" كلما ضحكتُ وتطايرتْ ضحكتي وارتطمت بزجاج النوافذ ظن الجيران أن الحرب عادت فقاموا إلى بنادقهم زيّتوها وانتظروا" - كلاب العزلة، فوزي يمين.


حين يكون دخولك إلى الجحيم مضموناً، لا تنسَ الفوشار على الأقل مثلا، ودفتراً صغيراً لتأليف النِكات أو الشتائم الطويلة، وغير بعيد توجيه نقدٍ لاذع لملائكة العذاب، أو الصراخ، وفي حالاتٍ أفضل الاشتباك والهجوم، فلا تدري، قد يحصل معك شيء ما، من قبيل إشعال فتيلِ (إشعال الفتيل، ما أسخف هذه العبارة) حرب ضارية تستمر أربع سنوات، وتتسبب في مقتل الملايين، وقد لا تغيّر قشّة وتضيع تماما، كشقيق الروائي همنغواي الذي طيّر الإعصار طوفَه البحري الذي مثّل في نظره دولة مستقلة، وقد تجد أنّ الحلّ الوحيد هو أن تلدغ نفسك بالسموم التي تعتريك كما يفعل العقرب إذا حوّطته النار من كل الجوانب، ولا أنت تمتلك القوة الفائضة لتفرّط في قوتك كما فعل النازي ذي الشارب المربّع، قد لا تعرف ما الذي أنت بصدده من الأساس، فأنت بسيط، وكل ما في الأمر أنك لا تريد أن تموت أولاً، ثم ألا تموت في سبيل شيء متسمّر خارج نفسك تقريباً، لا أنت في خضمّ حربٍ كما تُعَرَّفُ الحرب، ولا تعرف ما الحرب أصلاً، ولا تعرف كيف تنتمي إلى أيّ شيء بشكلٍ كلّي، إلا إن كنت غافلاً عن جوهر ما تنتمي إليه، أعني أن يكون إنتماؤك حصل تحت وقْعِ الحماس ووقعِ حفلات الكوكتيل المجاني التي تلي الفعاليات المعتبرة، ووقع الكعب العالي (أيها المتحرش القذر).

رغم هذا، أنا لن أستخف - معاذ الله - بتأثيرك، ألم تقرأ من قبل عما يسمّى بتأثير الفراشة وهذا النوع من الهراء الرائع الذي يريك كيف أنّ نفْضَكَ للسيغارة في منفضتك هنا، قد يتسبب بإعصار في كاليفورنيا مثلا! حسناً لم تقرأها، قد تكون إذن على الأرجح قرأت يوماً ما، في مادّة تاريخ الشهادة المتوسطة في المدرسة، الجملةَ التي تشرح أحد أسباب الحرب العالمية، تحت عنوان فرعي: الأسباب المباشرة للاندلاع: إغتيال ولي عهد النمسا.. حدّث نفسك قليلاً: من قام بهذه الفِعلةِ، إبن فِعلةٍ محترف وحِرّيف. ثم تصوّر معي هذا المشهد: مراهقٌ لا تصلُ رجلاه إلى الأرض وهو جالسٌ، يلتهم سندويشة في مقهى على طريق فرعي، يسمعُ على فجاءةٍ جلبةً في أوّل الشارع، يلمح الآتي من بعيد، فيركض، ساحباً أثناء ذلك مسدساً ذا قبضة ذهبية، يطلق رصاصتين: بوم بوم! وينتهي الأمر. هل ينتهي الأمر هنا حقاً؟ بالنسبة له نعم، أما بالنسبة للعالم ولـ ٤ أمبراطوريات بالتحديد فلا! ولا بالنسبة لي كذلك. الفتى، الطالب الصربي ذو الـ ١٩ عاماً، غافريلو برينسيب، يشن حربه الشخصية على قصر قامته وسنه الصغيرة، معلناً العد التنازلي نحو نهاية أربع إمبراطوريات من على وجه التاريخ. قد تقول لي هذا غير صحيح لأن.. فأقاطعك: لا، ليس لأن طعم السندويشة الرديء دفعه لاغتيال ولي عهد النمسا.

أترى كيف أني لا أستطيع الاستخفاف بك. الحرب هي الحرب، الحرب الشخصية هي حقيقة إنسانية ولولا هذا، لاكتفينا بمشاهدة الأفلام الوثائقية، لكن الحقيقة أنك تملّ ولا تفهم كثيرا، وتود حقاً لو تشاهد أفلاماً تصوّر حروبا شخصية ضمن الحرب كما تُعرّف، أفلاماً مثل : the pianist - schindler's list - Incendies. هذا الفرق بين الحربين هو الفخ الذي لم يستطع معادون، كالبنوك مثلا، ملاحظته، فحين كانت البنوك تعرض عليك "صداقتها" في أيام الرخاء، وبعد أن تأزمت الأمور، هي لم تكن عاجزة وحسب، بل كانت أيضاً خائنة بالنتيجة وغادرة مع إستحقاق العقاب.

في بلداننا العزيزة، ليس الفسادُ الوحيدَ الذي فجّر الاشتباك، إنما الاستخفاف بدرجة أولى؛

كان السببُ الأول الذي دعا قابيل (قايين) لقتل هابيل هو أن الأخير استخف به؛ {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك..} يقول هابيل الذي يغنم كل شيء، ليكون بذلك أول فعل هجومي في التاريخ كما تشير الأديان.

لا أستخف بك كما ترى، أنت لست "ليونارد كازلي" الرجل الذي استقل بمزرعته دولةً، عن دولة أستراليا وأعلن عليها الحرب فلم يحضر الجيش المعادي، إنما هناك على صدر التاريخ تلتمع أسماء كانت بحد ذاتها بمثابة معارك منفردة في حروب واحدة طويلة الأمد، صعاليك ومحاربو عصاباتِ عصورٍ، وهم بدءًا بالهزيلين النحيفين، ذوي الأذرع الطويلة، الخفاف، أعني الصعاليك المخلوعين عن سلطة قبائلهم، المتمسكين بمبدأ هجوميّ هو للصدفة مبدأ محاربي العصابات نفسه: أضرب واهرب، وما يستجمع حوله من أساليب هجوم على المضطَهِدِين، وحس أمنيّ، ومعرفة بساحات الهجوم وتكتيكات التخريب والحركية وسرقة الذخيرة من العدو دائما، خارجين عن قديمٍ، متكيّفين مبتكرين، بيوتهم على ظهورهم وأخيراً في بواطنهم وعقولهم، صارخين "عش نيصاً، وقاتل كالبرغوث" [عنوان مقال للإشتباكيّ باسل الأعرج]. وتتوالى الأسماء: كمال خير بك، غسان كنفاني.. ناهيك ببعض الفنانين كدافنشي الذي طغت صفته الفنية على إحدى مهنه، مهندسٍ حربي.

وربما هنا، بعد كل هذا، قد يتضح لنا معنى البيت الإشكالي والذي إنتُقدَ عليه، كاتبه الشاعر المتطوع في جيش بلاده في الحرب الأولى، غيّوم أبولينير: "إلهي! كم جميلة هي الحرب بأغانيها، وأوقات فراغها الطويلة.."

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: