"هل انت مكتئب؟ قلق؟ لا تستطيع النوم؟ لديك الكثير من الغضب المكبوت في داخلك؟

نعم؟

إذاً على الأرجح أنك تعاني من النيوليبرالية." 

مارك فيشر - بتصرف

 

"عليك بالذهاب لرؤية معالج نفسي" يقول معظم من نعرفهم عندما نخبرهم عن مرورنا بأوقات عصيبة، أو نشكي لهم حالة سوداوية لا نعلم حلّاً لها، "سيكون الحل الأفضل، أن تعرف ما يجري في داخلك، تجابهه، وتعالجه تباعاً."

ولكن بصرف النظر عن النوايا الحسنة التي يكنها أصحابنا وأحباؤنا لنا، من المهم أن نبدي نظرة شك اجتماعية - سياسية، في دعوات كهذه، وقد أصبحت أكثر من طبيعية في تمظهرها اليومي ضمن الأحاديث الصغيرة والوعي الجماعي لجيلنا. فمن وجهة نظر مارك فيشر، الكاتب الأكاديمي المشكك، والتسارعي (Accelerationist) الذي غلبه الاكتئاب وأودى بحياته، فإن الحقيقة التي تواجهنا عندما نهمّ بالبحث عن حل لمشاكلنا النفسية في ظل النظام القائم ومؤسساته، وفي ظل كماليّة الواقعية الرأسمالية (Capitalist realism)، هي حقيقة مبهمة وتحتاج إلى تفكيك. فقد حَبَك فيشر نقداً سياسياً وشعرياً، وغالباً كئيباً، لمخلّفات الرأسمالية المعاصرة، مستخدماً أفضل ما لدى فلسفة ما بعد الحرب الفرنسية.

يرى فيشر المكتئب أننا، من خلال نقد المؤسسات النفسانية في ظل الرأسمالية النيوليبرالية، نستطيع فهم الطريقة التي اعتدنا فيها على النظر في مشاكلنا النفسية ومعالجتها. هذه المنهجية التي تكيّفنا معها أصبحت نافذة لفهم جميع العوارض والمسائل الإشكاليّة. فهذه المؤسسات تعمد الى تحويل الحالة النفسية نحو الداخل، وجعلها وليدة الشخص ونابعة من داخله فقط. بالطبع، لا تعارض هنا مع الرأي العلمي، الذي يرى حقيقة أن نسبة السيروتونين المنخفضة مؤشر على الكآبة وما شابه، ولكن المسألة تكمن في كيفية رؤية أسباب تلك الكآبة وجعلها مفردةً، يتحمل مسؤوليتها المصاب بها، ويتحمل أيضاً مسؤولية معالجتها عبر الطرق الكلاسيكية "الميدل-كلاسيّة"، عن طريق الذهاب إلى معالج، تلقّي العلاج، أخذ الحبوب، تعديلٍ في الروتين اليومي واضافة التمارين الرياضية على جدول الأعمال. إن علاج مرض الصحة العقلية يتلخص في علاج أعراض شخص واحد "يمتلك" مرضه، يتم من خلاله استيعاب وتفريد الاكتئاب. وعلى هذا النحو، فإننا نفقد حسّاً بالمسؤولية الجماعية عن مرض الصحة العقلية من حيث السببية، والفهم والعلاج.

إنّه مرض يشترك فيه الجميع

على قدر ما نتمنى ان نعيش في فقاعات منفردة ومنفصلة عن الواقع وعن بعضنا البعض، إلا أننا في تواصل وتفاعل دائم، وإن جاز التعبير، نحن أسرى تلك العلاقات الاجتماعية وموازين القوى التي تفرضها مكانتنا البشرية في المجتمعات الحديثة، ولذلك ليس بالإمكان فصل الصّحة النفسيّة عن عوامل مجتمعية وسياسية واقتصادية. من هذا المنطلق، ينظر فيشر الى الحل بطريقة مغايرة مع ارتفاع معدلات الكآبة لدى أكثرية شابة. يعتبر فيشر أنه لا بد من معالجة أطراف النظام وقوائمه التي تغذي التنافسية والطمع والاستهلاكية لدى الفئة الكبرى، فتؤدي إلى زيادة الضغوطات المهنية، وقصور العلاقات البشرية، عدا عن السعي الدائم للعيش عيشة بسيطة ولائقة. فمن يريد التأقلم مع السرعة المهولة والقوى الطاحنة التنافسية لأنظمة العالم ومتطلبات العمل الناتجة عنها، عليه التضحية بما تبقى لديه من صحة نفسيّة مقابل الصّمود والتقدم قليلاً على سلّم الوجود.

الغوص عميقا في المسألة يودي بنا نحو واقع يسلم الشخص فيه عقله وصحته النفسية لشركات الأدوية الخاصة وممتهني علم النفس والعلاج النفسي التجاري، وقد سلّعوا الصحة النفسية، واستفادوا من نظرتنا المجزَّأة والفردية لها، حيث يقع على عاتق الفرد عبء تناول الدواء لداء لم ينزل "بالباراشوت"، بل يتحمل فيه المجتمع كله بعض التواطؤ.

في ظل النظام القائم سنبقى غير قادرين على مجابهة مخاوفنا واكتئابنا إلا من خلال النظرة الداخلية التي ستجعل من شياطيننا وظلمتنا أساساً وحيداً لمعاناتنا. فنحن دوماً في رحلة بحث واستكشاف متواصل لميثولوجيا واساطير تغطّي وتموّه المعاني والأصول الحقيقية لمُصاب جماعي ذو اتجاهين. ففي الأول معاناتنا المشتركة، وفي الثاني اشتراكنا في المعاناة. 

ومن الفرادة، صفة الوحدة، في غربةٍ مجالها داخلي ومداها يبدأ بحبة دواء وينتهي مع الاستسلام لليأس، الى الاشتباك المباشر. وبوجود غشاء يمنعنا من معرفة الجهة التي يأتي منها رشق القلق الوجودي، يبزر القاسم المشترك بين أنواع اكتئابنا والفروقات التي تفصلنا عن زملائنا فاقدي الأمل. ثم يستأثر بنا النظام من خلال الترهات والتفاهات وانتشار أدوات التسطيح الفكري، فيصبح السايكوباث مثيراً، والفصامي أحجية مسلّية، والاكتئاب طريقة حياة. وكل ما ينضوي تحت هذا التشتيت يقلب ما نمر به ضدنا فيزيدنا كرهاً لأنفسنا، ويزيد من ضعفنا. ثم يتبيّن لنا أننا ضِعاف، فيصعب علينا تقبل العالم كما هو من دون الحاجة إلى معرفة أن أساس مشاكلنا هو تلك اللحظة التي نبدأ فيها بالغرق. 

 فيلوم كل منّا نفسه فقط، أي ذلك المسكين الذي في داخلنا، هو فقط.


***

ما بعد بعد فيشر

فشل فيشر في استكمال رؤيته للعالم المثالي وتحقيقها، وفشل معه مشروع تحقيق عالم أفضل نفسياً. ومن المرجح أيضاً، اننا لن نتغلب على "النظام" او "الواقعية" التي تحدّث عنها الراحل في لعبتها الخبيثة وعلى أرضها. ولكن، من خياراتنا المحدودة ضمن العالم الحديث والحكومات المعاصرة، تبقى هناك مجالات متاحة لنتصرف بما لدينا من وسائل من اجل تحقيق بعض التوازن في المعادلة النفسانية. فكما المعاناة مشتركة، يمكن ان يكون العلاج مشتركاً. طبعاً، الآن وهنا، جلّ ما يمكن أن نفعله هو التحريض والعمل لجعل العلاج النفسي متاحاً لنا جميعا بدون استثناء، والاعتراف به كأي علاج ضروري لبقاء الإنسان، أي أن يصبح حقاً مكتسباً. ولو ذهبنا أبعد من ذلك في إنشاء قنوات إنسانية، تكون أشبه بكومونات علاجية تحتضن الذين أصابتهم تلك النيران وتحميهم، من خلال علاج نفسي أهلي في كومونات مستقلة عن علم النفس المسلّع وامبراطوريات الادوية، بينما تعمل ضمن معايير إنسانية لمجابهة الأسباب الحقيقية كما هي من دون تحريف.

قد تبدو هذه الأفكار غير واقعية أو ربما غير ضرورية لكثيرين. لكن ترابط العالم وأطرافه، إضافة إلى تفاعل الأجزاء الدائم والمتواصل فيه وتأثيرها فينا سيحتم علينا أن نعترف بهذا البديل وأن نسعى لتحقيقه، فواقعية فيشر الرأسمالية باقية وتمدد...

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: