"انتسب إلى الياكوزا قبل أن يُعتقل ويُسجن. وعند خروجه من السجن قرر صناعة الأفلام بهدف الانتقام من السلطة الحاكمة." 


بعد خروجه من السجن، فهم كوجي واكاماتسو فكرتين بسيطتين، أولاً أن الانتقام من الشرطة والسلطة سيكون مشروع حياته، وثانياً أن مواجهة السلطة باللحم والدم غير ممكنة لأنها معركة خاسرة منذ البداية. ومع استحالة العودة الى "النورمال" في طوكيو مع الياكوزا وحياة الإجرام، يجد واكاماتسو الحل الوحيد في صناعة الأفلام، أفلام لا تمتّ إلى النورمال السينمائي بشيء، وتَعرض وتَلفظ في نفس الوقت واقعًا تاريخيًا، ثقافيًا، سياسيًا، اجتماعيًا كاملًا، مع نقمة دائمة، حتى الموت، في مواجهة كل ماكينات القمع والكذب والرجعية والخرافات الأيديولوجية.

يُعتبر واكاماتسو واحدًا من أكثر المخرجين المثيرين للجدل في اليابان والعالم. أفلامه لا تزال ممنوعة من العرض في بلدان عدّة. بدأ مسيرته السينمائية مع صناعة أفلام إباحية خفيفة (pink films)، لكنه سرعان ما حوّل هذه الأفلام الى أدوات جمالية ورصاصات يطلقها على السلطة وأدواتها، مازجًا الجنس والبورنوغرافيا مع إيكونوغرافيا الثورة والشيوعية في قالب أناركي صارخ، لامبالٍ بقوانين وأذونات التصوير ولا بالقيم والتابوهات. كان واكاماتسو قريباً من المجموعات الشيوعية الثورية ومؤمن بالقضية الفلسطينية التي أخرج عنها فيلمًا صوّره ببيروت في 1971. واعتُبر دخيلاً على عالم السينما كونه لم يحمل شهادة جامعية، فهو ولد في الريف ثم انتقل الى طوكيو التي كانت في حينها مدينة خطيرة يكثر فيها الإجرام. وبدأ حياته المهنية كعامل في حرف يدوية عدة تعرّف من خلالها على الاستغلال واللامساواة، فانتسب إلى الياكوزا قبل أن يُعتقل ويُسجن. وعند خروجه من السجن قرر صناعة الأفلام بهدف الانتقام من السلطة الحاكمة.  

بنى واكاماتسو مسيرة فيلمية فريدة من نوعها من خلال اللعب على ما هو عادي وغير عادي لدى المشاهد: يدخل المُشاهد (الفقير عادة، غير القادر على الزواج أو المصاحبة أو الذهاب الى بيوت الدعارة) من حياته العمّالية اليومية وهرباً من ضوضائها إلى صالة السينما ليشاهد فيلمًا ايروتيكيًا، فيكتشف أن الجنس مصحوب بقصص عن تظاهرات عمالية، ونضالات شيوعية تذكّره بما يدور حوله في حياته اليومية.

ورغم قساوة الفيلم منذ دقيقته الأولى، يبقى "يَرَقَة" (Caterpillar, 2010) واحدًا من أفلام واكاماتسو الأقل فوضوية من حيث الشكل ومن حيث الإخراج والإدارة. لكن واكاماتسو يذكرنا في هذا الفيلم (وهو من آخر أعماله في مسيرة أنتج فيها ما يقارب الـ 140 عملًا) أنه يعارض، حتى الرمق الأخير، الجماليات البورجوازية في الصوت والصورة والإخراج والإدارة، فيستعمل كاميرا رقمية تعطي للفيلم جمالية قريبة من نوعية صورة التلفاز، وإضاءة توحي بالعمل المسرحي، صورة مسطحة، بسيطة وعمّالية غير متكلّفة لا معنويًا ولا ماديًا.

ويروي "يرقة" قصة "البطل" كيوزو العائد من الحرب على الجبهة مع الصين. هو من أولئك المحظوظين الذين كُتِب لهم عمرٌ جديد. لكننا سرعان ما نفهم لماذا تركه جنرالاته يعود، فهو لم يعد ينفع على الجبهة، خسر أطرافه الأربعة، وخسر سمعه وقدرته على النطق. ووسط أجواء احتفالية إمبريالية وقومية مهيمنة للقرية، تستقبل شيغيكو زوجها الجديد الناقص، ومن الآن فصاعدًا لم يعد عليها الاعتناء به وحسب، بل يتوجب عليها أيضًا أن تُشبِع رغباته الجنسية التي ما زالت حاضرة، وعليها أن تفعل كل ذلك بفخر وسرور وشعور بالحظ والحياة العادية في أجواء حرب طاحنة.  

وفي الحديث عن النورمال والحرب، لا يسعني سوى التفكير في حركة "دادا" أو "الدادئية". وقد وُلدت تلك الموجة الجميلة الغاضبة التي أصابت وتفشّت عدواها في أوروبا والعالم وحتى في طوكيو، وُلدت من مجزرة الحرب العالمية الأولى ولم تولد سوى لمعارضتها، لمعارضة السلطة والقيم والحضارة والـ "ماناجرز" المسؤولين عن الحضارة من جنرالات وأكاديميين وفنانين وسياسيين وصحافيين وبورجوازيين أوصلوا العالم إلى ما هو عليه، إلى هذا "الستاندرد" التاريخي الطبيعي الجديد الذي أنجبته الحرب العالمية.

ولا يسعني سوى التفكير في تلك اللوحة للدادائي البرليني "أوتو ديكس" التي أحرقها النازيون لاحقًا بسبب "انحلالها" بذريعة أنها تجسد هزلية أبطال الحرب الذين تشوّهوا وتقطّعت أوصالهم، ومع ذلك يتجوّلون على عكازاتهم وكراسيهم المتحركة رافعين رموزهم الوطنية بكل فخر فداءًا للجنرال والأمة.

ومثلما عرّت حركة دادا الحضارة البورجوازية وأعلنت موت الفن بعد المجزرة العالمية، كذلك أعلن واكاماتسو، ضمنيًا، توقف السينما عن الانصياع لأوامر السلطة ونورمالها. ففي فترة إنتاج الفيلم، كانت اليابان منشغلة بإعادة كتابة تاريخها لإنكار الجرائم التي ارتكبها نظامها بحق الشعب الصيني.

"يرقة" هو فيلم عن إنسان يموت مرّات عدة. وكمثل فراشة تمر بمراحل في تحوّلاتها لتحيا، يمرّ "الجندي الإله" بتحوّلات أو مسوخات متتالية نحو موت أو بالأحرى ميتات. فيموت مرّات عدّة، باحثًا عن وضع طبيعي يستقر فيه على أمجاد فُرضت مسبقاً، لكن عبثًا، فالنورمال في تعارض معه.

تحوّل الجندي إلى يرقة زاحفة ليذكّرنا برواية فرانز كافكا "التحوّل" (أو "المسخ") عن بائع متجول يستفيق من نومه في أحد الأيام ليجد نفسه قد تحوّل الى حشرة عملاقة عالقة في سريرها. هو لا يزال يفكّر كالإنسان ولكن كل ما هو مادي وجسدي لديه قد تحوّل الى شيء غريب. والجندي لدى واكاماتسو يعيش المصير ذاته، بعد مشاركته بالحرب ضد الصين ليعود الى ضيعته بطلاً، لكن بطلًا منقوصًا، مشوّهًا، فقد أطرافه الأربعة في المعركة وفقد معها سمعه وقدرته على الكلام.

ويضيف واكاماتسو على هذه الحالة المسخية موضوع الجنس والرغبة التي تتَطلبُها طبيعة الجندي الإله الذي لا يجد وسيلة لتحقيقها إلا بتطوّع زوجته لكي يغتصبها، وهي تشعر بالقرف منه. يعرض واكاماتسو علينا صراعًا جسديًا من خلال إرغام الزوجة على التأقلم مع واقع يستحيل التأقلم معه. فمن خلالها ومن خلال جسدها يحاول الزوج الناقص أن يعيد إنعاش وتطبيع ما تبقى منه كجسد وكإنسان. بالنسبة لـ كافكا، البطل-الحشرة هو ضحية تامة لزمنه واستغلاله وعالمه الحداثي الغريب، أما عند واكاماتسو فالجندي ضحية ولكن من نوع آخر.

من جهة، يعكس هذا الصراع فائض القوة الذي استخدمه الجندي ضد الصينيين، وخصوصاً في اغتصابه الوحشي لصينيات، وهذا ما نراه من خلال عدة استعادات (فلاش باك) تُظهر وتقارن بين وحشية الجندي الإله تجاه نساء اغتصبهن خلال مشاركته في المعارك على الجبهة مع مَشاهد يغتصب فيها، رغم اختلاله الجسدي، زوجته التي تجد نفسها عاجزة أمامه. ومن جهة ثانية، يكشف هذا الصراع العنف المتأصّل في السلطة الامبريالية الرأسمالية.“فكما استخلص لينين، ليست الإمبريالية والكولونيالية سوى امتداد للنظام الرأسمالي الذي يحاول من خلالها إيجاد أسواق جديدة له. في "يرقة" نجد أثر هذا النظام على جسد الجندي-العامل، على جسد زوجته وذاتها، وعلى القرية والعلاقات الاجتماعية داخلها، وعلى العلاقة بين الجسد الممزق والجسد السليم للزوجة الذي يمر عليه التطبيع مع الواقع الجديد.

فالجندي بسبب تدريبه وحمله السلاح يشعر بأنه امتداد لقوة الإمبراطورية والنظام، إلا أن ذلك ليس سوى صورة تجريدية لما هو عليه فعلاً: هو عامل مستغَلّ ومضلّل يظن أنه، بسبب حمله البندقية والأيديولوجيا العسكرية الوطنية، يمتلك قوة خارقة تجعل منه فردًا نبيلًا.

كان فرانز فانون من أوائل المفكرين الذين طرحوا مسألة التأثير النفسي للاستعمار على الشعوب المستعمَرة، لكنه غالبًا ما تحدث أيضًا عن المُعذِّب وعن حالته النفسية. وعند وصوله إلى الجزائر المستعمَرة في 1953، عمل كطبيب أمراض نفسية في مستشفى بليدا. ومن بين مرضاه، عالج فانون بعض أفراد الشرطة والضباط الفرنسيين المحتلين من الذين شاركوا في تعذيب مقاومين جزائريين حتى الموت. ونرى مع قراءة فانون المفصّلة عن الحالة النفسية لهؤلاء كيف أنه رغم موقع قوتهم وإرهابهم، تدمّرت صحتهم النفسية بسبب أفعالهم الوحشية التي لم تكن دائمًا نابعة من دوافع مهنية أو أمنية لاستخلاص معلومات، إنما من أجل ترسيخ فكرة أن المستعمَر هو أدنى من إنسان. وفي كتاب "نحو الثورة الإفريقية"، يتحدث فانون عن الآثار النفسية للتعذيب على المعذِّبين الفرنسيين، عن حالات عدة من الجنون التام لدى كثيرين منهم، وعن عنفهم المفرِط مع زوجاتهم واولادهم.

فانون فهم أيضاً أن التعذيب ليس حادثًا عرضيًا أو نتيجة أفعال عناصر غير منضبطة، إنما هو جزء لا يتجزأ من عمل النظام الاستعماري. وفهم أن أفراد الشرطة، رغم مسؤوليتهم الفردية المباشرة في التعذيب، يبقون أيضًا ضحايا يكوّنها النظام ويدمّرها في آن معا. كان في وسع فانون أن يشي بهؤلاء المعذبين الى جبهة التحرير الوطني، إلا أن إنسانيّته منعته من فعل ذلك.

غير أن زوجة الجندي في "يرقة" لا تعطي زوجها نفس الرحمة التي يعطيها عالم نفسي مثل فانون، فالعنف هنا مباشر عليها، جسدي ونفسي. وقد برهنت أنها أشد عنفًا ولذعًا في مقاومتها من دادا وفانون وواكاماتسو نفسه، عندما تستنتج أن زوجها ارتكب فظائع خلال رحلته الحربية، وينفذ صبرها من هذه الكتلة اللحمية المتمددة ليلًا نهارًا، فتعنّفه ثم تغتصبه علّها تجد مخرجًا لهذا الاحتلال الداخلي، "القريب من القلب" التي تعيشه. في نهاية الفيلم، ينتحر الجندي تحت وطأة احساسه بالذنب واستحالة عودة أي حياة عادية كما يراها. يموت مرة أخيرة لا غنى عنها ليترك مساحة لزوجته كي تجد وتصنع نورمالًا جديدًا. 

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: