وما هي المازوشية، أسأل نفسي؟

أن تعمل وتعمل حتى تشعر بالاكتفاء وترضى عن نفسك، أن تشعر بالألم أثناء العمل، لكي تبرر إنفاقك واستهلاكك وسعادتك في الأوقات المتبقية لك بعد الدوام.        

… أكمِل لائحةً بنشاطات المكتب الترفيهية

ومن أين ينبع الرضا والاكتفاء في العمل؟

إنه الشعور بالانتماء الى جيش الذين يعملون بحثًا عن أنفسهم، وترسيخًا للعدالة الكونية، القائلة بأن كون الإنسان سعيداً من جهة، يحتم عليه، من جهة أخرى، أن يكون صاحب تضحيات. فيا صديقي، كونك تعمل وتنتج تستفيد من علاقتك الإنتاجية وتؤمن بأن ما تفعله يحمل معنى فعليًا وشاعريًا لك ولمن حولك.

 ولكن... ما المعنى؟ ففي الانظمة والبنى القائمة، عليك البحث جيّدًا عن معنى ما تفعله...

… لا تنسَ كتابة تقرير الأداء اليوم

وماذا بعد العمل؟

نعود إلى حياتنا الطبيعية، لكوننا بشرًا نملك حيوات… والعودة بعد العمل هي تلك اللحظة، التي تحولت من مشهد للتحرر من قيود العمل اليومي، إلى فيتيش ننتظره كي نشعرَ بالقيمة ونصنعَ المعنى. والإرهاق والتوتر من السمات والعناصر المساهمة في الحقل المعجمي لشعورنا بالرضا.

 َتفقّدْ إن كان في وسع الموظفين العمل على تقرير آخر...

كنا فريسة الأعمال ورؤوس الأموال التي تخلق وظائف هنا وهناك. فكما ألزمَت الذين كانوا قبلنا، ألزمتنا وشكلت فينا أنساق العمل والعيش رؤية أحادية لكيفية سير الحياة وتوجهنا فيها. وفعلياً، لن تنتهي المرحلة بسهولة، ولم يكتمل دور الصُدفة والفاجعة الكورونية في إعادة توصيل وبرمجة طرق عيشنا، وخصوصًا علاقتنا بالعمل والوظيفة. ولكنها، بالنسبة إلى كثيرين، الصدعُ الذي يمكننا من خلاله ليس فقط أن نرى النور في الجهة الأخرى، إنما أيضا نقطة البداية لهدم الماضي والحاضر، وعدم العودة الى ما كان، عدم العودة الى الوضع الطبيعي...

خلق وظائف - تنمية - عمل - إنتاجية - أداء - مساعدين - تقارير - أجندات - صياغة مشاريع - تطوير - مراقبة - حث - تصحيح - مراجعة - تمكين

في أحد أيام وجوده على هذا الكوكب، كتب ديفيد غريبر، عالم الأنتروبولوجيا و الأناركي الراحل، عن العمل وعلاقتنا به. وكان يسعى الى فهم ماهية العمل في أيامنا هذه، وأنواع العمل التي يخلقها النظام الرأسمالي، لكي يكدّس الأرباح بطرق مختلفة: هل جميعها، كما يقال لنا، ضرورية ومهمة في مسيرة تطورنا كبشر، كأفراد ومجتمعات إنسانية؟ هل يشعر من يمارس هذه الأعمال حقًا بالرضا؟ أم انها مجرد هراء، أو كما اسماها غريبر Bullshit Jobs؟

تتميّز وظائف الهراء (بالخاء) بأنها تنبثق من منظومة من العلاقات القائمة والمنتِجة في الأعمال والشركات، ولكنها تكون إضافة وزيادة لا نفع منها فعلياً، ولو اختفت في واقع موازٍ، أو لم يعد يمارسها أحد، فلن نلاحظ أي فرقٍ في الإنتاج أو نقصٍ في الخدمات. 

وخلافًا لنظرية كفاءة السوق، فإن تحوّل المجتمع نحو العمل وفقًا لأعراف المجتمع من أجل نفسه، أي العمل من أجل العمل، ومنح الأولوية فيه لمؤشرات الأداء والتطور والشكليات بدلًا من الإبداع والإنتاج، أدّيا إلى انتشار وظائف الهراء. إن مثل هذه الوظائف وُجِدت لجعل المدراء وكبار رجال الأعمال يشعرون بالأهمية، من خلال إدارة المرؤوسين بلا داعٍ، وحلّ المشاكل موقّتًا بدل حلّها نهائيًا، وتدوين الملاحظات وشطب المربعات قبالتها، وغير ذلك من مميزات الإقطاعية الإدارية في القرن الواحد والعشرين. وتكاثر الوظائف هذا جاء مناقضًا لتوقّع الاقتصادي الشهير جون كاينز، في 1930، أن تنخفض ساعات العمل في مجتمعات مثل الولايات المتحدة وبريطانيا إلى 15 ساعة أسبوعياً مع نهاية القرن العشرين، أي ما يعادل 3 ساعات من العمل يومياً، بفضل التقدم التكنولوجي. 

خلق وظائف - تنمية - عمل - إنتاجية - أداء - مساعدين - تقارير - أجندات - صياغة مشاريع - تطوير - مراقبة - حث - تصحيح - مراجعة - تمكين

انطلق غريبر من حقيقة وجود عدد كبير من الذين يشكون غياب المعنى عمّا يفعلونه، وافتقار نشاطاتهم اليومية بين الخامسة والتاسعة مساءً لأي فائدة لهم أو لسواهم. فيكون العمل مصدرَ رزقٍ فقط، ولا يساهم في الخدمة العامة أو الخاصة، أو لا يشكّل جزءًا من حيّز أكبر يشكّل مع جميع الوظائف والمراكز الأخرى مشروعًا بشريًا إنتاجيًا ضروريًا لا غِنى عنه. وتتّجه الأعمال والوظائف الإدارية في المكاتب والشركات إلى أن تكون وظائف هراء أكثر من غيرها من الوظائف، لكثرة الأعمال المتعلقة بالمستندات، والتقييم، ومتابعة الأداء، والمدراء المتوسطين، و"التيم ليدرز" والمساعدين، وما شابه ذلك من مراكز تسهم في جعل الشركة تتزيّى بزي الاحترافية والهرمية المتينة وتنفح طيب الرمزية الإمبراطورية، من خلال كثرة المراكز والرواتب والرؤساء والمرؤوسين. وهناك أيضًا سوق العمل والمجتمع اللذان ينظران الى الموسيقيين والشعراء والكتّاب على أنهم بِلا نفع. أتعتقدون حقًا أن محامي الشركات لديهم القدرة على مساعدة العاملين فيها والمساهمة في تغيير حياتهم أكثر من هؤلاء الفنانين والأدباء؟ لحسن الحظ، عدد من المحامين مع غريبر، واعترفوا له بأن لا فائدة ولا منفعة مما يقومون به، وأنهم يتمنون ضمنيًا لو لم تُنشأ هذه الوظائف من الأساس.

مثالٌ آخر عن أحد المنتجات "الأعظم" التي اخترعتها الرأسمالية: أجهزة آيفون. فهي تصنّع في الصين بالعمالة الرخيصة، وتقول شركة أبل إنها ليست مجرد عمالة رخيصة، بل إنها أيضاً مهارات لا وجود لها في الولايات المتحدة على سبيل المثال. إذاً، ماذا يفعل الناس في الولايات المتحدة ولماذا لا يستطيعون القيام بتلك المهام؟ من بين النتائج أن العمالة الماهرة تكاد أن تختفي في بلدان العالم الأول (حيث تشكل الأسواق المالية والخدمات مجالات العمل)، في حين تسيطر بلدان العالم الثالث على الأنشطة التي تتطلب عمالة ثقيلة.

ويشير غريبر إلى أن تقدُّم التكنولوجيا كان كفيلًا بتغطية أغلب المهمات الصعبة التي تتطلب عمالة مكثّفة من دون الحاجة إلى موظفين. ولكنْ، بدلًا من تحرير الإنسان من العمل الخانق الذي يسرق أربعين ساعة أسبوعياً من حياتنا، اخترعنا عالماً كاملاً من الوظائف غير المجدية التي لا يمكن أن نرضى بها مهنياً لو كنا في وضع "طبيعي" نملك فيه خيارات حقيقية.

جميع هذه الوظائف تقريباً تقع على قمة سلم الدخل، وهي موجودة في الحكومات والمؤسسات والبيروقراطيات التي تهيمن على العمل المصرفي والتأمين، وغير ذلك من الصناعات المركّزة. وليس من قبيل المُصادفة أن يتمكن هؤلاء المسؤولون عن هذه المنظمات من الوصول إلى شريان الحياة في اقتصادنا الحديث، وتكديس الأموال التي خلقها النظام المصرفي من لا شيء، ثم انتقلت إلى الحكومات والشركات المفضلة بتزايد سريع وبنِسَب فائدة وضرائب أقل.

خلق وظائف - تنمية - عمل - إنتاجية - أداء - مساعدين - تقارير - أجندات - صياغة مشاريع - تطوير - مراقبة - حث - تصحيح - مراجعة - تمكين

في هذا المشهد، ينمو داخل روح الموظف نوع من الفراغ الداخلي، ولا تساعده ساعات عمله الطويلة، والتزامه بالدوام، واتّباع أوامر المدراء على إيجاد أو خلق معنى أو تقدير لما يفعله ويمارسه كل يوم. ولكننا في جميع الأحوال لا نفكر في هذه الأمور كثيراً، بل ننظر إليها بحنين، فعندما تتوقف حياتنا بسبب عوامل خارجة عن إرادتنا، كانتشار الكورونا مثلًأ، تتغير ثوابت كثيرة، ونضطر إلى التخلّي عن هذا الروتين اللانهائي لفترة ما. ولكننا لا ننفك نحدّق في المرآة الخلفية، ونحلم يوميًا بالعودة الى الوضع الطبيعي، الى ما كانت عليه الأمور، إلى السابق، إلى المألوف، الى دفء وراحة العادات والمعتاد.

ولكنْ من دروس الوباء بطلان فرضية العمل الذي لا غنى عنه، والجِديّة المرضيّة في التعامل مع الوظائف "الهرائية"، وتبيان الحقيقة، أو الفصل بين الوظائف والأعمال التي كان يستحيل المضي قدمًا من دونها، وبين تمضية الوقت وهدر الموارد ونوبات الأزمات الوجودية. فبدءًا بساعات العمل التي تقلّصت، إلى العمل من المنزل وبروز أبطال العمل الطبي والخدماتي، اختلفت دينامية السوق، ووسط كل هذه الفوضى التي يمر بها العالم، والانهيار الذي تنبأ كثر بحصوله، لا بد لنا أن ننظر حولنا، ونعيد حساباتنا وفهمنا لطريقة عمل مجتمعنا، ودورنا فيه ككائنات فانية ذات قدرات ووقت محدود.

لقد باغتتنا جائحة كوفيد - 19، كما باغتت حكومات العالم، وها نحن في خضم كساد عالمي، ولكننا بفضله تمكّنا من رؤية كساد تطلعاتنا البشرية والشخصية. فإذا كانت الجائحة ضربة للتوازن الذي كانت أوجدته الأنظمة على مر السنين، فقد يكون لا بأس بهذا الاختلال، ولربما كان محبّذًا. ولعلّ العودة الى "النورمال" الآن، ستكون خطأً فادحًا. لذا، فلنكن واثقين من أنه في حين ننتظر العودة الي الطبيعي، مع تلاشي غيوم الوباء شيئا فشيئاً، لا نزال نستكشف في أعماقنا وأعماق مجتمعاتنا الكثير من العيوب والشوائب التي كانت ولا تزال سببًا في معاناتنا وعدم رضانا عن أنفسنا ووجودنا.

 … خلق وظائف - تنمية - عمل - إنتاجية - أداء - مساعدين - تقارير - أجندات - صياغة مشاريع - تطوير - مراقبة - حث - تصحيح - مراجعة - تمكين

إنطلاقا من الأرق والإرهاق والاستغلال، إلى التدمير الذاتي والبيئي والنزعة التخريبية الاستهلاكية، فاض "النورمال" بالخيبات وما فوق الطبيعي، إلى درجة أنه لم يعد بالإمكان تصنيفه "نورمالًا"، بل أصبح وضعًا كارثيًا لا يمكن التغاضي عنه.

ومثلما استحضر هربرت ماركوزه مسألة العمل منذ أكثر من نصف قرن، حان الوقت لكي يتجرأ الإنسان على طرح أسئلة مجدية، من قبيل: لمن نعمل بهذا الشكل ولمن؟ إلى أين تتجه قافلة التطور الإنساني والتكنولوجي؟ الا يكفي حتى الآن الإنتاجية الهائلة والخدمات الموجودة، لكي تسمح للإنسان الاستمتاع بثمراتها، وبأقل عمل واستلاب ممكنين؟ كلا، نحن لا نتحدث هنا عن الوقوف بوجه التقدم، لكن أقلّه إلغاء سمات ذلك التقدم المهول الذي يفرض علينا العمل المكثف والشاق فقط لنبقى أحياء. 

فهناك في أفق الحضارة الإنسانية الحافلة بالعمل والاستغلال، يقبع التصور الواضح، لذلك الوقت الضائع، والذي تتناغم فيه ارادتنا مع واقعنا، حيث يمكن لنا أن نتحرر من خلال تعاوننا وجعل الإنسان محور العمل والاندفاع، وليس العمل لذاته، والإنفاق والاستهلاك كمبدأين أساسيين، بل السّعادة والراحة، وأهم من ذلك، الحرية. ولكن، قد يتساءل البعض، "ما الذي سنفعله في الوقت المتبقي؟ كيف سنتصرف ونحن أكثر حرية وأقل عملًا؟" بالنسبة لماركوزه، الجواب بكل بساطة، أنه سيكون بمقدورنا لأول مرة في تاريخنا الحديث، أن نفكر بحرية بما سنفعل. 

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: