عند الولادة الأولى، كان في انتظاري، وكما أوصيْتُ، مجموعة من أصدقائي الفلاسفة، فرقة مسلّحة حاقدة على الأمر الواقع، عصابة مختصّة بقلع عيون سارقي أحلامنا، وثلاثة شهداء. كانوا جميعهم ينتظرون مجيئي مقدّمين الهدايا: الحقد، الرفض، القلق وبعض الأدوية. وانطلقنا في مسيرة لم تنتهِ بعد ولن تنتهي.

البارحة، حَلِمتُ أننا في إحدى قاعات المصرف المركزي، أنا ومدرِّسة رياضيات كما بدت لي، نحاول حلّ مسألة الديون والأزمة الاقتصاديّة على قاعدة "التعميل" (Factorisation). وحاكم المصرف كان جالساً على يميني، يفصل بيننا مقعدين. لم يُبدِ أيّ اهتمامٍ بالحديث الدائر بيننا، منهمِكاً بتَنْقية العدس مِن قشوره في صينيّة كبيرة موضوعة على مقعده. كان رأسه كبيراً ووجه أقرب إلى البلاستيك منه إلى الجلد، من دون أذنين، وبجسد طفل في الثامنة تقريباً. الجدال استمرّ بيني وبين المدرِّسة إلى أن اقتحمت القاعة مجموعة مؤلّفة مِن فئات عمرية متفاوتة، ثياب رثّة وروائح غربية، أيادٍ وأرجل عملاقة نسبةً إلى أجسادهم. المدرِّسة تستفيض بشرح نظرتها، الحاكم يغوص في قشر العدس بوتيرة أسرع، وأنا أحاول استيعاب المشهد والمجموعة تقترب من الحاكم أكثر، حاملين كلّ ما تيسّر لهم من أدوات قطع وسكاكين، ومنشاراً على ما أذكر. المشهد كان سريعاً جداً، صوت المدرِّسة، تَنْقية العدس، صليل الآلات الحادّة، صوت أنياب المجموعة يتصاعد في أذنيّ ودماء زرقاء اللون تتطاير في المكان، وأجسام استنساخية من صديقي الحاكم تتكاثر خارجة من جميع أعضائه ولكن بأحجام صغيرة. 

أحلامنا هي مرآتنا، صمتنا هو قلقنا الدائم، لا صوت يعلو فوق المِقْصلة. هكذا أقول. لقد تمّت سرقة الأحلام منذ زمنٍ بعيد، قبل ولادتي الأولى وقبل ولادتكم وقبل تحوّل أوّل قمحة من أوّل سنبلة إلى حنطة في هذه الأرض. متلازمة اللاإنتماء تُلاحقنا من الصفّ الأوّل والكأس الأولى وساعات الليل الأخيرة الطويلة. لِحُسن حظّنا أنّ الوصفة الطبّية موجودة، بعضٌ من الحقد المزمن كرائحة عرقِ عامل باطونٍ استَوَتْ الشمس فوق رأسه، جرعة عالية من الجرأة وكلّ ما يخطر على بالك ممّا يُسبِّب الأذى لِمَن كوى أدمغتنا بالأذى. اخلطها واشرب. ونخبُكَ!

لم يَعُد الحديث عن الإنهيار مُمتعاً، وكأنه أصبح عودة إلى الوراء. الحمدالله أنّنا نملك كلّ العوامل الإقتصاديّة والاجتماعيّة لبداية المعركة، الربّ لم يحرمنا من أيّ شيء. الرائحة الكريهة للصّيغة والوفاق الوطنيّ أصبحت لا تُطاق، تَختلِط بالأوبئة المعدية، وإلى تزايد وانتشار على جميع الأراضي، وبدون تكلفة. 

عندما كنّا نعالِجُ مسائلَ علميّة وتتعقّد الأمور، كانت أعلى درجات النشوة هي عندما تأخذ نفساً، تَرمي الأوراق التي كتبتها وتبدأ المسألة من جديدٍ، بوضوح أكثر، واستناداً إلى معطيات تكون قد ترسّخت أعمق. وهذه هي الصيغة الأمثل لإصلاح ما هو مهترئ، تدميره من أساساته. 

لا راحة قبل اقتلاع العيون الساهرة علينا، كي لا تنام على غفلة منّا. ينتابني شعور بأن الكرافاتات صُنعِت لتكون حبل مشنقة مرتديها. هناك ما يكفينا من أصحاب الكرافاتات والبطون الكبيرة لاكتمال مشهد المقصلة، لا راحة ما دام حجرٌ على حجرٍ وكرافاتاتاً تتدلّى نزولاً. الأبنية الشاهقة والمراكز التجارية المجبولة بدماء وديون الآلاف تستفزّنا مجيئاً وذهاباً، بجلدها الذي يرعاها، وأنفها الشامخ أصبح بحاجة إلى مرمغة في الأرض تحت سابع أرض. وعلى العجلة أن تدوس الأقدام على وقع عباراتٍ تثيرُ القشعريرة : "وطن الرسالة"، "نحن في سفينة واحدة إن لم ننقذها سنغرق جميعنا"، ... 

حالة الإشتباك الطويلة تضعنا في الصفّ الأمامي مع كل ما هو مقدَّس، كل ما قُرِّر أن يكون مُحتَّماً. حالة الإشتباك أطول مع ضحكات أصحاب المشاريع الاقتصادية المتوحّشة وكروشهم. الصراخ حتّى الثمالة، الصراخ حتّى تهرّ أسناننا وتهرّ معها جدران هذه المدينة السوداء، ليسمعوا أن هذه البدلة وهذه الساعة لنا، هذه الأموال التي لا نهاية لها وتهرّبونها كالفئران هي لحمنا ولنا، هذه الأبنية والشواطئ ملكنا وتحت أقدامنا، والأضواء والواجهات الزجاجية والليل لنا، هؤلاء الشهداء الذين سقطوا عبثاً وُقوداً لكم، أم كرامةً للأرض التي هي لنا وتصادرونهم على المنابر، هم لنا، مآدبكم التي لا تنتهي ستُسحَب من أمعائكم فهي لنا، هذه المواكب لنا وهذا السلاح الموجّه علينا لنا، فَلْذَة كبدكم، بأنيابنا، لنا، وهذه الضحكة لنا. والثورة وجود حتميّ فقط حين تُسرَق هذه الضحكة وتعود لنا.

البارحة حلِمتُ وسط المدينة في قعر البحر، والمدينة تزحف باتّجاهٍ غير معروف حتّى اليوم. وأنا أركض على المياه في شوارع أحياء المدينة الضيّقة الضائقة ذرعاً، بيدٍ أحمِلُ فأساً واليد الأخرى على أنفي وفمي لشدّة رائحة دماءٍ طريّة ممزوجة برائحة دماءٍ قديمة العهد ودخان وفلافل. المنظر كان مرعباً. مشانق معلّقة مكان اللوحات الإعلانية التي اعتدنا رؤيتها يوميّاً، عناصر مكافحة الشغف الثوري منتشرة انتشاراً فوضوياً بالآلاف، يأكلون القنابل المسيِّلة للدموع وما تبقّى من حجارة وزجاجات بلاستيك وبصل، لا أحد يمتثِل لأوامر الماريشال جوكوف وصراخه محاولاً الصعود فوق معزوفة "البلوز" على أوتار تكسير زجاج وحلم الحيتان في كلّ أنحاء المدينة، من المحيط إلى الخليج. وطوال الحلم، المقطع المُزعِج نفسه يتكرّر في أذني ولكن أبطأ من النسخة الأصلية : "وااااه يا خوفي اه ياخوفي مِن آخر المشوار اه ياخوفي".