المجهول مرعب ويعجّ بالأمل، فالاحتمالات كثيرة ومنها الموت. إننا عالقون في المجهول منذ فترة، والطرق فيه تضيق علينا وتجرفنا نحو الموت. توفيت جدتي بعد حرب تموز، لا أتذكّر السنة، لكنها ماتت بعد أن نجونا من الحرب. كانت المرّة الأولى التي أرى فيها جثمان يهبط في حفرة، ثم يردم كأنه خطيئة نريد التخلّص منها. هذه جدتي، لمَ نرميها في باطن الأرض؟ كانت دوماً تعلّق عيدان الخروب على شباك مطبخها لتيبس، "هذه ثمرتنا، نحن زرعناها" تقول لي. اختفى الخروب من إقليم الخروب يا ستّي.
منذ عامين، كنت في باص ضخم نسافر من سيناء إلى القاهرة، مقعدي كان خلف السائق مباشرةً، وكنت أراقبه طوال الطريق يدندن ويحرّك رأسه مع أغاني مسجّلته. أسمع أغنية ألف ليلة وليلة لأم كلثوم. "الله محبة.. الموت محبة". هل تقول أم كلثوم الموت محبة، أو أني أهذي؟ أتذكّر جدتي، وأني أخاف من الموت، ومن الأماكن الضيقة. منذ وفاتها وأنا أهرب من مواجهة فكرة الرحيل، أربطه فقط بالأحياء، نعاتبهم فنرتاح (أحياناً). أمّا الرحيل الأبدي، فكيف نتعامل معه؟ لا يمكنني الاستمرار بالهروب من فكرة الموت في هذه البلاد، نحن نعيش على ضفافه. أول خطوة للتصالح معه، هو أن أفكر في مماتي. لا أريد أن أدفن تحت الأرض، أود لو يُحرق جسدي، أن يختفي إلى حبات رماد، ثم تتلف في أي مكان قريب من البحر المتوسط، أو أسفل شجرة خروب. أتمنى أن لا تُفقد جثّتي في المجهول، وأن لا أموت من قصف طيران، ولا من رصاصة طائشة، ولا أن يفقد جسدي أطرافه من انفجار. أود لو أموت كجدتي، على سريرها أسفل عيدان الخروب اليابسة، محاطة بأحبائها.

- طيب، ماذا الآن يا رفيق؟

- التراكم يا رفيقة.

- تراكمت الصدمات فوق صدري والله يا رفيق.

ما الذي تكرّسه فكرة التظاهر بعد كل ما جرى لنا من 17 تشرين حتى اليوم؟ الوجود؟ كنت أظن أننا فعلاً سنسقط الدولة في انتفاضة، اعتذر عن سذاجتي. رأيت الناس تشتم الرموز وتدوس على صورها وتطلب النجاة من المذلّة. بعد حكومة حسّان، ارتطم رأسي بالواقع، أنا التي أنضممت مؤخراً إلى اتحاد المنشقين عن قوى الأمر الواقع. أوكي، استوعبت انهم سيجرّون البلد إلى الهلاك قبل أن يتركوا كراسيهم، كما أن مناصريهم لن يتركوا انتمائهم، هويتهم وامتيازاتهم ويرقدون معي في حفرة العدمية. ما لم استوعبه بعد، هو أنهم فجّروا المدينة فوق رؤوسنا، حرفياً.

هل يمكننا الكتابة عن الجحيم ونحن نحترق وسطه؟ سخيفة أنا أمام الرعب الذي نعيشه، لا قدرة لديّ بعد على وصفه. أتحوّل إلى كائن وجودي، كأن كل المعاني تبخّرت مع دخان نيترات الأمونيوم. المادة الجديدة التي أدخلتها الدولة إلى حياتنا. مخزّنة كانت بالقرب من بيوتنا. مضحك الواقع لا؟ تماماً كحكومة حسّان، وبوسطة الثورة، والسلسلة البشرية، ونضال الكفرنحوميين، ومطالب العرائض الموّقعة، وحملات تبرّع الـ"غوفاند" لتأهيل محلات برجوازيين بيض. بعد ساعتين من الضحك الهستيري مع صديق على أحوالنا، يعرّفني على أغنية فلامنكو إسبانية، تغني فيها النساء مقطع من ألف ليلة وليلة لأم كلثوم. أتجمّد عند سماعي الأغنية، كأنها صفعتني بالموت مجدداً. "هل تقول أم كلثوم الموت محبة، أو أني أهذي؟" أسأله، لا يجيب، يلتهي بالمغنيّة التي تترك الطاولة المحاطة بنساء وأطفال وعازف قيثارة رجل. تبتعد عن الطاولة وتبدأ بالرقص. بفخر. ما الذي يستدعي الفخر يا لولا؟ (المطربة اسمها لولا، بحسب يوتيوب) فخر لأنها محاطة بأحبائها؟ أم بالمناسبة التي تغني لأجلها؟ واحد من أسباب شعوري بالعجز هو مياعة فكرة هويتي، هل تعي لولا هويتها؟ هل ستشعر بالعجز إن عُزلت عن ناسها؟ إن خيّرت بين الموت أو الغربة؟ لمن ستغني في الغربة؟ هل تبيع هويتها للمستشرقين؟ تنتهي الأغنية فجأة بعودة لولا إلى مكانها. إذاً تعود لولا إلى مكانها في النهاية، الفخر لأنها واثقة من أنها عائدة. لكن لا فرص لنا بالعودة، نحن الذين نوّد الهروب إلى بلاد احتمالات الموت فيها أقلّ رعباً.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: