لمدّة دقائق متجمّداً أمام فرن الغاز "هذا لا يمكن.. ما اسم هذا الشيء؟ لقد نسيت". تذكّرَ في النهاية بعد أن بدأ يشمّ رائحة الغاز التي امتلأت بها الغرفة: "غاز، فرن غاز بالطبع ههه". وراح يكرر الكلمة مئات المرّات برَيبة "غاز، غاز هه نعم غاز.."، لكي يشعر بأنّه يتحكّم في تذكر الأسماء والأشياء. وما حدث بعد ذلك بسبب التكرار هو أن الكلمة بدأت تفقد معناها تدريجيّاً، وعادت إلى أصلها، أصواتاً تطفو على الفم. وأخذ يشعر كأنّه مجرد قرد يتمتم فحسب. ما معنى هذه الكلمة، غ ا ز.. لا أفهم.

بالمجمل، كلّ ما لا تنظرُ إليه مليّاً، يكونُ أقلّ؛ وإذا أطلتَ النظر وعمّقته، يبدأ المنظور إليه بالتحوّل إلى شيءٍ آخر تمامًا، شيءٍ مغاير لما بدا عليه في أول الأمر. إلى هنا نكاد نتوصّل إلى تشخيص إحدى حالات ما يصطلحُ أحيانًا على تسميتهم "لامنتمين"، هي صورةٌ عن عصرهم، هم الواقعون في تغرّب، [مع] أنفسهم، مع الأشياء والأحداث والآخرين.. وفي حديثنا الأول، هم الواقعون في حالة من العمى السيكولوجي: تَرى ولكنك لا تفهم، وما تراه انسلخ اسمهُ عنه. وفي حالة محسوبكَ مثلًا، قد تبدأ بالعبث بوظائف الأشياء، أو قد تعتقدُ حقًا بينك وبين نفسكَ أن للأمكنة أعضاء تناسلية، أو تلعب بالثنائيات جميعها، وضمن احتمالية ضئيلةٍ، أم تصبحُ شاعراً، أو ربما مصوّرًا فوتوغرافيًا مشهورًا. هنيئًا.

علاقتكَ مع المكان، وتقريباً مع كل شيء، تكون علاقة منفيٍّ ومنفى، انفصال وخروج للأشياء عن وظائفها - ضدّيًا بشكل بديهي - فالمنفيّ هذا، "لا يستطيع تمييز الأشياء" كأنّه "في وسط الأشياء.. الأشياء اللامسماة" (كولن ولسن، اللامنتمي، ص ٢٤)، مكانُه يتّسم بأنه "متسلط" و "جانبي".

كيف نستطيع تفسير هذا؟ ربما كان غاستون باشلار سيفيدنا لو كتب جزءًا آخرَ لكتابه "جماليّات المكان" ["شاعرية المكان"]، يدرس فيه جماليات المكان العدائي لا الأليف، رغم أن الأمر هنا يتخذ شكلاً آخر؛ عدمُ القدرةِ على الاتصال، بل وعدم الرغبة في ذلك أيضاً، كطرفي المغناطيس المتماثلين، إنها حالة تنافر الأقطاب، وأيّ التقاء له مع العالم لن يكون إلا بالقوة، ولن يحصل التجاذب والالتصاق رغم ذلك مطلقاً.

وبمناسبة الثنائيات والأمكنة وباشلار، يتحدث - عليه الرحمة - عن جدل الداخل والخارج، وعلى حديثه هذا، نستطيع الاستناد إلى الكلام على علاقة الإنسان اللامنتمي/المتغرب، بالمكان، بالخارج والداخل تحديداً؛ يقول: "الإنسان وجودٌ نصف مفتوح (جماليات المكان [شاعرية المكان] - 1958)، وعلى طريقته نفسها، دعنا نَعِشِ الصورة والفكرة، فبالمبالعة نصل إلى حالة اغتراب صافية."

ما الذي يتنافر في نظر العين حقيقةً، حيال منظرِ متشرّد نائم على الرصيف أو في أي مكان عام في المدينة؟ إنه تنافر الخارج والداخل، تداعي الحدود بينهما. وثمة صدع إنساني يدعو إلى التساؤل: هل عرف الإنسان حقًا كيف يبني مدينة حقيقية!؟ طبعًا، نسيت أن هذا المنظر هو واقع مرئي ببداهة وليس صورة شعرية. لكن صفة التشرّد هي إحدى مظاهر الاغتراب، كأن يخرق كل القواعد الاجتماعية المتعارف عليها، من دون الشعور بشيء من الغرابة. فهو يشعر مسبقاً أن السرير يمثّل نهاية العالم، وهو حجر الزاوية النافر في هذا المجسم الذي يدعى حضارة. ليس عليه بالضرورة أن يكون مشرّدًا حقيقيًا، هذا ما يعبّر عنه هرمان هيسه في بطل "ذئب البراري"، أنه نصف ذئب نصف إنسان متحضر..

لست متأكدًا إن كان سبب اغتراب هؤلاء هو نفسه، من خلال بحثهم الدائب عن معنى إضافي، وغير ممل. لكن لا، أنت لا تصل إلى رؤية كل شيءٍ إنساني خاصة، مملًا، إلا إن كنت بدأت تنسلخُ من قَبْل، وتدخل في نسبية الرؤية والتصرف، ثم في إفلات كل شيء والغطس عاريًا في العدم. إننا إذ نقرأ عن هذا الإنسان، لا نؤمن بمناداته العدمية أبداً. وما يخلق التساؤل حول هذا، هو الصراع، الصراع بما يعني محاولة العودة لكن بأدوات مناسبة، وإيجاد شكل جديد للمعنى فحسب.

مصطلحات تنهال هناك وهنا، تكسَبها، وتبقى محض هراء ومقاربات لحشو الأجزاء المفقودة من الرؤية. تطلقُ العصفور من قفصه فقط لأنك لا تستوعب فكرة وضع شجرة في القفص مثلًا. إنها الثنائيات من جديد وجدليات الداخل والخارج. وكردّ فعل، تصير حتميات الجسد وضروراته محض عبء ثقيل، الدخول إلى الحمام كل اليوم، الجوع، النوم، الضعف إزاء الطبيعة..

فتتخطى الشفقة والنوستالجيا؛ كل الأوصال مع العالم تتقطع هي ذي كما ترى.. أكبر القضايا والمشاكل تناقشها بخفّة، وأتفهها يخرجك عن طورك تمامًا بكل أسى (الشاي يشبه البول، والسكر ناقص حبتين وربع، والماء فاتر نسبيا) لعنة الفاتر..

حسناً، يبدو أننا شطحنا قليلا، لكن فلنكمل: تلخبَطَ كل شيء يا عزيزي، أصبح العالم الخارجي هو الداخل، والعالم الداخلي الفردي هو الخارج.

في سلسلة حلقات Black mirror كلها، تظهر حالات الاغتراب المستحدثة ذات الأساس المشترك، والمتصلة رأسًا بعالم التكنولوجيا المتطور جداً. والوسيلةُ واحدة: من أجل عالم (أفضل-أسرع-أجمل-أسلس إلخ..) الموضوع عبارة عن سوء تفاهم مقصود، مطيّته صيغ المبالغة، لنعودَ بذلك إلى باشلار وضرورة المبالغة لعيش الصور، وصناعتها كخطوة أولى..

كلا، لم نشطح يا صديقي إذَنْ. هذا عن العلاقة التنافرية مع المكان. وماذا عن الآخرين، ("الذين هم الجحيم" / نعم إخرس يا سارتر)؟

نصل بذلك إلى سوء الفهم والتفاهم، الذي هو أسر من الداخل. ولو كان لدينا الوقت، نستطيع أن نربط سوء التفاهم بجدل الخارج والداخل.. وبخصوص سوء الفهم، فإن أحد الطرق الرئيسية، ذهاباً وإياباً، نحو الإغتراب الظاهر عبر سوء الفهم هذا، هو التأويل. يعرض أمبيرتو إيكو أحد أنواع التأويل وهو التأويل اللامتناهي، كل تأويل من سمتهِ أن يكون لامتناهياً. لكن ما معنى هذا الآن؟ أن نعتبر سوء الفهم شيئا طبيعياً؟ الحروب؟ الصمت؟

الوحدةُ والعزلةُ أحد أبسط أشكال التغرّب، الصمت أو الكلام المشرذم، والشذري، شيء يشبه اللهاثَ في أحسن حال. على كلٍ، يبدو مناسبًا أن يكون الإغتراب فاتحةً لتأويلٍ نقي، والعكس صحيح.

إنّ مجرد الاستناد إلى مقولات خارجية، وإلى أفكار الآخرين ("الذين هم الجحيم"، كفى يا سارتر!) كما فعلنا، من أجل بناء فكرة، هي محاولة للاتصال بالعالم، ما يجعله عملاً شاقًّا - على شرذمته - ومحاولةً لقبول الحياة. فكل حرفٍ يكتبُ محاولةٌ لرأب الصدع أو تخفيفه على الأقل. لا بأس في التناطح مع كل شيء، إنها الوسيلة الوحيدة لإعلان قبول ضمني، هو الصراع مجدداً.

إن التحوّل باللاانتماء إلى شكلٍ جديد للمعنى، ولو كان لاانتماءً من نوع جديد، هو مخرج ما، وقد نستطيع من خلاله تفهم بعض المسائل الفردية لأشخاص عبروا التاريخ عبر محاولة تأويلنا الذين إصطُلح على تسميتهم قديسين وأنبياء وآلهة. فكان رمز الاغتراب عند آدم، مثلًا، الهبوطَ، وعند آخرين الهجرة نحو الصحراء، الصليب، أو العمود كما في قصة سمعان العمودي، حيث أن هؤلاء الذين عاشوا الصراع بين الثنائيات، مطرحَ التغرب الحيوي. يكمنون دائمًا بين أعلى وأسفل، أسمى وأدنى، داخل وخارج إلخ.. وبعيداً عن المواساة بفخ اليوتوبيا الآخروية إذ إننا معنيون بالحياة على الأرض. فلقد ترك هؤلاء وراءهم كل إشارات اغترابهم المأساوي وحسب، فصار سمعان والعمود واحدًا، وحالة معظمنا هي الهبوط، وبدمج قصتي سمعان وآدم، نرى أننا لم نتوقف عن الهبوط الآدمي بعد، إنما تحول هبوطنا إلى هبوط أفقي فحسب بعد أن كان عمودياً..

لا بالالتزام ولا بالحرية، فقط علاقةٌ تنافرية لا التصاق فيها ولن يكون لها ذلك.

ربما أخيراً، بالصمت أو الشعر الذي هو كلامُه، يرتع سوء الفهم والتباين والتغرب كله، أليفاً، غير محاسَبٍ عليه، موحٍ بطريقة سكنى ما، تجعلكَ هادئاً واثقاً، كهذه النقطة الختاميةِ على السطر.