شبحٌ مرعبٌ لم ينفذ صبره بعد يطارد بلاد الأرز، إسمه الصراع الطبقي، وبصوتٍ أجهرٍ يصرخ عالياً: لبنان الأخضر الكبير، مات. خمسمائة سنة من التاريخ مضت على عجل، حفظناها ببضعة أسطر، وبإيجاز ٍ فهمنا: لم يكن هنالك ملكٌ ليُشنق ولم يأت ثوارٌ مجرد تحاصص إعتباطي ٱنتقل من المعني الأول في مصارف توسكانا إلى خواجة سعودي أوجيه. إنها السيرورة التي لم تنقطع، مسلسل ميلودرامي "لُو بادجِت" رديء، لصوص بمكياج أبطال والنهايات الخالدة دوماً.

من القاهرة، لوزان حتى الدوحة مروراً بباريز(لثلاثة جولات متتالية) وعودٌ تنتهي بالخيانات، تسوّل متعدد الجنسيات ومن ثم طاولة كبيرة للتفاهم والحوار والعشاء على شرف الأفرقاء والرفقاء (التجسيد الأبهى  للكرم العربي الذي لا يعرف عدوّاً) حضر عليها أفخم حشو لغوّي على الإطلاق: خطط إنقاذ طارئة تنشلنا من شرّ العدم، عدم الٱصطياد بالماء العكر، الإبتعاد عن الخيار الوعر، محاربة الفساد، القضاء على الكساد، محاولات متكررة لرأب الصدع، تدوير الزوايا، إعادة التموضع، كسر التقوقع، تكسير الطائف-عفواً-تكريس الطائف، رفض للإنجرار نحو الفتنة، إجترار السلم الأهلي، وان-بيغ شامباين للعيش المشترك، المحافظة على الإستقرار، تعزيز الإزدهار، التأليف والتكليف، "سيدرز" لايتس طويل وعودة على بدء وفي البدء عودة.

 أجهض "سيدرز" قبيل ولادته، خلق ميتاً. حاله كحال بلاد الأرز الشاذة، الإبنة المعطوبة لـ "وليام سايكس" و"جورج بيكو". محاولة الإنعاش الأخيرة أو الوهم القاتل، أسطورة خلاص أخرى واهنة للقبض على رقبة المستقبل. لكنها القاعدة التي لا تشذ: في السوق الحرة دائماً ما يكون البقاء للأقوى وإنها إذاً الحتمية الطبيعية أن تحلم بالعملة الخضراء عند قيلولة بعد الغداء. لكن يمكن للحلم أن يعود إلى رشده، أن يمحي كابوس الحاضر ويقلب الواقع بغفلة عين، رأساً على عقب، ذلك حسب الإستفاقة. كما حدث للتوّ، حدث منذ قليل: إستيقاظة بطعم ٱنتفاضة.

تململٌ أصاب أوساط مكافحة الشعب (القابعين على الكراسي رافضين النوم في القبور) ووجومٌ على "زَلمتِهم أبو الزلف"، إله العنفوان والشهامةِ والبطولة (الذي للأسف لم تقتل رصاصات بيروت ال75 ذاك المخادع البغيض) بعد أن لقي مصرعه في بيت عتابا مكسور بسطرين من "الراب" شتمت زعيمه. الإنفجار الكبير الذي تأجل عقوداً وحضَرَ معه أخيراً الشبح الذي طال ٱنتظاره. 17 تشرين الأول 2019 وما تلاه، إحتمالية المعقول في أن يأتي صباحٌ مُشرقٌ: يوبيلياً ذهبياً، لكنه النفق الذي يجب ٱجتيازه أولاً لتحقيق سياسة الأرض المحروقة على حساب الصيغة الوطنية البالية (إنها الواقعية بوجه المثالية). وعليه فكل دعوة للإشتباك من لؤلؤ وكل ترفع ٍ من خراء.

لا تُدَرَس الثورات في المعاهد ولا تتلفز بل يجيد فعلها من يعصي الهزيمة في الحروب الصغيرة. وحدهم من ورثوا أهوال المعارك، من عصوا وعظة دجالٍ مستشرسٍ، من تعلموا الصراع الطبقيّ في "النيتووركات" (عندما كانت تمضية ساعة على الإنترنت فعلا برجوازياً أو مخصصاً لأصحاب الإمتياز) يعلمون هدفهم، تثوير الإنتفاضة والثمالة على نعش كل قديم. الكرة اليوم في ملعبهم ويحتم عليهم تسجيل هدف قاتل لا يحسب إلا إذا كان بداعي التسلل، لأن نسف القائم لا يأتي بقواعده بل من الخارج، من بعيد، من هناك.

