المربّع
تقف مِس كوثر في مكتبها، تراقب من النافذة المطلّة على ملعب المدرسة، وإلى جانبها أندل تلميذها المفضّل، والمخبر لديها. يفكّران في أسلوب جديد للعقاب، بعد فشل عقوبة طارق بالوقوف إلى الحائط خلال الفرصة بين الحصص أو "الفسحة" وهو عنوان الكرتون (الأمريكيّ الذي دُبلج وعُرض في أواخر التسعينيات). "طالما التلاميذ إلى جانب بعضهم البعض، لن يكون هناك انضباط في المدرسة، الهدف هو كسر هذا الارتباط بينهم وكسر التلميذ"، تقول مِس كوثر لأندل، فيما يقف أصدقاء طارق إلى جانبه لتسليته أثناء تنفيذه عقاب الوقوف إلى الحائط، "أريد عقاب على شكل العزل الاجتماعي". تخرج مِس كوثر إلى المعلب وترسم مربع في وسطه، وتعلن أنه سيكون العقاب الجديد لأي تلميذ يخالف قواعد المدرسة. يضحك التلامذة على مربع المِس، إلى أن يتم ضبط طارق، مجدداً، يخالف قواعد اللعب في الفسحة. تأمره بالجلوس داخل المربّع لمدّة عشر دقائق، وتمنع أي تلميذ آخر من الاقتراب منه أو التفاعل معه. "تعال يا أندل، لنترك طارق في المربّع وحده مع أفكاره".

في أول دقيقتين، يحاول طارق الإستخفاف بالأربع خطوط المرسومة حوله. إلى أن يبدأ التفكير بمعناها. تبتلعه الأرض، فتتحوّل الخطوط إلى أربعة جدران، ويغرق طارق وحده في حبس انفرادي أسفل أرض الملعب. بعد انتهاء العقاب، يخرج طارق من المربّع تلميذًا مطيعًا لمِس كوثر، مع رهاب منه أو أي مربّع يراه. في العادة، طارق تلميذ مشاكس ولا يخاف مخالفة القواعد، خصوصاً مع أصدقائه الخمسة. لكنه الآن تلميذ مهووس بطاعة الأوامر، كما أنه ابتعد عن أصدقائه. يجتمع التلاميذ الخمسة في المكتبة لإيجاد حلّ لعزلة صديقهم، وتقرّر التلميذة الأذكى بينهم، صاحبة النظّارات الضخمة، بأن عليهم إعادته إلى المربّع ليواجه مخاوفه، مستعينة بكتاب لفرويد من رفوف المكتبة. يركّب الأصدقاء الخمسة فخًّا يورّط طارق بعقاب آخر في المربّع. يهلع طارق، وتبتلعه الأرض مجدداً. هذه المرّة، أعمق من قبل، كما تبدأ الجدران بالإنغلاق عليه. قبل أن يختنق، ترتطم برأسه كرة وتوقظه من كابوسه. يدخل طفل آخر إلى المربّع ليعيد كرته. وتعود الحيطان من حوله لتكون مجرّد خطوط مرسومة على الأرض.

المواجهة
لقد أخفقت في الهروب. "لا يمكنك الهروب من الله"، أتذكّر هذه العبارة جيداً من حصّة الدين في صفوف الإبتدائي. أخبرنا الشيخ بأننا ملك لله ولا يمكننا الهروب منه مهما حاولنا، وبأن علينا الطاعة. "لقد أخفقت في الهروب، أنا أحبك"، أرسلت له ايميلًا بعد أن وصلت إلى منزلي. قطعت علاقتي به برسالة رسميّة، بعد أن قرّرنا أن نكون في علاقة مفتوحة لا تحدّدها قوالب، هاربَين نحن الاثنين من الالتزام ومن الحب، وهاربةً أنا من مواجهة الواقع.

كنت على متن سفينة تنقل ثلاجات مليئة بالبرتقال مع أبي. أحب البرتقال كثيرًا. كنت أقفز فرحًا من مستوعب إلى آخر، وأشمّ الرائحة الشهية وأغنّي. دخلت إلى مستوعب بارد جدًا، حيطانه زجاجيّة. اُقفِل الباب عليّ. بدأت أشعر بالبرد. صرخت لأبي ليفتح لي الباب، لكنه أدار ظهره لي وتركنّي أتجمّد حتى الموت. ثم استيقظت. هذا أول حلم راودني بعد أول يوم مواجهة.

خرجت في هذا اليوم لأشتري البرتقال. أحب البرتقال كثيراً. مرّة، في التاسعة من عمري، ضربتني أمي لأني بلّلت سريري. توقّفت عن الكلام لمدة أسبوع بعدها، ولم أنطق بكلمة حتى جلبت لي صندوق برتقال بو صرّة. أمشي في ممرات السوبر ماركت وفي يدي كيس برتقال، تائهة في رأسي مع ذكريات الطفولة. هناك الكثير من الملفات المغلقة بإحكام في ذاكرتي منذ زمن، وقرّرت أن عليّ فتحها كلها الآن. قرّرت المواجهة.

كنت مع أمي في سيّارة جيب سوداء، تجلس هي في المقعد الأمامي، إلى جانب سائق لا أعرفه، وأنا في الخلف. يقودنا السائق إلى رأس تلّة. السيّارة تصل إلى ما قبل القمّة بقليل، ثم تبدأ بالانجراف. أقفز من النافذة وأتعلّق بصخرة. أرى أمي تنجرف إلى أسفل مع السيّارة. ينكسر الزجاج الأماميّ للسيارة ويتشوّه وجه أمي. أراها تصرخ وتتألم وأنا معلّقة بصخرة. عاجزة. أستيقظ من الكابوس الثاني خلال أيام. أشعر بالذنب والعجز تجاه أمي. لم أستطع إنقاذها من الواقع.
أحلامي غنيّة دوماً بالمشاعر. أبكي، أصرخ، أغضب. لكن، حين أستيقظ. لا أشعر بشيء. أنا مخدّرة تماماً. عاجزة. أنظر إلى أصابعي وأنا أقشر البرتقال وأفكر، هل سأشعر بالألم إن قطعت القليل من لحم يدي؟ أدفع السكين إلى كفّ يدي قليلاً ثم أرخيه. أرمي السكين في حوض الصحون وأقضم البرتقالة في يدي. ألتهمها كأني حيوان جائع. علّها تعيد لي الشعور بأي شيء. البرتقال لا يشفي المجاريح.

الاحتراق
أقف على باب بيت أهلي، أودّع أختي التي قررت الهجرة إلى كندا. بعد دقائق من خروجها، انفجرت بالبكاء. لم يتوّقف البكاء لأيام، لم أقاومه، تركتني أرثي. ودخلت بإرادتي إلى دوامة الإحباط المؤجل.
مرّت أشهر على الإحباط، وفقدت السيطرة. أقف أمام مرآة الحمام، وأصفق المياه على وجهي لأستيقظ قليلاً. لا فائدة. كأنني خسرت طاقتي إلى الأبد. أقوم بكل شيء غصب عنّي. من الاستيقاظ صباحاً حتى النوم مساءً. لا نشاطات تُذكر خلال اليوم أصلاً. يقول لي المحلّل النفسي إنني "محترقة"، وبحاجة للراحة. "لا يمكنك الهروب من الاكتئاب". الاكتئاب هو الله.

"أنت تتصرّف بأنانية مؤلمة، لا أعلم إن كان السبب حالة النكران التي تعيشها، أم عدم إحساسك بما حولك لأنك دوماً مخدّر. في كلا الحالتين، لديّ إيمان بأنك شخص حقيقي، وأن تصرفاتك هذه ردة فعل للدفاع عن النفس، وعدم القدرة على المواجهة، وأنا متفهّمة جداً، لقد كنت في مكانك أكثر من مرّة"، أقرأ الرسالة الأخيرة التي أرسلتها له. لست بريئة بإلحاحي على تحويل نقاشاتنا إلى رسائل. كنت أريد توثيق مشاعرنا، لأني صرت أنسى كثيراً في الآونة الأخيرة. وأكرر الأخطاء لأني أنسى. أقرأ وأحلّل وأحاول الإستيعاب.

أنا وحيدة في منزل بارد جداً، قليل الأثاث. أشعر بالبرد والوحدة، وأقرّر أنني ربما لا أعرف كيف أحب. هل أنا إنسان معطّل؟ ربما لا أمل في إصلاحي. الإصلاح. أفكّر برجال الدولة وفسادهم، ثم أقول لنفسي أنني بخير. لديّ القليل من الأخلاق. أنا بخير. أغضب. الغضب أفضل من الإحباط. أشاهد فيديو ليلة تحطيم المصارف في الحمرا، وأشعر بالدفء. أشعر بالحب أيضاً. أظنني اُغرمت بشاب لا يعرفني ولا أعرفه لمجرّد أنه حطّم واجهة مصرف. أتخيّل لو أنني معه ونحطّم سوياً. أنتبه أن مشاعر الحب لديّ مربوطة برغبة بالتحطيم. أعي أني أعاني من الاكتئاب، وأنها ليست المرّة الأولى. لا يناسبني الواقع، ولا أريد الإنتماء إليه. لا أريد أن أتخدّر لأتكيّف مع هذا الواقع. أوّد فعلاً لو أحطّم كل شي، ماديّ ومعنوي. أريد واقعًا جديدًا.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: