يجيء الإستعراض أحياناً على شكل اللاحدث، كمن يقّص كعكة حلوى بمناسبة ارتداءه للجوارب. لكن يمكنه أن يحضر في المرآة أيضاً، بعد ورشة مايك أب مفرطة، كصورة غير حقيقية عن الشيء نفسه. في كلتا الحالتين يبقى الإستعراض ظاهرة واقعية متحركة، وبما أنها مزيفة فإنها تستعين بثلاثية المثقف، الرأسمال والإيديولوجيا، لتعطي مبرراً لجريمة نكرانها. لكن الإستعراض في نهاية المطاف مثل معلبات المواد الغذائية، لها مدة صلاحية معينة وتنتهي. عندما يأتي هذا الموعد، ظاهرة أبوكاليبتية تُخلق، لنرتدي على إثرها شجناً تراجيدياً، كثوب أسود للحداد.

نيوسفسطائيون والموضة

يُحكى عن جيل ٍ خُلقَ من رحم  إنحسار حكم الأوليغارشية، وُلد في ساعات الفجر الأولى لوّهج الديمقراطية، جيلُ تباهى بالحكمةِ والمهارةِ والأسبقيةِ. "إن الإنسان هو مقياس كل شيء" هكذا أفصحوا عن مقولتهم علناً، جملة ٌ توازي مانيفستو، سرقت ذهول الجميع حتى كادت تعطي إمتيازاً لصاحبها بكتابة دستور الحكم الجديد للبلاد. حَصَلَ ذلك في القرنين الخامس والسادس مما قبل الميلاد، في بلاد الإغريق الأسطورية، في مجتمع "أثينا" العريق.

لم تدم مسيرة السفسطائيين كثيراً. سُرعان ما إفتضح أمرهم، كُشف زيفهم الممنهج، تمويههم الهادف إلى التلاعب المنطقي، خدعهم في نهاية المطاف. قليلٌ من إرثهم المعرفي بقي على قيد الحياة، واحدة من أخبارهم الشيّقة هي الحادثة التي حصلت مع عدوّهم اللدود اَنذاك، المُجادل القبيح "سقراط" عندما سأل أحدهم عن الجمال محاولةً منه أن يستميله إلى لعبته المنطقية التافهة، إلا أن السفسطائي فاجأه بجوابه: الجمال هو أن تجلس على مقعد خشبي مع حبيبتك تُراقب المغيب. ولعلّ تلك الحادثة تعتبر من القصص الأروع في تاريخ الفلسفة كما يشير إليها بعض المفكرين الذين رأوا في إجابة السفسطائي قطيعة جذرية مع الماضي، لحظة حداثية مَهيبة، ليس لأن للجواب طابعاً وصفيَاً فقط، بل لأن البحث في "الكيفية" بات أجدى نفعاً وأكثر إثارة من الغوص في "الماهية".

قرر البعض في الميلينيوم الثاني أن يأخذ مناخ السفسطائيين على محمل الجد. أساساً كل الشروط متوفرة لديهم. الظروف جاهزة، الجوّ ملائم وليس هنالك داعٍ للقيام بأي جهد. قرأوا كتاب "بسيكولوجيا الجماهير" وفهموه جيداً، وهُم على يقين ٍ بأنه ليس هنالك وقتٌ مناسبٌ أكثر من الآن لإضفاء الكثير من التلعثم على الحقيقة. جهزّوا أدوات العدّة كاملة ً، نقبّوا عن الاشتقاقات اللغوية كفاية، زادوا من براعتهم النحوية، قرأوا تاريخ العلوم للمرة الألف، تمعنّوا في قانون التناقضات، حفظوا أجوبة برنامج "من سيربح المليون؟" وراحوا يستعرضون تحاليلهم ويستفيضون فب شروحهم على الشاشات وفي الساحات، على المنصات الإلكترونية، على الفايسبوك، في صفوف الجامعات، في الأزقة وحتى في غرف النوم! كمشهدٍ مسروق من فيلمٍ قديم ٍ شاحب اللون، أقرّوا خطتهم بصمتٍ، المناسبة : أزمة حادة يواجهها الوطن / المهمة: الإستعراض المعرفي عن الإرهاصات والمدلولات ولو واجهت تناقضا مع سردية الماضي.

في بلد يعاني كساداً في الأمل وتضخماً في البطالة، لا مانع من وجود وظيفة شاغرة ينصبها سفسطائي برتبة إنفلوينسر ثقافة يعلم جيداً أن لا رأي عام متيقظ يدين تفاهته و "يبعص" ترّهاته. سفسطائي موديل حديث، تتلقف العامة خطابه بتجردٍ بلا دهشة لأنه كسبَ رهاناً وضعه على ذاكرتها (لا إستشراف للمستقبل بلا ذاكرة) بأنها تنسى مع من كان "يَتسيّس" (يمارس السياسة) ولأجل من كان يُسيِس. نيو-سفسطائي خبيث، يكتُبَ للأمراء "إند فريندز" عن أجدد أنواع الثورات وعن آخر إصدارات الهتافات، شبع من موائد العشاء عند النخب وأسقط خواءه في جملٍ إنشائية باهتة محاولة منه تفريغ المعنى من معناه، لتمييع وجهة الصراع مستنجداً بعباراتٍ برّاقة، لامعة أسرف في إستعمالها حتى يَغلُب بإستعراضه العدم الجاثم بين كلمته وكلمته.

سمعنا النداء" عودوا إلى الساحات أيها الرفاق، تعودوا إلى الوضوح" ولبيّنا الدعوةَ، إلا أننا صادفنا على الطريق من كان دوماً يمَنع الرؤية عنّا. مشى بجانبنا من ديّن عقله التكنوقراطي-الأكاديمي للسلطة. وعندما وصلنا، وبعد أن جهزنا بقليل، سمعنا شعارات "تروتسكية" ثورية، يرددها النيو-سفسطائي ذاته فسألناه: كيف يمكننا تحقيق الخلاص؟ قال: "هذه المسألة دقيقة وحياة الناس قصيرة". (*قول للفيلسوف السفسطائي "سوفوكليس"). لم يكن هنالك خيارٌ، ضبضبنا مأساتنا ومشينا بإتجاه قدرنا، قدرنا المُفلس المُدمن على المأساة، أشعلنا آخر سيجارة من آخر علبة في آخر النهار، وقبل أن تنطفىء بقليل تذكرنا النيوسفسطائي وعبرته المستترة: "جيب الإنسان هي مقياس كل شيء".

البنك الذي سرق حلمي

عندما كنت ما أزال يافعاً، عندما كان قلبي ما زال ينبض أملاً وأحرفاً وموسيقى، أي قبل أن تخنقه نوبات الهلع المرعبة، قررت أن أكون كاتباً. سبعة عشر سنة كنت مدفوناً في المدارس الخاصة ولم أكن أنوي إعادة التجربة نفسها -ولم أكن أستطيع- لكن المدينة التي أحرقتها نيران المدافع لم يكن بوسعها أن تحتضن رغبتي، فلا ملاجئ جاهزة فيها ولا جامعات رسمية صالحة، إنما مطاعم باهظة الثمن يرتداها أصحاب المعاطف المخملية الطويلة ومصارف عتيدة يديرها رجل إنزلقت منه أخلاقه في المرحاض قبل أن يشد عليها السيفون. وقع نظري ذات مرّة على لوحة إعلانية من بطولة إمرأة سيليكونية مثيرة تقول بضحكتها العريضة أن المصرف الذي يقع بجانب منزلي في خدمتي حتى نهاية الدهر، شعاره الأصلي كان "مصرفك مدى الحياة". عندها بلعتني الدهشة وإعترتني البهجة، ففرحت، تحمست وصدّقت بأن مصرفا ودوداً طيب القلب يمكنه أن يقلب العالم رأسا على عقب، يمكنه أن يطيح بكل العوائق التي تجابه الإنسانية، فما الشح المادي الذي يعتريني سوى تفصيل عنده وأنه سيكون طريق الخلاص الوحيدة المضاءة التي سأسير عليها وأتعلم لكي أصبح كاتبا مشهوراً، كاتباً مخوّلاً لأن يفوز بجائزة نوبل للآداب، تماماً مثل "بوب ديلان". وفي اليوم التالي ولأنني لم أنم، كنت أول الواصلين. لم يكن علي الإنتظار كالأخرق في صفوف "الكونتوار" الطويلة. إستقبلني شاب عشريني لطيف، حكيت له قصتي بإختصار، "ماذا يمكنك أن تقدم لنا بالمقابل؟" سألني. طلب رأسمالاً موازياً لقرضٍ جامعي يغطي كلفتي التعليمية مع زيادة طفيفة،على حد قوله، في الربح. عرضت عليه أبي لكنه سرعان ما رفض بذريعة أن إدارة المصرف لا تؤمن بالبشر بل تريد موارداً حقيقية رابحة مع موعد أكيد في الدفع يحدد تاريخه بعد مضي عشر سنوات. فما كان علي سوى أن أرهن لهم حلمي، أن أزرعه في يقظتهم حتى يدمنوا على الإنغماس فيه، "اريدكم أن تتذكروا الكاتبة الفرنسية "فرانسواز ساغان" كان عمرها 16 عشرة عاماً عندما وجدت في جيبها ثروة مالية بالملايين إثر إصدارها رواية "صباح الخير أيها الحزن"...هل هنالك ثروة أكبر من الحزن في صباحات هذه البلاد؟ سأكتب عن الكرب القابع في ردهات المساء وأجني الملايين أيضاً" فأقنعتهم.

دخلت إلى الجامعة وبحوزتي فنجان قهوة وجريدة لكنني سرعان ما صادفت "بسيدو" أبطال سينمائية يقودون سيارات رياضية فخمة ويتبادلون الأخبار عن ثروات أجدادهم الهائلة. كنت قد تعوّدت على هذا القيء من مدينة أورثتني متلازمة الإغتراب في عمرٍ مبكرة. في أحد الصفوف تعرفت على فتاة عشرينية جميلة، تهتم بالأزياء وكانت تطمح إلى أن تكون وجهاً تلفزيونيا عالميا. أخبرتني عن حبّها الهائم لأحدهم وعن الصفات الشخصية التي يمتاز بها، ستينيّ طويل، يرد شعره الشائب إلى الوراء، يرتدي التوكسيدو دائماً ويدخن السيجار. رجل أعمال كبير، ماكر وحذق، يناديه الرجال بالحاكم بأمره والنساء بالأسطورة. شيء ما وقف عائقاً ومنع إرتباطهما الرسمي، فقررت أن أكتب عن هذه القصة وأنقلها إلى رواية تحت عنوان "ذهبت مع السلامة". بعد مضي عشر سنوات، ربحتْ روايتي جائزة محلية لا بأس بها، تفوق ديني الجامعي بألفي دولار وتصفيقة، وعندما هممت إلى المصرف لأغلق حساباتي وأستلم جائزتي رفضوا إعطائي إياها. "لكنه حلمي" قلت، ضحكوا هستيرياً وبصوت واحد صاحوا:" نحن الكابوس الحي، قليلون من ينجوا من عندنا، ما فائدتك أنت؟ فائدتنا أهم!". من يومها وأنا أحلم بالزومبيز.

مأساة الإيديولوجيا اللبنانية/ نهاية الحلم اللبناني

يُحكى أن موجة ضارية من الجوع سوف تضرب لبنان قريباً، فهنيئاً لملكة الجمال بحميتها الجديدة.

كل الشاليهات الموجودة في المناطق المرتفعة ستفتح قريباً أبوابها للأشباح.

البنك الدوّلي ينتظر الأحد المناسب ليأخذ وسط المدينة، كل الأسهم الموجودة باسمه.

بادروا بتحميل صوركم الذي لم "تخشّنوها" بعد على إنستغرام، إنها جولتكم الأخيرة ولا شوبينغ بعد اليوم.

كل العقول التي خصخصتها العولمة والتي "فَلَقننَا" بالكلام بلغاتٍ أجنبية مع لهجة سيكسي ستتعطل، سيقتحمها الجنون.

كل من استدان ليطلق المفرقعات بمناسبة زواجه سوف يتسابق مع زوجته على أول طلقة في لعبة الروليت الروسية.

كل من غلغلت بوجدانه كلمات أغاني الفن الهابط سينفجر قلبه عند أوّل قذيفة.

المجتمع الذي بُني على النكران كان في حالة حلم، وأفلس. العد العكسي بدأ والسخط العارم في طريقه. حظا سعيداً.