادة إلا الشعب."


سلاح جديد

اللافت أنه وبعد بضعة أسابيع فقط من بداية التمرد، عدّلت الحركة استراتيجيتها وأطلقت مناورة جديدة بعيداً عن ساحة المعركة التقليدية. 

إذ دعت الحركة المؤيدين في جميع أنحاء العالم، من ناشطين ومنظمات غير حكومية لدعم نضالهم. الهدف من هذه الدعوة هو تحقيق هدف استراتيجي مشترك لجميع هذه الأطراف، وضرب أهداف متعددة بتنسيق مسبق، وتبادل للموارد الضرورية (مادية، لوجيستية، اتصالات). وبالفعل، بدأت المنظمات غير الحكومية إطلاق حملات كتابة بالفاكس (Fax) وعلى الإنترنت والبريد الإلكتروني وتنظيم المجالس العامة والمؤتمرات الصحفية والمقابلات. كما زار ناشطون من هذه المنظمات إقليم تشياباس بناءً على دعوة الحركة.

علّق وزير الخارجية المكسيكي آنذاك خوسيه أنخيل غوريا على ما يحصل قائلاً: "لم تُطلق رصاصة واحدة في تشياباس خلال الأشهر الـ15 الماضية. استُخدِمَت البنادق عشرة أيام فقط، ومنذ ذلك الحين شُنّت الحرب بالحبر، بالكلمة المكتوبة، حرب عبر الإنترنت". (1995)

وفي عام 1998، رَحَّلَت الحكومة المكسيكية نشطاء من منظمات غير حكومية أجنبية. وهذا دليل آخر على كفاءة تلك الجهات غير الحكومية وعجز الدولة المركزية عن التعامل مع هذا النوع الجديد من النزاعات: حرب معلومات تقودها شبكات أفقية خفيّة.

حرب الشبكات

طُرِحَت قوة الشّبكات كشكل تنظيمي للتغيير الإجتماعي في مراحل عدة من قبل العديد من الكتاب والمجموعات، وتستمر هذه الطروحات بالتبلور بفضل التقدم التكنولوجي وتطور الحركات الإحتجاجية الشعبية (أنظر "ِشبكات الغضب والأمل" لـ مانويل كاستيلز، 2011. و"الإشتباك آت" لـ اللجنة الخفيّة، 2009). إلا أن تمرد حركة زاباتيستا عام 1994 كان ربما المحاولة الفعليّة الأولى لاستكشاف هذا المفهوم الجديد على نطاق واسع من خلال الممارسة وليس النظرية فقط، وبالاستعانة أيضاً بشبكة الإنترنت في وقت مبكر جداً. 

عام 1998، صدر عن شركة راند الأميركية (Rand Corporation) كتاب بعنوان "زاباتيستا وحرب الشبكة الإجتماعية في المكسيك" (Zapatista Social Netwar in Mexico). يحلل الكتاب استراتيجية حركة زاباتيستا عام 1994 لتحرير مناطق واسعة من جنوب المكسيك بالتعاون مع السكان المحليين وشبكة واسعة من المنظمات غير الحكومية (NGOs). وتجدر الإشارة هنا أن شركة راند هي واحدة من أشهر مراكز الأبحاث عالمياً (Think Tank)، وهي تقدم الإستشارات والتحليلات للحكومة الأميركية وقواتها المسلّحة.

أشار الباحثون في هذا الكتاب إلى أن "مفهوماً جديداً، متجانساً مع حركة زاباتيستا، يتبلور حالياً، ويهدف إلى الاستفادة من قوة "الشبكات" وتعزيز "المجتمع المدني العالمي" من أجل مواجهة القوى الفاعلة في الدولة واقتصاد السوق."

فكيف حصل كل ذلك؟ أولاً، عززت ثورة المعلومات الشبكة كشكل تنظيمي، وزادت من صعوبة الحركة في ظل التنظيمات ذات الأشكال الهرمية القديمة (الأحزاب، مؤسسات الدولة، الشركات التقليدية). أدى ظهور الشبكات التي تتصل كل نقطة فيها بكل نقطة أخرى إلى انتقال القوة من السلطة المركزية إلى الجهات غير الحكومية، والتي تملك قدرة على التنظيم والتنسيق عبر شبكات بسهولة أكثر من الجهات الحكومية الهرمية. هذا يعني أن النزاعات ستندلع بشكل متزايد من الشبكات الأفقية بدل السلطات الهرمية. بمعنى آخر، من يتقن استخدام الشبكة أولاً سيحقق مكاسب كبرى.

وهنا الإشكالية التي تهدد سلطة الدولة والأحزاب والمؤسسات التقليدية، والتي تستنفر مع كل تحرك شعبي غير تقليدي ردود فعل غير معتادة (من أنتم، من هو قائدكم، ما هي مطالبكم، من دعاكم إلى المظاهرة، غروبات واتساب، اختاروا ممثلين عنكن…) . هذه المعركة تدور خارج نطاق "سيادة الدولة"، ما بعد الحدود، وفي العالم الإفتراضي أيضاً.

قد تحمل هذه الشبكة الأفقية أهدافاً تقدمية أو رجعيّة، يساريّة أو يمينيّة، علمانيّة أو طائفيّة، علنيّة أو سريّة، تحمل الخير إلى المجتمع أو الدمار. تهدف حرب الشبكة (Netwar) الإجتماعية إلى التأثير على ما يعرفه الخصم، أو يعتقد أنه يعرفه، ليس فقط عن العدو بل أيضاً عن نفسه وعن العالم من حوله. حرب الشبكة هي حرب تشكيل المعتقدات والمواقف في المحيط الاجتماعي، حرب "معلومات" حول من يعرف ماذا ومتى وأين ولماذا. ساحة المعركة في هذه الحرب هي المحيط الإجتماعي. وتتشكل الأطراف المتحاربة من مجموعات صغيرة تتواصل وتنسّق وتقود حملاتها بأسلوب متشابك، في غياب قيادة مركزية محددة. 

عام 1994، نشرت شركة راند دراسة للكولونيل الأميركي ريتشارد سزافرانسكي تحت عنوان "Neo-Cortical Warfare" ، يشرح فيها الكاتب أن التحدي الذي تواجهه الحكومات والمجتمعات أصبح تحدياً "إبيستيمولوجياً" (معرفياً). إذ أن أي لاعب في حرب الشبكة (Netwar) قد يستهدف زعزعة وعي ومعتقدات الناس الأساسية حول الطبيعة والثقافة والمجتمع والحكومة، لبث الذعر وأيضاً لتضليل المجتمع وقياداته وتشويش حواسها. تهدف هذه الحرب إلى خرق سلسلة عمل "دماغ" العدو (Neo-Cortical) على مستوى المراقبة، التوجه، القرار والعمل (observation, orientation, decision and action). وهنا أساس الخلل في السلطة المركزية أي الدولة. فهي غير قادرة على تحديد الجهة المسؤولة عن لعب هذا الدور الجديد في منظومتها الهرميّة وكيفيّة حماية نفسها في حال تعرضت لهذا النوع من الهجمات. فهل تستعين الدولة بالشرطة أو الجيش أو المؤسسات الأكاديمية أو وزارة الداخلية أو الخارجية للحفاظ على سيادتها؟

شبكات زاباتيستا

تتبع شبكات زاباتيستا شكلاً تنظيمياً يتعامل مع الواقع المعرفي الجديد ويأخذ بعين الاعتبار تاريخ وتقاليد منطقة نشاطه. إذ ترتبط شبكات حركة زاباتيستا ببعضها ببعض من خلال قيم مشتركة وتبادل كثيف للمعلومات وشن متواصل لعمليّات "معلوماتيّة" (Information Operations) ضد الحكومة المكسيكية والجهات الفاعلة الأخرى التي تهدف شبكة زاباتيستا إلى التأثير في مواقفها.

انبثقت تصاميم شبكات زاباتيستا عن ثلاث طبقات: الأولى، على مستوى القاعدة الاجتماعية، السكان الأصليون (Indigena) وهم مجموعات ذات طبيعة "قبلية" تتشارك مُثُلاً وأهدافاً تتسم بالمساواة والتشاركية والتشاور. الثانية، القيادات التي بادرت ودعت لتأسيس جيش زاباتيستا للتحرر الوطني، ومعظمها من الطبقة الوسطى المتعلّمة وذوي خلفيات لاتينية-هندية، تسلّلوا إلى إقليم تشياباس بهدف تأسيس جيش حرب العصابات. (مثال: "سابكوموندانتي ماركوس" و "سابكوماندانتي رامونا"). الثالثة، الطبقة الأعلى من منظور حرب الشبكات، والمُكوَّنة من عدد كبير من المنظمات غير الحكومية المكسيكية والدوليّة التي توحدت والتفّت حول حركة زاباتيستا بعد هجوم عام 1994. 

عدة عوامل أسهمت في تبنّي وانضمام هذه الشبكات إلى مشروع جيش زاباتيستا للتحرر الوطني، أهمّها تخلّي الحكومة المكسيكية عن قوانين استصلاح الأراضي الزراعية لصالح الفلاحين، غياب الثقة بالحكومة والسياسيين، الأزمة الزراعية الناتجة عن إقتصاد السوق الحر، ودخول لاهوت التحرير إلى منطقة تشياباس وتحريضها السّكان على التمرّد. 

تشير المعلومات إلى أن حركة زاباتيستا في فترة الثمانينيات من القرن الماضي كانت تعمل بشكل هَرَميّ. إلا أنها أعادت النظر في شكلها بعد اتصالها بالسكان الأصليين والمنظمات غير الحكومية. إذ يعتبر سابكوماندانتي ماركوس أن "الغرض من القوة والسلطة في التصميم الجديد للحركة هو خدمة المجتمع وليس قيادته". وهذا الشكل والهدف هو على نقيض مع شكل وعمل الحكومة المكسيكية.


"ان جي اوز"

أما المنظمات غير الحكومية، فعوامل إضافية ساهمت في تبلور موقفها ودورها في تمرّد مسلح في جنوب المكسيك ما لبث أن تحول إلى حرب شبكة إجتماعية. أولاً، ارتفعت أعداد هذه المنظمات وزاد تنوعها وقدراتها بشكل كبير في جميع أنحاء العالم منذ سبعينيات القرن الماضي. وفي ثمانيناته، طوّرت هذه المنظمات شبكات تنظيمية وتكنولوجية للتنسيق في ما بينها، وهي قدرات لم تكن تملكها العديد من الحكومات آنذاك. وبالتالي، فإن قدرة المنظمات غير الحكومية على الدخول إلى المكسيك استجابةً لدعوة جيش زاباتيستا للتحرر الوطني كان أمراً متوقعاً، وهو ناتج عن تقاطع جهود بناء شبكات على المستوى العالمي والإقليمي والمحلي.

وفي عام 1996 شارك سابكوماندانتي ماركوس رؤية حركته للتوسع: إنشاء "شبكة دولية للأمل"، يكون تصميمها أفقياً وتنظيمها ذاتياً ومن دون تنسيق مركزي، من أجل تعزيز النضال العالمي في مواجهة النيوليبرالية. هذه الشبكة الإجتماعية العابرة للقارات، حسب رؤية الحركة، ستدعم جميع النضالات وحركات المقاومة من دون الحاجة إلى بنية تنظيمية أو قيادة مركزية أو تسلسل هرمي. باختصار، يقول ماركوس، "نحن الشبكة، كلنا نقاوم."

شكل هذا التحالف بداية شكل جديد من العمل والتنسيق الذي ستظهر معالمه في السنوات التالية في عواصم ومدن العالم لتشتبك مجموعات محليّة ودولية من السكان والمنظمات غير الحكومية والنقابات مع الدولة والشركات العالمية، بالعمل المباشر ونشر المعلومات وتبادلها. نذكر من هذه الحركات والتحركات على سبيل المثال: الحركات المناهضة للعولمة، ومنظمة التجارة العالمية (معركة سياتل، 1999) وصندوق النقد الدولي، وشبكة العمل المباشر، قمة الثماني (معركة جنوة، 2001) ومؤتمر دافوس (2003) والحملة العالمية ضد الحرب على العراق (2003). 

وكما قال كتاب شركة راند عام 1995 أن "من يتقن استخدام الشبكة أولاً سيحقق مكاسب كبرى"، فمن الواضح أن من يحترف تطوير الشبكة، من دول أو شعوب، سيرث المستقبل.