لذلك، فلنضع راديكاليتنا على الطاولة نحكي بوضوح ما نريد، فالشعارات طبق بائت وهَضمها سريع. 

نريد الإنقلاب المطلق الجذري على المنطق الأرسطو-توافقي للسلطة السياسية التي عيّنت حوتاً رئيساً على شركة طيران "الميدل-إيست". نريد ذلك فوراً نريد بحراً في "بعلبك" ونريد في الاّن نفسه الثأر من "منى بعلبكي"، تلك التي قايضت أرقاما هائلة من الدولارات مقابل أدوية فاسدة أَبحرت في شرايين أولاد مصابين بالسرطان. نريد أن نكتب التاريخ كالآتي: "وُجد عندنا يوماً مديرٌ لمصلحة السكك الحديدية، يقبض راتباً شهريا باهظاً، لا يذهب إلى دوام عمله لأن لا وجود للسكك الحديدية أصلاً بل مصلحة طائفو-وطنية عفنة. كانت لدينا مزحة سمجة إسمها  "الشيف أنطوان"، الأوكسيجين الوحيد لمحطة الوطن التي تعاني من غيبوبة مزمنة، العاجزة على التفريق بين السكر والبودرة " ثم نضع على غلاف الكتاب ورقة نعوة بثلاثة ألوان: أحمر، أبيض وأخضر وعنواناً عريضاً أسودَ داكناً يقول: لبنان الكبير (الأخضر طبعاً لأنه هو في الحقيقة الوادي الأخضر الذي ٱحترق يوم15  تشرين الأول 2019) مات.

 نريد أن نضحك هستيريّاً على الأغنياء الأغبياء، والأهم أن يعرفوا أننا نضحك عليهم، هم الذين يصدحون بغضبٍ شعاراتٍ رافضةً لسلطةٍ تشاركوا معها خبزاً وملحاً وشوكولاتة، أولائك الذين صدعوا رؤوسنا في طلعة مراهقتنا بالرحمة على زمن البحبوحة.

 نريد الغد. حريصون على أن يبقى هنالك غد، لأن البارحة دُفن وشبع موتاً، إستولى عليه اللصوص ذاتهم منذ عقود، أعادوا إحياء نفسهم كأنهم بلعوا حبة زخم جعلتهم من سبعة أرواح، فإذاً نريد ٱستعادة الوقت المنهوب. وقتنا الذي سُرق  وٱقتطع غصباً عن أعمارنا. الليالي البيضاء الوحيدة الباردة التي شرذمتنا نصفين، نصف ٌ للأرق ونصفٌ للقلق. 

نريد تفخيخ الٱبتزاز الإقتصادي حالاً، يعني وضع لغم تحت مخدة كل مرابي هدد بنصيبه وإلا...قرفنا التعجرف والإستعلاء النابع من التباهي في الايفستايل الرغيد ولم نعد نأبه بالنتائج، أعصابنا تثرثر، وهنالك من يلعب بسوق البورصة بٱستهتار. تباً للإنهيار، حاصل بالفطرة، من يهتم؟ وليحزن المغتربون إذا أرادوا، لماذا لا يخرسون فحسب؟ (والمقصود جماعة "إنستغرام" المطاعم والأبراج العنجهية العالية). نريد إستعادة الوعي المسلوب، عندنا خطة واضحة المعالم تماماً، "السلطة لا بؤرة مركزية لها" (راجع "ميشال فوكو") لذا برنامجنا الثوري شامل ضد كل القوى من إذاعة زمزم ومحطة مريم والأستاذ معروف (فئة الأرمن يمثلها الخيار الثاني) "ميسيو" الفلسفة الذي يبحث عن الميتايفزيقيا في حقول السياسة. تعال لنعلمك فينومينولوجيا الصمود في الحانات والمقاهي، أنت مدعو دون إذْن ٍ (على عَكسَك يا سلطوي) لنعلّمْك كيفية التصدي للسائد الجارف (صودف أن أغلب المتأثرين بِك توو- ماينستريم) دون أن يخطر ببالك الإنتحار.

نريد المزيد من التشويق، المزيد من الحب ونريد أن نطلب الأحلام ديليفري. لكن قبل كل ذلك، نحن قطعتان من التضاد اللتان لا تلتقيان، محشورين في منتصف الطريق، في وحشة الطريق، كمن سقط سهواً بين برّه وبحره ( الأسطورة التي ٱستولت على عقل البعير فلا عتب إن لم يدر أن الرطوبة نهشت عظامنا) طبقتان مقسومتان وجودياً، لا حَكَم يفصل بيننا و الزمن طويل، فلتبدأ الرحلة.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: