قنابل مسيّلة للدموع تهطل من السماء. السماء تّفاحة حمراء مُحمّصة خارجة من الفرن. الأفران عاطلة عن العمل. الأرض إطار كبير مشتعل. الطريق لسان من نار برتقاليّ طويل. تمهّل حاجز. الموادّ الغذائيّة يسرح منها الدود. الدود ينزلق من اللسان إلى الحلق بلزوجة. اللزوجة تدبق كغراء على الأعصاب. الأعصاب مهتاجة ترجف لا تهدأ. مهدّئات الأعصاب مقطوعة. الأفق\الغد\الاحتمال\الوجهة: مقطوعة. انتبه: باص مدرسة. المدرسة زنزانة فارغة سجناؤها موبوؤون. طفلة تبيع جوائز ماليّة يأكلها الجوع. بقرة مذبوحة على الرصيف ينهشها الذباب. طنين الذباب سبب إصابات بالغة الجنون. مصادر موثوقة أكّدت...خشششششش...أن العاصفة "war" في طريقها إلى الوصول وستحطّ رحالها بعد قليل. الرجاء التزموا منازلكم. الحرارة منخفضة جدًّا. المدافع ساخنة. عاجل ورد الآن: اختفاء العاصمة بيروت من الجغرافيا العالميّة بعد انفجار ضخم ناجم عن ارتفاع أصوات المُقترعين لأسباب مذهبيّة متعلقة بخاصّيّة الأقليّات والظروف الإقليميّة ما أسفر عن ما لا يقل عن مئتي قتيل ودعوة ضدّ مجهول.

أكمِل!

ابتسامات على شكل خناجر. الأيادي الّتي تصافح محفوفة بالسمّ. صاحب السمانة قبالتي يبيع نفسه أخلاقيًّا. وانغ وانغ وانغ. سيّارات الإسعاف القلب النابض للمدينة. المذرفكر يقول "أنا جائع بدّي دولة". المذرفكرز يريدون مصادرة عقلي. المذرفكرز يقتلونني ببطء. المذرفكرز يأخذون سيلفي. 

أشعر أنّني حقًا في فيتنام!

كلّ شيء يشير إلى أنّني في فيتنام، في هانوي تحديدًا، في صلب المعركة، عارٍ وغير محصّن، في الجبهة الأماميّة من المعركة. لكنّ الصورة تنقل عالمًا مغايرًا عن كلّ هذه الجلبة، الصورة تقول شيئًا آخر، الصورة تكذب. الصورة تقول: لو وجِدَت حكومة لما كان هذا الشابّ ثائرًا، فتربط الثورة بشرطٍ، ويصبح جوعه عارضًا ظرفيًّا، لتتحوّل الممارسة الميدانيّة إلى كرنفال، ومن الكرنفال ننتقل مباشرة إلى وقفة قصيرة مع الفولكلور، ومن ثمّ نعود إلى اللذّة الشبقيّة في المتابعة، إنّ هذا المَشهد المعروض برعاية: أبو الزلف.   

الصورة لا تبوح بالموضوع، وهي على جفاء مقزّز مع الحقيقة. كشف "فيورباخ" بنقده للاغتراب، عن هذا الزيف منذ أكثر من مئتي سنة بقوله "لا شكّ أنّ عصرنا يفضّل الصورة على الشيء، النسخة على الأصل، التمثيل على الواقع، المظهر على الوجود وما هو مقدّس بالنسبة إليه ليس سوى الوهم أمّا ما هو مدنس فهو الحقيقة". كلّ شيء مقلوب رأسًا على عقب. لذلك لا عجب أنّني عندما أضيء التلفاز مثلًا، أرى صاحب السمانة قبالتي على هيئة ملاك مع جناحين كبيرين، حتّى أنّهم حين يتحدّثون عن المناخ العام، يكثرون الكلام عن بريق وضوضاء لاس فيغاس، وينسبون الضرورة الملّحة إليها، دون أن يتفوهوا بكلمة واحدة عن فيتنام.

هذا مكان موحش، صحراء نائية، دماء أصحابها رخيصة، لا تناسب على الأرجح، ما يبغيه صنّاع الصورة قبل الضغط على زناد الفلاش. إنجيلهم يقول إنّ ما هو مرئيّ اليوم، ما هو ظاهر للعيان، غير قابل للمُصادرة والعرض، كأنّه يحتاج إلى إرشاد أو موافقة من قبل هيئة رقابيّة عليا، لأنّ الوجوه كما هي عليه، الأجساد الّتي تقف هنالك على ناصية الشارع، أشكالٌ عنيفة ومؤلمة وصادمة، نحيلة وقاسية وهالكة، فعرضها يُصنف بأنّه بضاعة غير قابلة للبيع، مشاهد لا تسمح طبيعتها بأن تكون شائعة. يتوّجب بالتالي إعادة فبركتها من جديد، بشكلٍ يتناسب مع حجم الجيوب لسراويلهم المخيّطة؛ تبّرجًا مغريًا زائد بعض الشعارات الممجوجة وأكشن! فيولد مشهد على شاكلة دعاية معجون الأسنان، "لايت" وخفيف ونظيف. لن يحزن أحد والوضع شرعي للغاية، برونتو ويحتل الصدارة العالميّة، مثل معجون الأسنان، أي كلّ معجون أسنان كما يتمّ تسويقه: الأفضل، وينصح به جميع أطباء الأسنان حول العالم. يحدث أنّ الصورة تفعل كلّ هذا: تشوّه المعنى، تُضلل العالم وتختزل الأحداث، ذلك بسهولة تلاوة الصلاة، وبسرعة سيارة فيراري. 

تراك تتساءل أيّها القارئ، ما علاقة هذه المشاهد الأبوكاليبسيّة الّتي ذكرتها بعدد كهذا ينصّ على الولادة؟ ما بالك من الصورة وماذا حلّ ب"كونتاك"؟ دعني أجيب. لا يرمز "كونتاك" سوى للولادة، قيامة الشخصيّة في انفتاحها والإصرار على التجديد. هذه مسألة قديمة يا مان، يا أختاه. بكلّ الأحوال هو بخير، شكرًا على السؤال. أما بعد، فأنا لست "لا فكرافت" أو "فوكنر"، لست مؤهّلًا لكتابة الفيكشن ولم أتعمّد تدوين مشاهد ديستوبيّة. قالوا لي في مدرسة الإعلام أنّ المحتوى الكتابيّ للراديو يشترط "الرسم في الكلمات"، وعليه، كلّ ما في الأمر أنّني أنقلُ حسبًا لتلك القاعدة ما يجري في المحيط، لأنّ الصورة عمومًا، وما خلفته ورائها من تصوّراتٍ خصوصًا، لهي اغتيال للدقّة والتفصيل، إجهاد للنظر حتّى تعمى العين، إغماء للوعي بمسمّيات زائفة، والأهمّ غياب ملامح الوجه جرّاء غشاوة العدسة، فتعازينا الحارّة بموت الواقع.

عندما تكون في فيتنام، ولكي لا تعود إلى المنزل محمّلًا بنعشِ على أكتاف رفاقك ما عليك سوى بسلاح تواصليّ بقدر ما تحتاج إلى كلاشينكوف وخندق حماية تحت الأرض. ليس موت الواقع هذا سوى ضرورة لخلق وسيط جديد، يعيد إحياء الواقع بعيدًا عن التشويش الّذي يحصل، ويُنقذ المتفرج الأخير، القارئ، الّذي أصابته اللّوثة البصريّة وميَّعته. ولادة ما يمكن تسميته: النصّ المذياع، لأنّ في خضمّ كلّ هذا الخراب، على هذا الضجيج أن يكون مسموعًا، منقولًا كتابيًّا بما لا يقلّ شراسة عما هو عليه. 

حين كتب "ألكسندر أستروك" مقالته "ولادة الطليعة الجديدة: الكاميرا-القلم" قال مُشدّدًا على أهمّيّة السينما كفنّ جديد، كوسيط قائم على قدرة تعبيريّة مذهلة غير آبهٍ بالاستعراض "كان ديكارت اليوم قد أغلق على نفسه بالفعل في غرفة نومهِ مع كاميرا 16 ملم وبعض الأفلام، كاتبًا فلسفته عن الفيلم: لأنّ "مقالًا عن المنهج" سيكون اليوم من هذا النوع، بحيث يمكن فقط للسينما التعبير عنه بشكلٍ مُرضٍ." لكن، ماذا لو كان ديكارت يعيش معنا اليوم، هل كان ليستعمل انستغرام تيك-توك أو لايف فيديو على السوشل ميديا ليشرح المنهج؟ أعتقد أنه كان سيكتب نصًّا خارجًا عن النهج، بعيدًا عن النسق، نثريّ متفلّت، يصرّح فيه بفجاجة عن رفضه لمصنع المشهديات والمَشاهِد، مُصرّحًا: أنا هنا إذًا أنا غير موجود، مختصرًا بذلك موت الواقع وهو يجلس في منزله متواريًا من الرائحة العفنة لتلك الجثة. نحن متفقون مع أستروك في كلّ ما أورده، خصوصًا في دعوته إلى "ولادة وعي جديد" و"الإسراع في ظهور مستقبل مثير" لكن نقول أنّ هذا يجب أن يكون مشروطًا بكتابة جديدة: حيّة، خام، خالدة، مصحوبة بإيقاع، ليكون المقروء أشبه ببثّ مباشر على أثير موجة النصّ. أتحدّث عن المقال المذياع، كنوع من الكتابة المبنيّة على التفاصيل، المراهنِة على النبرة، الّتي تصف بغزارة وتفضح ما يجول في عقل كاتبها دون خجل، الّتي تمتص الظواهر استردادًا لما سمّاه ميرلو بونتي "العجب في مواجهة العالم"، الدهشة، أو القشعريرة، أي ضوء المعنى الذي سرقته الصورة أو فلترته. 

يجب أن نأخذ الصوت بجدية تامّة، لأنه المحرك الخفيّ وراء كلّ نصّ، وأن نلحقه، أن نركض وراءه لاهثين. عُد إلى غرائزك وتذكّر، أنت إذا ما أحسست بالخطر، تصرخ بكلّ ما أوتيت من قوّة طالبًا للنجدة، تستغيث حتّى الرمق الأخير، حتّى ينشف حلقك أو تنفجر حنجرتك طالبًا العون. أنت لا تصوّر. إذا رأيت أحدًا يصوّرك فتموت فورًا بأرضك قهرًا. الصوت هو الخلاص، هو الكلام الصادق البريء، هو ما يبقي الطفل على قيد الحياة عندما يخرج مولودًا من كسّ والدته.

ليس الكاتب هو من يكتب في جميع الأحوال. الكاتب هو ساعي بريد يُسلّم ما تم تَسليمه. هذه مسألة اتفق عليها الغنائيّون (lyricists) والتفكيكيّون، من بوب ديلان حتّى جاك ديريدا. هم صرّحوا ما معناه: إن الكتابة هي ذلك الصوت الداخليّ الّذي يلاحقك، يسكنُك كشبح، يهمس في أذنيك، وأنت ما عليك سوى أن تحرّك القلم أو أن تدقّ بأصابِعك على الكيبورد. على راحتك يا مان، كما تريد (أنتِ أيضًا أختاه، أحبّ أن أعيّدك في مناسبة نهار المرأة العالميّ). وعليه، وجب على الكاتب أن يكون مُخلصًا، يُفرط بشطّ الكلمات وسرد المؤثّرات حتّى يلامس نصّه مناخ الراديو، وبالطبع، عليه أن يذهب بنفسه بزيارة سخيّة إلى فيتنام يستنبط منها صخب الحرب وسكون السلم.

قد يعترض البعض ويلوح بذهنهم كتابة مقال مضادّ لما صدر هنا، ومن بعدها ينشرونه على "منصّات الصورة"، مفاده أنّ كلّ ما قد ورد يمكن زجّه في خانة "التنظير الرحلاويّ". طبعًا، الردّ جاهز وسأعرضه مسبقًا. أنت لا تنهي نصّك قبل قراءته على صوت عالٍ، لتقفر النشاز الكامن فيه إن وجد. بل أكثر من هذا، ما يجعلك مرتبكًا قبل الوداع بقليل، ما يثير حماستك لتعيد ترتيب اللقاء من جديد، هو الصوت العالق في رأسك حيال الجملة الّتي سمعتها وأيقظت بداخلك شيئًا أثار حفيظتك، أو جملة وددت أن تقولها ولم تلحّق، فرحت تتخيّل السيناريو المُقبل على أنغام سلطان الطرب أبو وديع وتفكّر مليًّا حتّى تجهد عضلات دماغك في كيفيّة إلقائها، قلها.

جرّب القراءة المعاكسة للمقال المذياع في مجال الأدب مثلًا. إذا أردت الانتقام من أحدهم، ما عليك سوى أن ترسل له طردًا بريديًّا يتضمّن رواية "نساء فواكه وآراء" لحسن داود، وهذا يكفي. أما إذا أردت أن تعذبّه فما عليك سوى أن تقرأها، بصوت مونوتوني بطيء يشبه سرده المملّ، على مسمعيه. لا تعتِل: سيكون ضميرك مرتاحًا، ذلك أنّك ستأخذ نصيبًا وافرًا من القصاص. كتابة مستقيمة كتلميذ نجيب، ياقته عالية،  خرّيج إرسالية كاثوليكية، لا تعرف التموّجات، مطيعة غير "زعراء"، صوتها خافت، وتيرتها منكوصة، ضعيفة القدرات والأهمّ محدودة الصوت. هي عاجزة أن تُخبر الحدث الّذي  يحدث عندما يُعدّل الانسان ساعته ليضبطها على التوقيت السائد، فاقدة القدرة على سرد ووصف ما نقدّر أنّه ذلك الوقت الضائع، وغير قادرة مثلًا  أن تَصدح بوجه الإنسان المُعاصر لتؤنبه، أو أن تزرع في قلبه سؤالًا: كم هي مدّة الوقت الّتي أمضيتها في حياتك وأنت تُبكّل أزرار قميصك محملقًا في نفسك أمام المرآة وهل تعلم كم عامل بناء في أفريقيا كان يتمناه لينام؟

مستر ويليام بورووز، لقد استضافك رئيس تحرير مجلة رحلة ماغ منذ فترةٍ وجيزة، وحتمًا، لقد كان حوارًا شيّقًا. إسمع، أنا لا أتزحزح عن موقفي الراديكاليّ القائم على ضرورة انفجار الكاتب في النصّ، وعلينا كقرّاء لملمة أشلائه وإعادة صفصفتها. خلق طقس مقدس. هذا القرن سيشهد نهاية العالم، ويل، أعتقد أن ولادة المقال المذياع هو آخر محاولة. أعرف أنك مع جاك وألن، من أوائل الّذين اتبعوا تقنية الوعي الجارف، نسف رقابة العقل الموازية لضرب موازين البنية والبوصلة الشرطيّة. أريد أن أستعين بك مجددًا، أسمعني شيئا. قُل!

"ولدت عام 1914 في منزل مبنيّ من الطوب مكوّن من ثلاثة طوابق في مدينة كبيرة في الغرب الأوسط الأمريكيّ. عاش والدي في بحبوحة. كان والدي يمتلك ويدير مصلحة بيع ألواح خشبيّة. في واجهة المنزل، كان هنالك مسطّح أخضر، وفي الفناء الخلفيّ حديقة وبركة أسماك، وسياج خشبيّ عال طوّق كل ذلك. أذكر رجل الإضاءة الّذي أشعل القناديل في الشوارع، وسيّارة لينكولن البرّاقة السوداء الضخمة والرحلات الى المنتزه في أيّام الأحد. كلّها مقوّمات حياة آمنة ورغيدة كانت يومًا ولم تعد." (المدمن، ويليام بورووز)

شكرًا ويل؛ هنا رحلة: أكره أنّني أشعر حقًا أنّني في فيتنام.

انتهى، حوّل.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل أنقر هنا
Patreon support button