القلق

"لا تقلق". بَلَى، سأقلق. كلّ المحاولات بائسة. بِئسَ المحاولة. لن أعاود المحاولة لاحقاً. في رأسي ثقب كبير يُدخِل كلّ ما وِسعه إدخاله مِن ذبذبات تُثير التوتر ويحُلُّ ضيفاً مساءً، وكلّ ليلة هي ألف ليلة وليلة. هكذا مضى الكثير ولم يبقَ سوى القليل والذكريات والقلب المُشارف على انتهاء الصلاحية. لا تقلق، فأنت أساساً في بلدٍ مسلوخٍ وقحٍ منتهي الصلاحية ولادةً، ولا يَصلُح فيه سوى حَسَد مَنْ خارجه ومشاهدة النَفْس تتقَهقَر يومياً. والحسود لا يسود، اللَّهُمَّ زِد وبارِكْ، وعيدٌ سعيدٌ للمتواطنين عموماً وللميثولوجيين خصوصاً. القلق يتصاعد بوتيرة سريعة نسبة لإنتاجي التنفّسيّ. لم يَعرِف أن يتركني أهرب بسبيلي، والوسادة لم تَعُد تَحتمِل هذا الثقل. يَحلُم بالمزيد مِن الأموال لمزيدٍ مِن الرّخاء. أحلُمُ أنّي عالقٌ بين جدارين بمساحة حجم جسدي وقوفاً. الجدار أمامي والجدار مِن ورائي. الكثير مِن التعرّق أثناء النوم. الإفراط في التفكير. أسكُبْ لي المزيد. عندما يختفي القلق والخوف مِن الجنون، تأخذ نفساً؟ خُذْ سريعاً، فأنت على موعد مع الخوف مِن الموت. و"الموت... يكون، فلا نكون". ماذا بعد الموت؟ مَنْ بعد الموت؟ مَنْ أنا الآن؟ دعني أمتحن نفسي. هل أستطيع التكلّم؟ الكثير مِن القلق ما قبل النوم وأثناءه وبعده. لكن القليل مِن الكلام، تعطّلتْ لغة الكلام. لماذا لا تَخرُج الكلمات مِن هذا الرأس الثقيل عند الحاجة؟ كلّ الجلسات مع المعالجة النفسيّة لم تُبلِ البلاء ولا حتى المئة وخمسين جلسة علاجية التي خضع لها "صموئيل بيكيت" أجْدَتْ نفعاً. 

ففي رسالة نَصَّها الكاتب الإيرلندي لأحد أعزّ أصدقائه يَذكُر ما يلي: "كنتُ على مدى سنوات تعيساً وعلى وعيٍ تامّ بذلك. كنت أعيش العزلة أكثر فأكثر وأقلّ فأقلّ إقبالاً على الحياة وأواجه تدريجيّاً استصغار الآخرين لي واستصغاري لنفسي. وذلك وصولاً إلى تلك الطريقة في الحياة التي كنتُ أعيشها، أو بالأحرى نفي الحياة الذي تبدّى في بعض الأعراض المرعبة التي مِن الصعب الاستمرار معها. هذا مع إدراكي أنّ شيئاً ما في داخلي يعاني مِن السقم".


الوسواس القهري

ما هذا الصمت المرعب! أصداؤه تدوّي في المكان. كيف يمكن التخلّص مِن العادات السيئة المتربّصة بي خارج إرادتي؟ كيف يمكن التخلّص مِن عادة البحث اليومي، عبر جميع الوسائل، عن طريقة أو تقنيّة حديثة سريعة الفعاليّة لإبادة شعبٍ بأكمله؟ أتأكّد مِن كلّ شيء. مِن الباب إن أغلقته، مِن الباب إن فعلاً فتحته. يقهرني قلقٌ حول رسالةٍ كنتُ قد بعثتها، تافهةً كانت أو ذات قيمة، فأعيد النظر مرّتين للتأكد مِن أنّي أرسلتها. سأقول الحقيقة، ثلاث مرات. جواربي لم أعد أميّز لونها، الشكّ لا يُحتَمَل. الشكّ بالجميع وبنفسي وبالتفاصيل. الشكّ لدَحْض اليقين إن فعلاً أشعلت النور أم أن الضوء مطفأ. ما هذا الهراء!  

يستوطنني النسيان، واقعاً وليس ذريعة. وأنا في صراعٍ معه منذ سنوات، منذ الإكتئاب الذي طرأ في سنّ العاشرة عندما أدركت أنّي لا أستطيع الاستمناء. جميع المبادرات لسرقة الوقت فاشلة كريهة والإحباط غلبني. لكنّي مستمرٌ، مَن صبر نال، وكيف إذا كان في عزّ الشتاء؟! سأُجدوِل جميع لقاءاتي كي لا أتأخّر على أحد، ومِن ثمّ، لا أصِلُ إلى أيٍّ منها. لم أكن منشغلاً، ولكن لا وقت للوقت. إنّي أضعت الكثير مِن الحياة، مستمرٌ أضِيع المزيد بمنهجية أعجَزَت الجميع، وأرتبِك أكثر، وأشعر بالحرّ أكثر. نوبات البكاء الهستيري تفاجئني أحياناً على شكل إيماءات في الوجه ونوتة تنفّس سريع مِن الأنف، لكن لا أعرف كيف أبدأ به. إنّي أفقد القيمة، إنّي أغرق أغرق أغرق...


التخلّي

في كلّ مرّة كنت آتي بها إلى العيادة للخضوع لجلسة المعالجة النفسيّة، وزجاجة المياه في يدي لأنّي على موعد مع إسقاط الكثير من الكلمات، وهذا ما لم أعتد عليه، كانت عند استقبالي تقول لي مبتسمةً محافِظة على جدّيتها (والتي لم تَرُقْ لي على الإطلاق): "اعتقدْتُ أنّك لن تأتي اليوم". كان ظنّها ذلك يشعرني بقليلٍ مِن الإحباط، ليس نكراناً لاحتمال أنّي ربما لن أحضُر، وإنّما لأني فعلاً كنت مسروراً بهذه الإستمرارية. لم أعتدْ لا القدوم ولا المواظبة. إلى أنْ، لم أعُدْ. 

"أنا لم أعد أحبّ. بالنسبة لي فالأشياء يجب أن تسير كما هي. أنا ليس لديّ ما يكفي مِن الحياة لتغيير الأشياء حتى. فكرة السعادة لم يَعد لها معنى بالنسبة لي على الإطلاق. كان مِن المفترض أن أقول هذا لكِ مِن فترة طويلة. ولكن هذا لم يَكنْ واضحاً ساعتها كما هو الآن". كانت هذه إحدى رسائل "بيكيت" لصديقته "ميتشيل". 

أتركُ الدموع وحيدة. ما مِن حقائب ولا أمتعة ولا أيّ شيء بقيت عليه ذرّة من بقاياي. سأحزم وقتي الذي أملكه ملكاً تامّاً ولا ينفعُ أحداً، وأغادر هذه الغرفة المليئة بالحبّ والحنان وأخواتهما. ومِن الغرفة إلى سبيلي، أعدّ خطواتي المتأرجحة كي أمارس لعبتي المفضّلة بهدر الوقت ولكسر الصمت القاتل الذي تتخبّطين به في الداخل، تاركاً ورائي استقرارنا والغرفة وكلّ الحياة.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: