نوع جديد من المؤثرات البصرية والسمعية ينتشر ضمن أساليب العرض الفنية في الموسيقى والفيديوهات والتصميم الغرافيكي على شبكة الانترنت. وتُطلق عليه تسمية "فايبوروايف" Vaporwave. ولعل جمالياته وموسيقاه هي من وحي كل ما احتوت حقبتي الثمانينيات والتسعينيات من ألوان واشكال واصوات. لقد شكّل هذا "الجانر" (genre) ردّة فعل على ظاهرة تسليع الموسيقى والثقافة وأشكال الترفيه الأخرى. وعلى رغم كون هذا الأسلوب الفني اعتراضاً ثقافياً على التسليع والاستهلاك، أصبح في الوقت ذاته سائداً ومُستهلَكاً بشكل كبير، يحمل في نجاحه وشهرته إثم تسليع الماضي وبيعه لنا على شكل حبات نوستالجيا كلّما ضربنا الحنين.


نحن اليوم بصدد التّحوّل نحو مجابهةٍ فكريّةٍ فنّيّةٍ صريحةٍ وواضحةٍ، لما تفرضه الرّأسماليّة النّيوليبراليّة علينا من كمِ هائلٍ من المرئيّات والصّوتيّات الّتي تجتاح بيوتنا وهواتفنا الذّكيّة، في كلّ وقت ومكان. فالمعادلة واضحةٌ ومستمرّة: إلباس الواقع ثوبًا معيّنًا يتماشى مع السّائد من الأفكار وأنماط الحياة اللّيبراليّة الاستهلاكيّة، والّتي تندرج ضمن إطار العولمة ومجتمعات ما بعد الحداثة، تلك الّتي جعلت من الاستهلاك المفرط فخًّا يقع فيه الكثيرون ممّن يعتقدون أنّ ما يُرى ويسمع كفيلٌ بالتّعبير عن الواقع، وأنّه الأوحد والأكثر دقّةً و"إنسانيّةً" في وصف الحياة. 

منذ بداية التسعينيات انعدمت فكرة وجود بدائل وتوحّدت الأقطاب المختلفة حول مبادئ متّفق عليها، فهناك أجيال وجدت وترعرعت وكبرت على ما كان يعوم في العالم من نهجٍ ليبراليّ رأسماليّ. طفولتنا امتزجت بالرّقمنة وانتقل وجودنا إلى عالمٍ افتراضيّ.

لكن ثمّة إحساس غامض يصيب المرء بشكل متكرّر؛ اشتياق أو حنين لا شكل ولا قالب له، إلى وقتٍ لم يكن الإنسان موجودًا فيه، إلى أيّامٍ وعاداتٍ وأشياء بسيطةٍ من ألوانٍ وكلماتٍ: أصوات آلات الفاكس، ومشغّل أشرطة الفيديو، وصّورة التلفزيون المتقطّعة المشوّشة المغطاة بالنّقاط البيضاء الّتي تشكّل إغراءً لا تضاهيه تقنيّة الوضوح والدّقّة العالية اليوم. وعلى الأغلب أنّ كلّ هذا ليس بلا مسبّبٍ؛ فمرجع هذا الحنين هو ذلك الخيط الرّفيع الّذي يفصل بين الواقع الحقيقيّ والآخر الافتراضيّ، وسهولة ولوجنا إلى الماضي وصناعة نسخٍ معدّلةٍ عنه. ففي عالمنا اليوم، ضاعت الواقعيّة وخفت الحسّ بالمستقبل، وبات الماضي يطاردنا كشبحٍ يريد أن يوقظ فينا أشياء لا نفهمها ولا يمكن حصرها فقط بكلماتٍ كـ "ذكريات" أو "تاريخ". 

يتجلّى هذا الإحساس الغامض في محيطنا وبلادنا مع جيل التّسعينات على الأخصّ، وذلك لكون هذا الجيل، الأول الذي ولد وترعرع في ظلّ رقمنة الحياة، مع بقاء رواسب الأجيال الماضية حتى منتصف العقد الأول من الالفيّة الثانية. وذلك نتيجة اتّساع رقعة العولمة وتسارع انتشار التّكنولوجيا. وقد سبقتنا إليه البلدان المتطوّرة والرّأسماليّة والمجتمعات ما بعد الحداثيّة، وأُطلقت عليه تسمية "الواقعيّة المفرطة". فالواقعيّة المفرطة (Hyperreality) في السّيميائيّة هي عدم قدرة الوعي على التّمييز بين الواقع ومحاكاة الواقع، حيث يمتزج الخياليّ بالحقيقيّ، فتتقلّص قدرتنا على معرفة حدود أيٍّ منهما: أين يبدأ الواقع وأين ينتهي؟ أين يبدأ الخياليّ وما هي حدوده؟ 

من أبرز الأمثلة على هذه الواقعيّة الافتراضيّة نذكر:

1- الأفلام الّتي تُصنع شخصيّاتها وإعداداتها رقميًّا، أو تخلق وتصنع بالكامل بطريقةٍ رقميّة.

2- التّلفزيون والسّينما، خصوصًا ما يسمّى تلفزيون "الواقع". ويرجع ذلك إلى صناعته عالمًا من الخيال وتعمّده مسرحة الواقع وتضخيمه، واعتماده على مُشاهِد سيتورّط في عوالم الخيال هذه دون وعيٍ؛ 

3- العديد من المدن العالميّة الّتي لم تنشأ وتتطوّر كأماكن وظيفيّةٍ لها أسس في الواقع، فتظهر كما لو أنّها وُلدت من العدم، مثل مدينة بلاك روك، عالم ديزني، دبي، فلوريدا ولاس فيغاس؛

4- فيلم سينكدوكي - نيويورك (Synecdoche, New York, 2008)، حيث تعيش الشّخصيّة الرّئيسية في مستودعٍ حُوّل إلى خشبةً مسرح لمسرحيّةٍ هي بحد ذاتها حياته، ما يُفقد المشاهد أيّ قدرةٍ على التّمييز بين الواقع والمحاكاة.

الواقعية المفرطة في الموسيقى  

كما برز نوع (Genre) من الموسيقى في 2010 وشهد إقبالاً كبيراً وشهرة واسعة في المشهد السفلي (Underground) بين روّاد بعض المنتديات والمواقع الهامشيّة على الشّبكة العنكبوتيّة. أطلق على ها النوع إسم موسيقى الـVaporwave  الّتي سأحاول أن اشرح كيفيّة إنتاجها وتشخيصها للعالم الرّأسماليّ النّيوليبراليّ ودورها في خلق جبهةً افتراضيّةً ما بعد حداثية. 

موسيقى الـvaporwave هي موسيقى الـ "لا وقت" والـ "لا مكان"، لأنّها تشكّل نقداً واضحاً لما أنتجته الرّأسماليّة الاستهلاكيّة في المجتمع والزّمان والمكان. هي تُصنع في الحاضر، تحنّ إلى الماضي عبر صور وتشكيلات وأصوات المستقبل. تستلهم من الطّبيعة، المدن الكبيرة، القرى والفضاء الافتراضيّ، نافيةً بذلك أيّ اتّصالٍ أو انتماءٍ إلى زمانٍ أو مكانٍ محدّدين. يحدّثنا الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا عن الطّيفيّة (Hauntology)، أو ملاحقة أشباح الماضي، ويصف حال الرّأسماليّة العالميّة متحدّيًا فرانسيس فوكوياما وفرضيّة "نهاية التّاريخ"، ومقولة أن الإبداع الفنّيّ غير ممكنٍ بعد الآن. تؤكد موسيقى الـ vaporwave أنّ الطّيفيّة مبدأٌ سياسيٌّ جماليٌّ ما بعد حداثيّ، شعاره الأسمى "المستقبل هو فقط للأشباح والماضي". فنّيًّا، يأخذ هذا النّوع من الموسيقى الوجه النّيوليبراليّ للأشكال الّتي جاءت قبله، فيستغلّها ويخرّبها، ويقوّض الافتراضات والشّروط الّتي وُضِعت للفنّ، أي يتحدّى كلّ شيء بتفكيكه وتفكيك نفسه. 

تشكّل صناعة هذا النّوع من الموسيقى تشكيكًا وبديلًا لرأسماليّة المجتمعات؛ فموادها الأوّليّة، وإنتاجها وتوزيعها تناهض طرق عمل الرّأسماليّة؛ هي تُصنع من قبل مجهولين حول العالم. وإن حصدوا شهرةً فهي شهرةٌ متخفّيةٌ، أو كما ذكرنا سابقًا "سُفليّة"، وراء أسماء مستعارة. أمّا مواد تصنيعها فلا تحتاج إلى آلاتٍ موسيقيّةٍ ثمينةٍ، أو لتدريبٍ موسيقيٍّ مبكر في مرحلة الطّفولة أو مكتشفٍ للمواهب؛ هي ميسّرةٌ للجميع ولا تميّز بين أحد، كلّ ما عليك فعله هو تعلّم بعض المهارات الحاسوبيّة لتصبح قادرًا على وضع أفكارك في إطارٍ موسيقيٍّ حديث. لا مكان للمقابلاتٌ أو الـ"سكوبات"، ولا قصص مشاهير وإشاعات، أو حملات دعائيّة. الموسيقى في معظم الأحيان مجّانيّةٌ، تولد في الشّبكة وتنتشر فيها.

غالبًا ما تأخذ الـ vaporwave أغاني ومقطوعاتٍ مشهورة، فتمزجها بمؤثّراتٍ غريبةٍ قد تفقدها حسّها المعروف، وتضفي عليها أصواتًا جديدةً قديمةً تتمثّل بتشويشاتٍ وانقطاعاتٍ وأصداء، شبيهةٍ بتلك الّتي كنّا نعاني منها مع التّلفاز أو آلات تشغيل الموسيقى قبل الرّقمنة. فمثلاً اغنية مايكل جاكسون Rock With you حُولت عبر تلاعب احدهم بسرعتها، فأصبحت ابطأ، واُضيفت اليها بعض المؤثرات كالصدى والعمق، وصوت اورغ كهربائي يدمج الألحان مع الاغنية الاصلية، لتصبح قطعة موسيقيّة مختلفة كليّاً، فيها "أثر" الاغنية القديمة. ولكن هذا الأثر هو أشبه بشبح من الماضي قد غرق في بحر من التكنولوجيا الرقمية.  أحيانًا، تُستعمَل أكثر الأصوات والنّغمات عشوائيًّا، كموسيقى نغمة الانتطار لدى الإتصال بأرقام هواتف الشّركات أو تلك الّتي تُشغّل في المصاعد. وبذلك، تصبح شبحيّةً مبعدةً، يسودها نوعٌ من الدّفء، على عكس موسيقى الرّاديو و"المولّات" وفرحها الزّائف الخالي من الرّوح. إضافةً إلى ذلك، موسيقى الـ vaporwave موسيقى الكترونيّة من رحم الاستهلاك الهائل للصّور والبيانات والمعلومات والسّلع حول العالم، ويظهر ذلك جليًّا في أسماء المقاطع والرسومات وتصاميم صور الألبومات الّتي تصوّر موادًا استهلاكيّةً من أطعمةٍ ومشروباتٍ أو ماركاتٍ عالميّةٍ وجماليّاتٍ مفبركةٍ إلكترونيًّا، في سخرية واضحة من نمط حياتنا الحاضر الّذي فُرض علينا بحكم النّظام السّائد.

استطيقا "اللامكان" 

وإلى فكرة "اللامكان" والصّور المرفقة الّتي تشكّل عاملًا مهمًّا لهذا النّوع من الفنّ، تُضاف البلازا الافتراضيّة (نوع من الأبنية الحديثة ثلاثية الابعاد)؛ تلك الّتي تعبّر عن الأماكن الّتي تذكّرنا بالوجود الدائم للرّأسماليّة حولنا، وتعطينا إحساسًا بالتّبادل التّجاريّ الدائم الّذي لا ينام (أبنيةٌ كالأبراج العالية والمجمعات التّجاريّة والمطارات وقاعات الانتظار ومواقف السيارات).

لهذه الأماكن دلالاتٌ على الاستهلاك الرّأسماليّ؛ إنّها تخدم شيئًا واحدًا، وهو بيع السلع وشرائها. وهي جزءٍ من منظومةٍ كبيرةٍ موحّدة الهدف، تنتشر في مختلف المواقع الجغرافيّة حول العالم، ولكنّها تفتقد حسّها وملموسيّة انتمائها إلى هذا الموقع أو بقعة الأرض. في هذه اللّا أماكن، يذوب الفنّ والجمال في الاستهلاك، ولا عجب في أنّ الكثير من ألبومات الـvaporwave  تستخدم صورة المجمّع التّجاريّ. ففي المجمّع التّجاريّ، على المرء أن ينتبه إلى الأصوات والألوان والأشكال والزّينة حوله، بينما يقوم بـ"طقوس" الشّراء والاستهلاك. موسيقى الـvaporwave هي موسيقى البلازا الافتراضيّة، ومن كلمة vapor ودلالة الأمكنة، نجد أنّ البلازات هي أماكن تتبخّر الأشياء والعلاقات فيها تحت إسم الرّأسماليّة. 

إنّ الاستماع إلى هذا النّوع من الموسيقى يشكّل للكثيرين ملجأً وسلاحاً لمحاربة السّائد والمرائج من موسيٍقى تجاريّة قد فقدت بصرها، ولحقت بالرّبح المادي على حساب جودة الموسيقى وتميّزها. الـVaporwave  تشكّل بديلًا لشركات الإنتاج الضّخمة ووكلائها ذوي البدلات والابتسامات الزّائفة.  


موسيقى تفكك نفسها 

سخرية هذا "النوع" الموسيقي لا تقتصر على السّخرية من أنواعٍ أخرى من الموسيقى فحسب، بل يتعداها ليسخر أيضًا من نفسه ومن الثّقافة الّتي صنعها. الكثير من صانعي هذا النوع أمثال: Black Banshee, Macintosh Plus, Windows 96، يرون أنّ الحنين إلى الماضي شيءٌ يميّز هذا الجيل، فهم راقبوا كيف يتجه هذا الجيل، وهُم جزء من هذا الجيل، نحو موضوعات الماضي من خلال التوجه العام الذي سلكوه على مواقع التواصل، فراح رواد هذه المواقع يبحثون عن الماضي وبقاياه ليكتشفوا أنّ جماليّات التّسعينات والثّمانينات تشكّل عامل جذبٍ للجيل الّذي سئم ضراوة الحياة في النّظام الرّأسماليّ ووحدتها. انعكس هذا الأمر عبر خلق تيّارٍ جديدٍ من الشّابّات والشّباب يحنّ إلى الماضي بتصرّفاته وتطلّعاته وحياته اليوميّة والفنّيّة. فجُعِل الماضي سلعةً، وساهم الهاتف الذّكيّ وفضاء الإنترنت الفسيح في إتاحة استهلاك الماضي، وبتنا نبعد عن الماضي مسافة كلماتٍ على محرّك بحث، نتناول ما نريد من صورٍ وذكرياتٍ عنه، ونروّج موضة الماضي وأساليب اللّبس والتّصوير دون الانتماء إليه والعيش فيه. وقد برعت الرّأسماليّة في بيعنا هذا اللّقاء بالمجّان.

إنّ طريقة وصف موسيقى الـ Vaporwave للماضي والحاضر والمستقبل وتشكيكها بقدرة الموسيقى السّائدة على صنع حالةٍ عاطفيّةٍ صادقةٍ وأصليّةٍ، بالإضافة إلى نقدها للثّقافة الاستهلاكيّة وتسليع الماضي، تجعل هذا النوع الموسيقي يستحقّ المزيد من الفهم والبحث مقارنةً بغيره من حيث المجابهة مع القوى الحاليّة والنّظام السّائد. وإن صحّ التّعبير، فنحن لا نزال في مجمّعٍ تجاريٍّ ضخم، نسير داخله غائبين عن الوعي، نستهلك السّلع والمعلومات من جميع الاتّجاهات، ولكن هناك من يطرق على الزّجاج من الدّاخل لينذرنا بخلاصٍ رقميٍّ موسيقيّ. 


للاطلاع على هذا النوع من الموسيقى وما يصاحبه من استطيقا ونوستالجيا: 

هنا 

وهنا

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: