الآخرون هم الجحيم. وأنا أتنفّس بجهد من هناك. أشعر بحسرة شاهقة عميقة قاتلة، تفوق حسرة أنّي تورّطت خلسة في جحيم الآخرين. أتحسّر على أنّي لم أختر لا المكان ولا الزمان لأكُن. وإنْ يكُنْ، فلم يسألني أحدٌ أصلاً، ورأيي بقي رأيي أنا فقط، لا مجال للمشاركة، يُطنطن في أذني كلّ مساء. اليد قصيرة والعين بصيرة. وربّما هذا ما أَوْلَد في ذاتي هَوَس التسلط وقطع اليد والأنف وكلّ عضوٍ يتحرّك، مروراً بالبصيرة. 

أنا هنا في الجحيم، بالبثّ المباشر الحيّ، بالصوت والصورة ومشتقات اللون الأسود، لا أحد يسأل عن مكاني، أصبح الجميع يعرف، وهاتفي لن أطفئه قصداً كيّ يرنّ ولا أبدأ المكالمة ولا من يحزنون سوى أنا. وأنا الحزين الهزيم القبيح الذي يهتاج حقداً، لم آخذ الفرح على محمل الجدّ ولم أفهمه إلّا أنه حُزن يرتدي قناعاً على خشبة المسرح.

يبدأ المشهد الأول، الشريكان على الأرض ورجلاهما على كرسيّ الإعتراف. يُشعِل "روك" سيجارةً مفخَّخة ليضيء المكان ولو قليلاً. تمكّن من رؤية وجه شريكه "آل" الآن. أخذ سَحْبة وهواءً لمدة خمس ثواني مُصدِراً صوتاً كفحيح أفعى، وكأنه يتقصّد مضاعفة منسوب التوتّر لدى "آل". بدأ الأخير بسعاله المتقطِّع المعتاد وقال: 

-         أَتذكُرْ المرة الأخيرة التي ضحكنا فيها؟

-         لا. لا أذكر شيئاً. 

-         طيب. هل تذكر من كان موجوداً معنا؟

-         بالطبع.

هذا الحوار دغدغ ما بقي لديّ من مشاعر وحثّني فعلاً على أن أقوم بحساباتي. 

لم أربح أحداً ولا على أحد. الهزيمة الأولى كانت في المزاد العلني سعياً منّي  وراء شراء الإنسان الذي خَلَقه الله على صورته ومثاله. أردت أن أحتفظ بالله وأن يُصبِح مُلكاً لي. لم يترك لي أحدٌ شيئاً من الله. لا شيء بإسمي حتى إسمي، ليس لديّ ما أملكه سوى متلازمة القلق، إضطرابات الرئة وثلاث بطاريات صغيرة لا تعمَل. 

تريدين أن أجلُبَ معي شيئاً وأنا عائد؟ لا؟ عظيم هذا ما أريد أن أسمعه. لا تسمحي لأحد أن يسأل عنّي. أنا ذاهبٌ إلى الجحيم. سأنتظر هناك بزوغ كلّ فجرٍ وأن يأتي الوقت الذي أتمكّن به أن أفرض رأيي على الجميع. أنا متربصٌ هناك لأحاسبكم على أخطائكم وأخطائي، لأرمي مَن بخطيئة ومَن بلا خطيئة بالحجارة، لأشعل سجائرَ برمادِ كلّ محبّي الحياة على حساب مَن لم يُنصَفوا لا حياةً ولا مماتاً، وليَنفُخ جميع الأصحاب.

إنفجرت في داخلي عبوة ناسفة منذ سنوات طويلة، فصَلَتْ مشاعري عن رأسي، أطاحَتْ بجميع الآمال، خلَّفَتْ مستقبلاً شاحب اللون، حوّلَتْ تركيزي إلى أشلاء وتركت وراءها حالات اضطراب أصبحَتْ لعبتها المفضّلة الموت اليوميّ. منذ ذلك الوقت ولم يعُد يَرتجف بَدَني بعد أيّ تفجيرٍ، ميكانيكيّاً أو نوويّاً أو تفجير لُعاب. سمِّه ما شئت. لم أُحصي عدد الضحايا ولم أهتم لرؤوسٍ تتطاير أو أبنية تهوي ولا لأحشاء تتمزّق. كلّ ما شغَلَ اهتمامي هو الإخراج السينمائيّ في كلٍ منها.

المشهد الثاني. كؤوس من الويسكي لا تُعَدّ ولا تُحصى. أحاديث وجودية ساذجة يتخلّلها بعض الشتائم الميتافيزيقية وألسنة من نار. أصبحَتْ ضحكات "آل" لا تُطاق، يزيد من حدّتها بين الحين والآخر لُؤم "روك" وأفكاره الخبيثة. يخَلع "روك" حذاءه ببطء شديد ويتنهّد كلّما اقترب إلى الأمام. يقف "آل" ويصرخ: 

-         هل تعرفون مع مَن تعبثون يا أولاد الساقطة؟!

-         ها ها ها! يا رجل! لقد خسرنا الجميع.

-         ما نفَعَ أن تخسر الجميع، ثمّ تخسر نفسك؟

-         وقْعُ الخسارة يأتي منقسماً، وليس دفعة واحدة. هاع هاع هاع!

-         هههه. إذاً قمْ. إنّ الحرب القادمة قادمة. 

إنّ المأساة إن أتَتْ، تأتي كي لا ترحل. لم أفهم ذلك في بادئ الأمر، فتركت الباب مفتوحاً لها لوقتٍ طويل. فتسلّل الآخرون، الجحيم. 

نجوتُ من الموت ثلاث مرات، "بأعجوبة" كما يقولون، لم أعد أنجو من الحياة كما أنا أقول.

المرة الأولى كانت أثناء "الإنفجار العظيم"، ولم أزل أحمل بعض نويّات ذرّة على كتفي. والمرة الثانية عندما استطاع انتشالي الطبيب الماكر أو ما عُرِف لاحقاً بولادتي. أمّا المرة الأخيرة، عنوانها حادث سيرٍ لم تلامس يداي خلاله المقود ولا دورة من الدورات الأربع، فقد أحببت ما حدث وكنت بانتظار اللحظة الحاسمة، الإرتطام.

المشهد الثالث. الآن إكتمَل الثالوث الأقدس. يُمسِك "آل" زجاجة ويسكي فارغة ويسأل:

-         لماذا نحن بالذات هنا؟

-         قُلتُ لك من البداية دعنا نعود أدراجنا ولا نبحث عن المعنى.

-         أنا لست نادماً. لما لا تقدِّر ما أنجزناه؟ لا تشعرني بأنكفقدت الحماس.

-         أَتعلم شيئاً؟

-         قُلْ يا أخي...

-         هل تذكر الأرجوحة التي جلسنا عليها منذ خمس عشرة سنة؟ ما زالالحديث الذي كان دائراً موجوداً في ذاكرتك قليلاً؟

-         طبعاً يا "روك"، أذكر كلّ شيء صورياً وحرفياً.

-         أنا في طريقي للعودة.

ثم يأتي مِن الخلف عجوزٌ متهالكٌ مشوّه الوجه ورائحته دماء يبدو أنها قديمة العهد. كانت التشوّهات واضحة نظراً لرأسه الكبير. لكن القامة قصيرة جدّاً وجَواً رمادياً مفخّخاً. أدخَلَ إصبعه في أذنه وراح يَفرك بقوّة، ثمّ بصَقَ كتلة كبيرة سوداء وقال باستهزاء : "إذهبوا يا أولادي. أنتم من الجحيم وإلى الجحيم تعودون".

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: