عن اﻷحداث

بعد دكّ متحف الشمّع بدابر فتيل الفتنة ووأد اﻷزمة المثلّجة في المشرحة وتذويب جوازيق التماثيل الوطنية وفكّ أنياع بواجيقها وكمّها بِكَلاَسين الحبّ وجوارب الحلم واﻷمل وصدريّات الحريّة النّعقاء النّقية واستقدامها عنوة وبالشّحط اﻷَخْوَت الرّحيم من خاصرة النجوم الكاذبة إلى قيح التواليل المفزورة في إصبع البعص الصادق، من الجبل إلى السّهل، من الوادي إلى البحر، من الفنادق إلى الخنادق، من الساحتين والشارعين، من الشرقية والغربية، من اليمين واليسار دُرْ، غيّر وحوّل إلى خط التّماس الضاغط بالنيتروليبرالية، إلى تفل الدمّ على الريق والقهوة التقدّمية بامتياز على الجبهة الإنعزالية الثوريّة، فالنّار الآن من موضة السّوق التغييريّ وسعر الحفاضات إلى ارتفاع حتمًا، إركض يا ولد بالظّلط وشدّ على خرائك باليد وَلَوْلِبْهُ وأقذف به بالمباشر عين القنّاص، فنّاص الذاكرة المتشظيّة بنا من الكنائس إلى المساجد، من البواسط إلى المخيّمات، من السوديكو إلى المتحف الوطني، ها هي اﻷشلاء الوفيّة لذاكرة الجسد قد اغتالت الفرصة الثّمينة وشرّفت مُفْلَسة محنّطة بالشهادة اﻷبيّة الطّوشاء، مُلَفْلَفَة مُهَفْهَفَة مكتومة القيد وَمُدَبَّقَة بانبعاث الهويّة اللبنانيّة الجديدة المقتولة على حاجز الْحَسَب والنَّسَب لِلْقَرْط والفساد المُسْتَشْري في بلاد بيريت أُمّ العدل وأخو أخت قدموس على أب الحرف والكلمة الشَّمْطاء المُهَلْهِلَة لِعَوائل الرومان والإغريق، ستريمينغ فِينِيقُوس أَيْرُوبَازْ طائرًا بالإبل فوق البحار والصحاري، ومن الشتّ إلى اللّت اصْطَفت الرّحلة بالحريق على رمل الشاطئ الغريق. تمّ.


في الديكور والشخصيّات

استديو جديد للثورة مُسْتَحْدَث في وسط المشرحة الرسميّة لتاريخ الحرب اﻷهلية.

يخرج اﻷموات بعد كل سؤال أو جواب من جوارير البرّادات ويصفقّون مبتسمين..

أسرة التحرير في مجلّة "رحلة" يتناوبون، مدجّجين بالأسلحة، لطرح اﻷسئلة على ضيف البرنامج الكريم، الطبيب الشّرعي العالم والباحث، الدّكتور "لاَغُوتْ الْمِيلِغْيَوِيّ" رحمه الله.

  

مقدّمة صار وقت الموت

مذيعة بيضاء البشرة عارية برأس تمساح أحمر تقدمّ الحلقة.

- على وقع الدّبيك وَطِيب التَّطبيل لمجزرة اللّغة الميتة، وبمناسبة دكّ متحف الشمع وتدشين قسم "الكْلاَشْلُغْطَازْيَافِيكْ" في المعهد الوطني العالي الحيّ لفقء الكلمة واسترداد اﻷوقات المنهوبة، كان لـ"رحلة" حوار شيّق مع العالم والباحث في شؤون التشاؤم لانتفاء لغّة الكلام الصّحيح وشجون التفاؤل ببطلان معس الصحّيح بالخطأ، حضرة الطبيب الشّرعي، الدكتور المرحوم "لاَغُوتْ الْمِيلِغْيَوِيّ".

يدخل الدكتور بثوب أخضر معتمرًا قبّعة بيضاء تخرج منها جزرة طويلة.

جوارير برادات المشرحة تنفتح وتنغلق وتخرج منها رؤوس وأياد وأرجل وأعضاء مبتورة لأموات مقهقهة مع أزيز وطنين ما بعد الإنفجار تحت أضواء ستروبوسكوب الاستوديو وعلى صوت فيروز المكهرب المجنزر المعلّق طوال المقدّمة على"سألوني شو صاير"... ثم فجأة صمت أشمط مرير، يتبعه شهيق ونهيق حمار، ثم إعلان تجاري لتسويق حفاضات للرأس، زهريّة اللون. 

حوار مع العمر المقتول

- دكتور، نتابع بشغف تشريحكم للوضع في هذه اﻷوقات العصيبة، ونودّ أن نشارك قرّاء "رحلة" بما آلت إليه آخر نتائج أبحاثكم على ضوء هذا الإنهيار العظيم وما سيتبعه برأيكم من صدام قاتوليّ، على مستوى اللغة والجسد.

- أُسْعِدتم أوقاتًا وكل رحلة وأنتم بخير. طبعًا، لا نتائج محسومة بعد، باستثناء الموت الحتمي المنتظر للانتظار وذلك بمجيء الموت نفسه على شاكلة قانون مكرّر معجّل غير منتظر، أي بالمباغتة المطلقة، يسرّع من السّقوط المدوّي لكلّ كلمات لغّة تاريخ الحرب المفقود، السّقوط في النقطة المجهولة المعالم المعروفة، نقطة فراغ الكلام الخاوي من الكلام المعلوم المملوء بجوهر بقايا اﻷجساد أوّلاً، ثم ثانيًا تَشَكُّل طلائع هيئات الصّدام البديهيّ بين اللغة الميليشيويّة المنقرضة حتمًا من جهّة وميليشيويّة اللّغة الجديدة المخلوقة من أشلاء اﻷصوات واﻷلفاظ المنسيّة للنطق بكلمات العزاء اﻷبدي وتركيب القرون لعقود من الحروب العدميّة وذلك قبل الشروع بالتحدّث والتخاطب والكلام، وقبل البدء بفعل أيّ شيء كان أو خاطر على البال القاتل أو المقتول، ثم طلب المغفرة والمسامحة، ثمّ النّحيب والعواء مطولاً دون رقيب أو حسيب، العواء بمجانيّة الحبّ الذابح والمذبوح، يليه الصّمت المطبق، فالصّمت الفاتح، ومن بعدها لكلّ لاحادث، أحاديث.

- نعم دكتور، لكن بكلمات أبسط من فضلكم وَلَوْ سمحتم؟  

- يا أحباب، أبسط من هذا اللَّغط اللُّغوي المُلَغَّط بالمَغْلُوط المُغالِط لِلْغَلَط الغَلِيط، لن يحصل ولن يحدث ولن يصير. لقد تَغَلْغَطَت اللّغة وَتَمَلْغَطَت في القتل المَلْغُوط اللَّغيط وَلَغْلَطَت بالمغالطة غلطًا وَتَمَلْطَغَت لغطًا كالغالوط المُتَغَلِّط من غَلاطَة الغلطة الغالطة المفجوعة بالتَّغَلُّط والتَّغْلِيط، كالفاجعة المفضوحة في لحف أمّ الحائط وشراشف أبيه، فصل حُبّ تحت تخت خلط التَّلاغُط بالتَّغالُط، ومن ثمّ التًّخالُط والتَّلاطُخ بآثار طَأْح العظم بالدَّبَش في الجمجمة المُتَبَخْتِرة أمام قِصْر النَّفَس النَّفيس ومجون طفح الكيل المجيج والمَجّ والشّفط واللَّعق وبَلْع الميزان وَزَلْع الِمكْياليْن والعفط ولفط مُخّ بيضة القبّان بضغط دمّ القلب الواحد اﻷحد الوحيد لشطف العقل المدجّن على الجريمة من أهواء وهوايات القتل، لإنعاش عَضَل الذاكرة القتيلة، وتفكيك معضلة هويّة الجسد دون عَرض المهابل والخصي والعضلات، الرجل من ضلع المرأة، والمرأة من عضل الحبّ، والحب إنسان بلا أرض، ولا سلام إلاّ بالهلع من اﻷظافر واﻷنياب على الدّوام، هل تذكر يا حيوان؟!

- عفوًا دكتور، لكن جلّ ما بغيناه من هذا الحوار معكم هو التعرّف على ملامح شخصيّتكم الفريدة والإطلاع منها على أعمالكم اللّغوية المعقّدة، هذا إن كنّا نحن أصلاً قد فهمنا شيئًا ممّا أَتْحَفْتُمونا به من شَرَابيك لَبَكَات المنطق الخصيب في دهاليز اللفظ والنطق العقيم، هي محاولة منّا للوصول معكم بالعقل السفليّ إلى واقع بَرّ الوضوح الحُرّ، فاعذروا لنا تطفّلنا إن نحن في تجريبنا قد جرّبناكم فنرفزناكم لِتَنْعَتُونا بالْحَيْوَنَة، فعذرًا يا دكتور...

- أحبّائي الرحّالة، لا تفهموني خطأً ولا تفهموني بالصحّ، إفهموني قبل شروع العقل بالتجريد، أيّ قبل وصول الكلمة اﻷولانيّة كالبغل في المخّ، وقتها كانت اللغة جسد الحيونة المتكامل، وكانت الحيونة كمال لغّة الجسد. خسرنا كلّ شيء بعد امتطاء الكلمة للعقل. ربحنا لغة جَحْشَاء للتّواصل ونسينا طيبة البغال والحمير. تبًّا للرأس وما ينبت فيه! كيف لي أن أوضح لكم أكثر وأنا المَنْقُوص اﻷكبر؟ أنا فاقد لِلُغة الْحَيْونَة البديهيّة، أنا جسدٌ مفلوق من التجريد، أنا كائن مجرّد مخبوص على هويّة قاتلة ودين قاتل وأوهام بوطن لأحلام مقتولة، أنا من مواليد لغّة مؤمنة ومؤتمنة على القتل المُستدام، أنا فصيل من فصائل اللاهوت الميليشيوي، أنا اشتياق لغويّ لِلْخَرَف لِلْهَرَب من هكذا لُغّة وبجميع اشْتِقَاقَاتِها وَمَشَقَّات مُشْتَقَّات انْشِقَاقَاتِها إلى فصول وتفاصيل، أنا مفصّلة باب يُزَيْزِق للحرب وَيُزَقْزِق للعصفور على الشبابيك، أنا مفطونٌ ومفطورٌ ومفطومٌ على الانحباس والإندحاش بالنَّسق عَيْنِه ولكن بِتَلاوين وَتَبَادِيل بالصيّغ المُتَخَلِّفَّة وَبِتَعَاتِير من التَّعابير الحَضَاريّة المُعَسْكَرة كالمُجَوْقَل أو المغاوير، أنا جيش تكرير الندم وتكرار طنّ جرس الحزن بالدماغ المنفجر من تعداد وترداد أعداد القتلى المصابين باﻷمل المُصاب بالعطب من كعبه إلى رأسه، أنا ميليشيا اللّغة المقتولة حتمًا، أنا ميليغيويّ الهوى بامتياز، أنا لاهوت اللغة المدنّس بناسوت العبث واليأس من القاتل والمقتول على السّواء، أنا لغة بلا لاهوت، أنا لاغوت الكلمة الحيّة بالْحَيْوَنَة، أنا "لاغُوت المِيلِيغْيَويّ"، أنا تَعبان من كُلّ هذا الترحال الدائم في الدمّ، ها أنا أستودعكم كلمتي بسلام بين مجازركم، خذوا ! 

- دكتور، دكتور، من فضلك إستمهلنا ولو قليلاً بعد، لكم الهواء بالكامل مفتوح الحدود والآفاق، غير مشروط بالأرض المحروقة أو بصاعقة من غيم السّماء، أعطنا أن نفهم بعضًا ممّا أنتم مُمْعِنُونَ بِتَشْريحه: هل تجزمون أن اللّغة الحالية المنازعة هي ميتة أصلاً، وأنّ الآتية ولو هي بعد مجهولة المعالم، قد لا تقلّ عُنفًا عن سابقتها، أهذا هو بالضّبط ما أنتم تقصدونه يا دكتور؟

- أَصَبْتُم أعزائي، وأنا أشكر لكم مساهمتكم الدؤوبة لتسريع وتيرة انهيار كل هذا الكلام الفاجر والعاجز، أشكر لكم رفضكم القاطع، وإنّي من البدء وكما وضّحت لكم، من بدء البداية الخرقاء للنهاية، أبشّركم بِتَأَبّي أيّ معالجة لفجور شَطْشَطَة الرّيق الأحمر من حماوة اللَّغُو اللُّغوي الْحَرَامي المَدْحُوش بِعَقْلِنا الجمعيّ والفرديْ، إِحْذَرُوا سيخ البلاغة والفصاحة الهبلاء، تَلَطَّوا من الشكّ المشكوك بحقيقة شكّه في قلبنا، أَنْصِتُوا للصّدر المعقور الظهر عُقْرًا في الهباء، واغْرُزُوه غرزًا في حلقنا المحمّر من الجعير للهباء، جعير الداعي عبثًا أن نَتَعَمْشَقَ بالحلم المعدوم بسلاح كلمات تاريخ الحرب المفقود، وَتَبًّا فَلْنُقَرْفِص تَوًّا لِنَتَغَوَّطَ على القيح اﻷسود المهدور من عُقْر الكلمة المذبوحة أيضًا وأيضًا لِلْهَبَاء، كلمة الحرب الهاشلة من لغّة الحرب بالكلمة، كلمة انهيار الكلمة، لَكْمة الدمّ السائل في هيئة الهباء ووداعًا أحبّائي.

- دكتور، دكتور، باختصار شديد وقبل الدخول إلى فاصل حربي جديد، ماذا ينتظرنا في الواقع؟

- بصراحة يا غرينغوز، لا شيء ينتظرنا بعد اﻵن. نحن خارج معالم الوقت ومفاعيله الزمانية والمكانية. نحن في عرض الحائط نُتَنْحِرُ على الموت وَنُنْتَحَر في الحائط، مومياء للقيل والقال المُحنَّط المُنحطّ، طولها طول الحائط، لا شرف لها ولا عَرْض إلاّ بِعِرض الحائط اﻷبكم. اللغّة خوتاء عمياء بكماء صمّاء مُلَغْلَطَة مُمَغْلَطَة غالِطَة وَمُتَغَالِطَة، لاغية ومُلغاة، مَلْهاة كاذبة مُبْتَذَلة مُموّهة بصدق تراجيديا اﻷموات، ناكرة لِمُكْر الصّواب المعْوَجّ، مستكينة باستكانة السكّين بعد ذبح المُستدين لفرملة دين اﻷمّة المُستقيمة على الهامش الهاجم على الداخل الكسيح المُمَتْرس بدعم من جبروت الخارج كَتِمْسَاح على خدود تماس الدموع وتقاسيم الوجوه المُخَنْدَقة خَلْف ملامح خُطَطِ وَخُطوط التقسيم المسترجع المستحدث لِقَوْلَبَة اﻷزمة على قالب الوجوديّة السّخيفة. يا أحباب، اﻷزمة أوّلا وأخيرًا هي أزمة لغة في طبلة صمّام الدَّين العام والخاص، الدِّين الموؤود الثقة في سوق الذبح الموثوق على المعابر، ترانزيت تعابير وخواطر خرقاء ما بين الخرف المستفحل بالعقل وفحل الخوف الهائج في القلب، ها هو الخيار الجبري للنَّسق يفرّخ الإستفراد بالفرد ويُجمع على فرط الجمع لإدارة نحر اللغة وصوغها انتحارًا طوعيًّا للجسد مع تعرفة جمركية مخفضّة لتهريب العقل. وعليه وباختصار، يُرجى التوجّه فورًا ﻷقرب مخفر مجهّز بأساطيل أطبّاء الدّعم النفسي لتفادي انقطاع حبل الصرّة وخسارة ولادة نوع جديد من الخسارة الهباء، خسارة احتمال القدرة على قدرة التحمّل، قدرة الدّفع الرباعي المربّع على زلع المدفع دفعة واحدة للتربيع على فائدة الفوائد المستحقّة غير المحقّة، والسّلطنة لإيفاء أثمان سطلنة مراكمة تراكم اﻷغلاط الغليظة في مصارين التجويد على تغليط اللحظة، والدبكة طبعًا على نفس إيقاع موّال المنوال العتيق المنسوج على الغلط المحيق، المَكْرور بِلَغْط خيط النَّول الدقيق والمُبَلْعَطْ بِتَلاحُظ شرائط الملحوظ لحياكة عقدة الخنقة على اللحظة، كل لحظة بلحظة عقدة للخنقة، رَنًّت فنون الجرس، وطنّ النّحس المدقوق في قالب نحاس العقل المذبوح، في القلب المنكوح المشرّع المفتوح المُبشِّر بحبّ الوطن المجزرة.

مقدمّة الحلقة تشكر الحضور وتختم بدموع التماسيح.

الدكتور يأكل جزرة مخّه.

- شكرًا دكتور وبصراحة، تبًّا لنا ولكم ولكلّ لغّة ستحدث دون هكذا صدام، شكرًا مجدّدًا، ندخل اﻵن وبسرعة فائقة إلى فاصل إعلاني طويل. 

مَعَ رِحْلُو وْرِحْلا رُوح تَ يِرْحل وْتِرْحَل بِسَلام

رحلة موفقّة على الدّوام.