من يملك القدرة على أن يُفَكّر ويَحلَمَ بالديستوبيا أكثر من السينما؟ 

تمتاز السينما بقدرة خاصة على التعامل مع الاسقاطات في النوع الديستوبي وذلك بسبب قدرتها العالية على الخَيال. تَظهَر هذه القدرة الرهيبة للسينما في الديستوبيا بشكل أوضح عندما يتزامن إنتاج الفيلم مع فترة تغيّراتٍ تاريخيّةٍ عميقةٍ. 

لم يكن باسوليني (Pier Paolo Pasolini, 1922-1975) فنانًا ديستوبيًا. غالبًا ما تعاملت أعماله وأفلامه مع الحاضر أو ​​الماضي وغالباً ما لم تُوجّه ناظرَيها نحو المستقبل. ما يجعل سالو (Salo, 1975) فيلمًا ديستوبيًا هو عنفه المُفرط وفرادة صُوَرِهِ ، إذا قارنّاه بباقي فيلموغرافيا باسوليني. كان باسوليني كناية عن أدواتٍ تخريبيةٍ عدّة: كان شاعراً يكتب بلغاتٍ قديمةٍ، وشيوعياً ثائراً ومُلتزِماً طُرد من الحزب الشيوعي، وفناناً يُعلِن مثليّته الجِنسية جهارةً في بلد كاثوليكي مرّ بمرحلة فاشيّة. جلبت له أعماله وتصرفاته أكثر من ثلاثين تهمة ضده، منها اتهامات بالفجور والبورنوغرافيا والمسّ بهيبة الدّولة وازدراء الدِّين. كان باسوليني يدفع دائمًا بالثقافة نحو حدودها القصوى.

تطَلّب وجود فيلم كـ "سالو" تلاقي أشياء كثيرة. فلقد أتت مشاهد العنف والجنس الساديّة في الفيلم مع بداية عصر البورنوغرافيا وبعد الثورة الجنسية، والأهم من ذلك، أن تلك الفترة كانت حقبة جديدة في الحضارة الغربية، تمثّلت في ثورةٍ ما بعد صناعيّة لم تقتصر تحوّلاتها على الظروف الماديّة للإنتاج، بل تخطّتها لتشكّل فترة تكوين فرد جديد شكّل موضوعاً فلسفياً جديداً.

خلال هذه الحقبة "ما بعد الفوردية" الجديدة، تحوّل الجسد وتَبِعَ ماديّة جديدة. بل وُلِدَت خواصٌ جديدةٌ له. فعلى الرغم من بقائه منتجًا تَستغِلُّه البورجوازية، أُعيد التأكيد على ذاتيّة الجسد وفرديّته. كان على وعيٍ كاذبٍ (false consciousness) جديدٍ أن يتولى زمام الأمور. إنها حقبة "جَسَد" جان بودريار كـ ذات/موضوع استهلاك ، وحقبة بيوبوليتيك (السياسة الحيويّة) "ميشال فوكو" (بدأ محاضراته في عام 1975، أي في نفس العام الذي صُوّرَ فيه سالو).  تشكّلت في هذه الحقبة ما بعد الفوردية "رأسمالية سيميائية"(Semio-capitalism, Franco Berardi) تسلّلت إلى اللغة، وبالتالي إلى تصور الذات لنفسها وعالمها. هي حقبة جديدة من الفرديّة الوحشيّة المُدمجة بالبيانات وبأولويّة الفعاليّة الإنتاجيّة وعلوم الإدارة (Efficiency, Management).

مستعيناً بماركسيّته، رأى باسوليني كل هذه التحولات وقدّمها في آخر عمل فني له. تجاوز الفيلم كل القيم الأخلاقيّة والمبادئ السينمائيّة في تلك الحقبة، وعبّر باسوليني من خلاله عن وعيٍ يائس وقناعةٍ باستحالة تغيير هذا الواقع. أطلق باسوليني على هذا النوع الجديد من النظام-الوعي تسمية "الرأسمالية الجديدة" (Neo-capitalism)، أو ما يُطلَق عليه اليوم تسمية "النيوليبراليّة" أو "ما بعد الفورديّة" أو ببساطة "ثورة البورجوازيّة الثانية". قدّم باسوليني هذا النظام باكراً في مجتمعه الطبقي المصغّر في فيلم سالو، والذي يشبه إلى حدّ كبير  العالم\الكابوس الذي نعيشه في أيامنا هذه والذي تأكُلُ فيه الطّبقات الكادحة، كما في الفيلم، برازها.

بداية الكابوس: مُجرّد أجساد

"اعتبروا أنفسكم أمواتاً. في الواقع، أنتم أموات بالنسبة لبقيّة العالم". هذا ما يقوله أحد الفاشيين الليبرتيين (Libertin Fascists) للمراهقين الـ 18 المختطفين في مدينة سالو الفاشية. في الدقائق الـ 120 التالية، سيجد المتفرّج نفسه عالقاً داخل إطار من صورٍ وحشية وعنيفة ومهينة لن يصادفها في أي عمل آخر في تاريخ السينما. وحيث يأخذ فيلم باسوليني جوهر الانحراف الجنسي لدى "ساد" وينقله إلى إيطاليا الفاشية، هو كذلك  يُلبِسُه هيكل النّزول إلى جحيم "دانتي" الملعون. وفيما نرغم أنفسنا على متابعة مشاهد سالو، يتحوّل المراهقون المحتجزون من بشرٍ إلى مجرّد أجساد، ويتحوّل تفاعل هذه الأجساد إلى مجرد حركات ميكانيكيّة. حتى المقاومة التي يظهرونها، تبدو غير ناتجة عن ألمٍ أو وعيٍ بشريٍّ، بل محض ردّات فعلٍ بيولوجية.

يعتبر بيراردي أن الجسم فَقَدَ أهمّيته بالنسبة للسوق. ففي حركة الإنتاج، يتحرك الدماغ باستمرار. يُطلق بيراردي على هذا الواقع الجديد إسم "الرأسمالية المعرفية" (Cognitive Capitalism)، فيتحوّل الجسم إلى مُجرّد إناءً تُحفَظ فيه قوّة الدماغ، أي القوّة القادرة على إنتاج الأشياء الملموسة والبيانات غير الملموسة. وفي سالو أيضاً، تمثّل أجساد الضحايا مساحة المتعة والعائق أمامها في آن معاً. يجب إجبار الأجساد ودفعها باستمرار لتكون ما يُملى عليها أن تكون: مجرّد وسيلة لإشباع لذة الفاشية.

وهكذا يصبح متاحاً فهم أسباب العنف المفرط في سالو. يرمز هذا العنف إلى إنحراف البورجوازية القاتل الذي يقودنا هوسها بإنقاذ نفسها إلى هلاكنا جميعاً، من خلال الإستغلال الواسع النطاق وسَجن الأجساد والعقول في مصفوفات إنتاج و استهلاك جديدة، ومن خلال الانهيار التام للبنية التحتية عند أول حالة طوارئ (مثلاً جائحة كورونا وغيرها من الكوارث الكبرى وأزمات اللاجئين، والكوارث الطبيعية المستقبلية).

منظومات القوّة

قال بعضُ المتهكّمين إن فيلم سالو يعالج موضوع الطّبيعة البشريّة والفساد المتأصّل في البشر ورغبتهم في السّلطة والسيطرة على الضعيف. يغيب عن أصحاب هذا التحليل الأنثروبولوجي أن أحداث الفيلم لا تقتصر فقط على مجموعة من "السيكوباثيين" الذين يقرّرون خطف واغتصاب وقتل بعض المراهقين لتلبية احتياجاتهم النفسيّة وحسب. فكما هو الحال في رواية "ساد"، هناك فائض عنف لا يتوقف في سالو، حيث يستمر الاغتصاب والتعذيب لمدة 120 يومًا. يشير هذا الفائض إلى أن الأفعال التي يرتكبها الليبرتين الفاشيون في الفيلم ليست مجرد أفعال انحراف جنسي: الجنس هنا يخدم المنظومة. وكما هي الحال في ساد، تصبح الأفعال المرتكبة واجبات ميكانيكية "أخلاقية" خاضعة لمنظومة أعلى. إذاً، موضوع سالو هو التنظيم الاجتماعي وليس الطّبيعة البشريّة، وهو تنظيم تتوسطه السّلطة التي تتلخص بإطاعة منظومة الرغبة.

من نقطة مراقبة مختلفة، يعتبر الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك أن الاستماع إلى موسيقى شونبيرغ اللامقاميّة هو شكل من أشكال التعذيب، أي أن موسيقى شونبيرغ  تنبأت بالمحرقة. فبماذا تنبأ العنف المفرط في فيلم سالو آنذاك؟

تنبأ سالو بحاضرنا البائس، وهو الحاضر الذي تغوص فيه البورجوازية، طبقة أصحاب المليارات، في نظام يسمح لها أن تعيش أسلوب حياتها المنحرف، في مقابل تهشيم الأجساد والعقول والأُسس المادية التي بُني عليها كل شكل من أشكال الحياة. إن أزمات عالمنا الحاليّة، الماليّة والصحيّة والبيئيّة، ناتجة بشكل مباشر عن الهواجس والرّغبات المنَظّمة للرأسمالية (النمو اللامتناهي، الربح ...). تكمن الأزمة، أو الرعب الحقيقي، في حقيقة أننا غير قادرين على تخيّل نظام آخر.

سيكون من السهل أن نتخيّل مارغريت تاتشر وهي تلعب دور شريرة في سالو وتعلن للضّحايا الصّغار، وهي تشرف على تعذيبهم وتشويههم، أنه "لم يعد هناك مجتمع، لم تعد هناك سوى أجساد ولحم". إن الجريمة التي اقترفها المشروع النيوليبرالي بحق الطبقة العاملة حول العالم لا تختلف عن صور التّعذيب وأكل البراز في سالو باسوليني. والانحراف الوحشي للبورجوازيّة لا يكمن فقط في أفعالها، بل إن وجود الطبقة البورجوازيّة هو بحد ذاته جريمة: على أجساد الفقراء أن تعاني كي يستمر الخيال البورجوازي.

ليست الديستوبيا إلا تعبيراً عن سلطة أُخذت إلى أقصى الحدود. قال باسوليني عن فيلمه سالو أنه يعالج بشكل رئيسي موضوع فوضى السُّلطة. تكمن سلطة الرأسمالية الجديدة في تسلّلِها إلى اللّغة، وفي كيفية تحويرها الواقع المرير وجعل العنف الممنهج أمراً مقبولاً. يميط سالو اللثام كاشفاً عن زيف الأيديولوجية البورجوازية ليتفحصها الجميع. لمدة 120 دقيقة، يحوّل باسوليني المتفرجين إلى ماركسيين ويحميهم عبر حرمانهم من أي شكل من أشكال التلذّذ الجمالي. يقف سالو على نقيض مشهديّة "غي ديبورد" المُمتعة، فالطريقة الوحيدة للاستمتاع بمشاهدة سالو هي أن تكون فاشيًا!

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: