This is a revolution, damnit! We're going to have to offend somebody.” Peter Stone.

("اللعنة! هذه ثورة، لا بدّ لنا من أن نسيء إلى شخص ما." بيتر ستون)

بدأ الأمرُ منذ أكثر من ثلاثين سنه، ربما بدأ منذ وقت أطول، ربما بدأ منذ الخليقة. وفي أيّامنا هذه، فلقد مرَّت أكثر من ستة أسابيع، وعَبْرَ غليان بضعةِ أحرفٍ بسيطة نخصُّ منها: الكاف والسين والألف والميم والواو وغيرها، تبيّنَ للشّعبِ العربيّ خاصة والأجنبيّ عامة خلالها، أنّ اللبنانيين قليلو تهذيبٍ بتفنّنٍ وأريحيّه. تعالَ نرْجع بالزّمنِ قليلاً إلى ما قبل الستة أسابيع الهِيلاهُويّة تلك؛ أعني مثلاً بعدَ أن أصبحت القمامةُ كالموتوسيكلاتِ تخرجُ للإنسانِ من العدم، وبعد أن عمّت الحرائقُ الأحراج وقد لوحظَ أنها استهدفت أحراجا دونَ أخرى، ما دفَعَنا حينها لإشعال السجائرِ بحَميّة محافظةً مِنّا على التّوازنِ الطائفيّ، وبعد أن مثلاً دخلَ مسلّحٌ في عمليّةِ سطوٍ لبنك، واضعاً الكلساتَ النسائيّ في رأسهِ جالباً شنطةَ سفر، فلم يجد مالاً في الصندوقِ ( الأحمقُ أتى صباحا، لذا نصيحة، إذا كنتم تريدون سرقة بنك فحاولوا القدوم بعد الغداء)خاسراً بذلك ثمنَ الشنطةِ وأجارَ الطريقِ مع السَجْن،  وبعد أن أعلنَ البروفيسور المخطِّطُ في مسلسل 

(La Casa Del Papel)

"بجملتهِ الشهيرةِ " إنها الحرب أثناء سطو فريقه للبنك المركزي الإسبانيّ (عقبى لنا) وبعد أن وأن وأن.. كان يوماً طبيعياً جداً -بالنسبة لي على الأقل- أن أستيقظ في ١٧ تشرين الأول على وقْعِ هتافٍ مستمرٍ من حينها :" ثورة..ثورة..ثورة.."  

على كل حال وأخيراً، حالةُ البلدِ بأكملها أصبحت كالحالةِ الداخليةِ المعتادة لأيّ شاعر ذي حسّ مقبول. 

ليسَ بالخبزِ وحدهُ يحيا الإنسان، يحتاجُ إلى كميات معينةٍ من الفودكا الرديئةِ بين الحينِ والآخر، وأهمّ من ذلك يحتاجُ أحيانا إلى ثورة؛ حسناً قد يختلف ٱثنان حول وصفِها (حراك/انتفاضة/ثورة) لكنني كإنسان جائعٍ لا أحتاج بشدّة إلى التّفرقةِ بين المقدونس والكزبرة وقت الجوع؛ الجوعُ والأكلُ قدَرانِ متلاصقان، وعليهِ، وعن نفسي أضيف أنني لن أتناولَ الحساءَ بالشوكة ولن أتناول المعكرونة اللعينة بالملعقةِ بعد الآن يا أمي، هذا يكفي!

قد يختلف اثنان، يجتمعان على: إنها مرآة؛ بثّ مباشر أبدي، إنها سقوطُ البلاغةِ أي النميمة والمماطلة، ومن يذهب بنفسه لا يعرف الانتظار. جيل التسعينات هذا مثلا، يبغض الانتظار، يكره الوايفاي البطيئة، ويخاف ٱنقطاعَ الإنترنت أكثر من الحرب كآبائه، جيل يحقدُ على والده الصامت عن شيء خفي مجهول ٍ والذي حاولَ الالتحاق بركب التطور، فكاد يغمى عليه عند أول جولة له على موقع إباحي(مثلا لا حصرا) هو المعتاد على المجلات المصوّرة في أحسن حال. 

إنها الوقت: صفر، إنها الزمن: الآن. إنها القيامة على التهديد؛ يقولونُ لك مَن بيتُه من زجاج لا يرمِ الناس بالحجارة، لذلك فقد نزلوا إلى الشارعِ ورَموا الحجارة من هناك، على الخوف بيتِ الزجاج ذاك. ثورة على الـ "EX"

على الحنين الرومنطيقيّ الرديء والحماقات العاطفية القديمة قصيرة النظر.

ثورة على القلق

نشَّال الوقت والرقة، مُهرِّب التردد.

ثورة البذاءة اللفظية على نظيرتها الفكرية معطاءة "خوود !" فَخُذ أنت الكريم، ثورة على البرود الجنسي؛ فمن المعروف أن كثيرين يجدون ٱستخدام البذاءة أثناء ممارسة الحب عامل إثارة: المطلوب استثارة السلطة العانس، أرملة العقود. 

لا ملامة على الشاتمين، كن موضوعيا؛ تشير دراسات أن الفرد العاديّ يستخدم ١٠ ألفاظ نابية في اليوم، هذا عن الفرد العادي وليس اللبناني كما ترى. لا تصدق؟! طيب إجلب المعجم لنتأكد من شيء :" سَبَّ: بالغ في شتمه، وسبّ الحبل أي قطع" فهم إذ يسبّون يقطعون حبالا كانت تلفّ على رقابهم لا غير. ومن السبّ أتت السبّابة نعني الإصبع الشهيرة ذات الوعيد، فالسب رد على السبابة، ومن الناحية الشرعية رد السُّباب كما هو، مشروع (لا أعرف إن كان يُدخِل الجنة كذلك أم لا، يا ريت) فالناس ترد بإصبع مختلفة؛ إنها صراع أصابع اليد الواحدة، والغلبة للوسطى فهي أطول من باقي الأصابع لسبب وجيه (خوود مجددا). إلى المعجم نعود: " عَرَّصَ أي ٱضطرب فهو عَرص" فقالوا ببراءة: هذا نظام عرص، يقصدون مضطرب فحسب. والعرصة جمع عرصات أي ساحة الدار، حيث يتجمع الناس. إن السلطة تَفهم على قدها وبشكل خاطئ، خصوصا مع ٱنتشار ظاهرة "الكسممة" اللاحقة بالاعرص. يقول المعجم: كَسَمَ الشيء: أي فتّتهُ بيده، والكَسْم عند العامة هو "الجسم السوي"، فيتفسر بذلك قول أحد المتظاهرين: كسمنا غير سوي والأكَسُّ هو قصير الحنك (بالتالي قصير الأفكار اي اعرص ايضا) وكسكسَ الشيء حسب معجم "المنجّد" يعني دقّهُ دقاً، فالناس كَسْمَمُوا سياسيّيهم بكل تفان وأدب. فكما ترى، لغة الشارع يدعّمها المعجم بامتياز.

الشوارعيّون هؤلاء يعيدون تدوير أخلاقياتهم مجددا، تعال نجرب شيئا أنا وأنت: إحملْ ورقة وقلما ودوّن في دقيقة ما تسمعه في أي من هذه الساحات، أنا وجدت مثلا هذا: 

"شخص١: هيلا هيلا هيلا هيلا هو...

شخص ٢ (يقاطعه): هل ترضى أن تسمع امرأة مثل هذا الكلام البذيء؟

حبيبة الشخص١ (لم تسمع حوارهما مكملة الهتاف): اسم أي سياسي تشاء + كسممة."

لقد كَسْمَمَتْ أُمّهُ.

 ثورة: الجُملة والمُفَرق (كلن يعني كلن)، الجدران التي نعتوهم بصفاتها فتكلّمت الجدران (أفضل من معجزة فَلق الصخور بالمناسبة)، الوضوح على الكذب، المباشرة على الافعوانية، الظاهر على الباطن، الابن على الأب "باسم الابن على الاب والروح القدس"، الشارع على الشبّاك والكافيه والبلكون، المهرجين على النكتة الرديئة، العَرَق على القلم الأنيق في جيب القميص الأبيض، الهامش على المتن، استعادة المستقبل، المتّسع للضحية؛ وعليه: كَسْمِمُوا تصِحّوا..من أجل ٱسترداد: الوقت، اللغة، الشارع، الآتي ...

ختاما : يعتذر كاتب هذا النص عن إكمال نصه، فهو ذاهب إلى المطار ليوصل حبيبته المسافرة في ظل هذه الأوضاع، فهيلا هيلا هو والسلام . 



كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: