"ما بدنا نحكي سياسة!"، اصطدمنا بهذه العبارة (تُصرخ في وجوهنا) وبشريط بشري من ناشطين يرتدون قمصانًا بيض، يحاولون منعنا من الدخول إلى موقف السيارات خلف ساحة الشهداء، حيث نُصبت منصّة ومكبرات صوت، وطبعاً، ناشط مع ميكروفون يخاطب الجموع. حين اجتمعنا، أيام قبل المسيرة، لم يخطر لنا أن يكون هذا عائقنا، كنّا منهمكين بإيجاد طرق لتنظيم مظاهرة تمرّ بأحياء بيروت دون التعرّض للضرب على أيدي حزبٍ، حركة أو تيار. بعد أن خرقنا الشريط البشري، دخلنا إلى الساحة وبدأنا بالهتاف "الشعب يريد إسقاط النظام". حينها، لم أتعرّض للضرب من "حزّبيّ منظّم"، بل صُفعتُ من ناشط مستقلّ، دقائق بعد أن نزل عن منصّته. وقبل أن يبدأ عراك، بعد شتمه، سحبني من أمامه رفيق وأعادني إلى المجموعة لئلّا يستفرد بي أحد. المضحك أن الناشط نفسه، بعد سنتين من تلك الحادثة، ترشّح للانتخابات النيابية.

لا يهم، كانت تلك أول مسيرة لنا كمجموعة منظّمة في حراك صيف 2015. وعلى رغم أني "دقت طعم الخيبة" بعد محاولتي الفاشلة للإنضمام إلى تنظيم سياسيّ في 2011، لم أفقد الأمل تماماً. ففي 2015، كانت التجربة مختلفة: التنظيم ليس حزبًا قديمًا، بل مجموعة "مستقلين ومستقلات". تنظيم ديمقراطي "فريش" لا شُبهة عليه.

لم أمضِ وقت كثير  في المجموعة قبل أن أبدأ بالنفور منها. صديقي ورفيقي في المجموعة حينها، كان يسخر منّي بأن حقدي الطبقي يمنعني من الإندماج مع هذه المجموعة المثقّفة، لأن معظم المنتمين إليها من الطبقة الوسطى. لا أنفي ذلك، لكن المشكلة لم تكن منحصرة بهذا السبب. كانت مشكلتي مع شخصية الناشط البارزة في المجموعة، والتي بدورها تربط توّجه التنظيم بتوجّه الناشط، وتمحي الهدف الأهم منه، وهو بروز دور "الجماعة". يعني بدل أن يُعرّف عنّا كتنظيم سياسي هدفه كذا وكذا، صرنا "التنظيم الذي فيه فلان وعلّان". ليس كرهاً بالأفراد الذي رُبط اسم المجموعة بهم، بقدر ما هو كره للفردانية التي تنفي هدف التنظيم من الأساس.
بعد توقف الاحتجاجات، فرطت المجموعة. انتهت. نشاط الناشطين لم يتوقّف ولكن كلٌ بمفرده. أذكر أني انفصلت عن المجموعة قبل انتهاء الاحتجاجات، وكتبت نصًا أشرح فيه الأسباب. ثم دخلتُ في دوّامة خيبات تلاها اكتئاب لم يكن سهلًا الخروج منه. 

في 2017، شاركت بمحاضرة عن فن الكوميكس الملتزم، وعرّف عني ميسّر المحاضرة حينها بـ"الناشطة". نفيتُ الصفة عني وحاولت شرح السبب. مشكلتي مع هذه العبارة تبدأ بتعريفها، ما هو تعريف الناشطة؟ كلمة فضفاضة تعزل الهويّة السياسية، أو تنفيها. عبارة يسهل استهلاكها ورميها على أي "نشاط" بغضّ النظر عن غايته. وإضافةً إلى التعريف، هناك نماذج عمل الناشطين من حولي. هم أصدقائي بالمناسبة، ولا يأتي نقدي هذا من تقليل للمجهود المبذول، إنما من أني لا أرى نتيجة مستدامة للنشاط المنفرد الذي يركّز على حقوق الأفراد منفصلين وخصوصية حالتهم، بدلاً من اقتلاع المشكلة من أساسها، بحيث يتوقّف الانتهاك بحق الجميع. مثلاً، لديّ صديق ناشط، شخصيّة عامة نوعاً ما، خاض قضية حقوقية مع مؤسسة كان يعمل لديها. وبقيت قصّته منتشرة، طوال أشهر، على مواقع التواصل الاجتماعي. ولاقى دعم كثيرين. ربح القضية واحتفل به الجميع.

علمتُ بعد حين أن أفرادًا غيره كانوا يخوضون القضية نفسها، لكن أحدًا لم يأتِ على ذكرهم لأنهم ليسوا ناشطين، ولم يُعرف إذا حصّلوا حقوقهم أم لا. ثم طُويت القضية ومعها حال موظفي تلك المؤسسة. إذاً، ربح صديقي قضيّة (جَماعية) "وحدَه"، إذ دعمه الرأي العام لأنه ذلك الناشط المعروف، في حين فشلت حملة الدعم في انتزاع الحقوق ذاتها لباقي الموظفين.

فلو صُرف كل ذلك الجهد والاهتمام مثلًا على تأسيس نقابة فاعلة لموظفي تلك المؤسسة، لكان الجميع أفضل حالًا.

بعد 17 تشرين، عادت بعض المجموعات من حراك 2015 يتكتل. واُضيف رقم هاتفي إلى عدد من "جروبات واتساب". أحدها يضمّ ناشطي المجموعة الآنفة الذكر. لم أعِره انتباهًا، لأني لم أكن أريد تكرار تلك التجربة، فالديناميكيات بقيت على حالها والأهداف لم تُحدد بعد.

ثم فوجئت برسالة خاصة من ناشطة تطلب مني إنتاج مادة بصريّة للمجموعة إياها، معلّلة اتصالها الجانبي بأني لا أتفاعل مع الجروب إياه. فضحكتُ إذ لاحظتُ أن الناشطة لم تتخلّص من سلطويتها، على رغم أنها تُدين السلطة الأبوية. ولم تكترث بما إذا كنت مقتنعة بمحتوى المادة، ولا طلبت مني المساهمة بصنعه. كانت تبغي مهاراتي للتنفيذ فقط.

أعادتني، بعد طول انقطاع، إلى الوضع ذاته الذي أدّى إلى انسحابي من المجموعة ذاتها في 2015. حينذاك، ضمّوني إلى قسم البصريات والهتافات، بينما اختاروا صديقي لقسم السياسة واتخاذ القرارات، فقط لأنه طالب فلسفة في الجامعة الأميريكية. أما أنا فكنت طالبة فنون في أكاديمية مغمورة، لكنّي كنت سبقته إلى الانخراط السياسي والحراك.

لقد قرّروا ضمّنا إلى موضِعين مختلفين ضمن المجموعة السياسية، استنادًا إلى اختلاف موقعينا الاجتماعيين.

الفضل للشارع الذي كان كفيلًا برفع معنويّاتي. كنت أشارك في التظاهرات وحدي وابتعد قدر الإمكان عن الناشطين. فالشارع للجميع هذه المرة. وأدركتُ أن "اغترابي" غير صحّي، وأن عليّ بذل الجهد لإيجاد تنظيم مناسب أنضم إليه. لعلّني لم أكن شُفيت تمامًا من الخيبات. وما زاد من حدّة انعزالي - في عودة إلى فردية الناشطين - هو ردود الفعل على الاعتقالات. ففي بداية الانتفاضة، أحرق شبّان في صور منتجعًا سياحيًا متعديًا على الأملاك العامة. فتعرّضوا للضرب على أيدي محازبين في المنطقة. واعتُقلوا واحتُجزوا لأكثر من شهر! ولم نكن لنعرف مصير هم لولا لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين.

طبعاً، معركة المتظاهرين في المناطق كانت أشرس بكثير منها في بيروت، لأن هؤلاء لا يواجهون السلطة وأحزابها فقط. فالمحازبون هناك هم جيرانهم وأهلهم، ويعرفون أماكن سكنهم وعملهم وتفاصيل حياتهم. ويعرفون جيّدًا كيف يستهدفونهم. لذا، فالخطر على من يتظاهر خارج بيروت أشد بكثير على من يتظاهر في ساحاتها.

وفي وقت بقيت أسماء شبان صور وأمثالهم في المناطق مغمورة إلى حد ما، كان الناشط "المعروف" (خصوصًا) إذا اعتُقل في بيروت لمدة معيّنة، تُنشر صوره على السوشال ميديا ويتضامن معه العشرات أمام موقع اعتقاله. كنت أشارك في هذا الدعم طبعاً، ومن قناعتي الراسخة. ولكن لماذا لا يكون هذا الدعم لكل المعتقلين؟

الشهر الماضي، شارك تنظيم "مواطنون ومواطنات في دولة" في تظاهرة تؤيد حل الدولة المدنية. وحمل بعض الأشخاص صورًا لشربل نحّاس، يطرحونه كبديل. وبين مؤيد ومعارض، استفزتني اللغة المتعالية من بعض الناشطين على "الممافيد". وبغضّ النظر عن رؤية التنظيم، نعتهم بعض "المستقلين" بالـ"خواريف، قطيع، أغبياء"، لأنهم ينتمون إلى تنظيم! الناشطون أنفسهم الذين لا رؤية لديهم حيال أي قضية يهتمون بها بعيداً عن "ذواتهم". ويحتلّ هؤلاء مساحة أكبر مما يستحقون، ويساهمون في إبعاد مَن يخالفهم الرأي عنها. التنظيم ليس فعلًا رجعيًا بالضرورة، فما المشكلة في طرح ممثل عنه؟ يُعاب على كل من ينتمي إلى تنظيم ويُهلل لفعل النشاط المنفرد العديم الجدوى... "غيتْ أوفَر يُور سيلفْ".

بعد حوالي ثمانية أشهر على بدء الانتفاضة، وقد أصبحنا في الحضيض، استقيظُ كل يوم ولا أجرؤ على التفكير في مستقبل أبعد من صباح اليوم التالي. أصطدم هذه المرّة بمقال نشرته "مدى مصر" حول نصّ لمارك فيشر يتحدث فيه عن اكتئابه، الاكتئاب الجماعي، وكيف يساهم النظام في تفكيكنا. ويختتمه بجرعة أمل لم أتوقعها. فينتشلني من خيبتي ويعيد لي الإيمان بأنه "على رغم مما يمليه علينا اكتئابنا الجماعي، نبقى قادرين على التفكير في أشكال جديدة للانخراط السياسي وإحياء مؤسسات متدهورة وتحويل حالة عدم الرضا الشخصية إلى غضب مسيّس. كل ذلك يُمكن أن يحدث، وحينما يحدث، من يدرى ما الذي سيكون ممكنًا؟". 

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: