أكثر ما كان يثير قلقي في فترة المراهقة تساؤلي عن السبب وراء امتناع الله عن تحويل الفضائل، الّتي يريد منّا سلوكها، إلى حاجات متفرّعة عن خصوصيّة فينا نحن البشر، بحيث نميل ذاتيًّا للإتيان بما يجلب سعادة الإنسان التّي تضمنها سرديّات الأديان. والمستهجن في الأمر، أن تساؤلاتي الطفوليّة دُفعت إلى حيّز الوجود بعد صعود التّيارات الماديّة، واستحواذ آلة الإنتاج على الصّورة الكبرى. ولكنّ الله لم يكن طرفًا في هذا التّحوّل، والفضيلة استحالت وهمًا وتخييلًا. تشيّأ الانسان، وتدخّل أرباب المال لإعادة صياغة ذوات النّاس، وبالتّالي ميولهم وحاجاتهم، بما يتناسب مع غاياتهم هم، لا الغايات المتعالية التي تغري فاهمتي. وأحد أكثر التغيّرات أهميّة في تاريخ التّبادل السّلعي والخدماتيّ، وأحد أكثر العوامل تأثيراً على وضعيّة مختلف الطبقات الاجتماعيّة في الفترة القصيرة الماضية، هو بلا أدنى شك تجاوز أرباب الإنتاج القدرة على تلبية الحاجات، إلى القدرة على "خلقها". هذه القدرة التي اكتُسبت متأسسة على نظرة مخصوصة للانسان بوصفه الكائن الوحيد الّذي يفعل "إراديًّا" ما يعتقد أنّه ملازم للصواب، الأمر الذي دفع سادة القرية الكونيّة إلى إعادة رسم مفاهيم هذا الإنسان وتصوّراته للصّواب والاحتياج، مستفيدين خلال سيرورة إعادة تشكيل الذات من حقيقة القيم والأخلاق والعادات الّتي تنتجها وسائل التأثير التي توافرت خلال الفترة الممتدة على طول الرقعة الزمنية القريبة، كالإعلام مثلا، لتأسيس عادات مجتمعيّة وأنماط عيش خاضعة لترسيمات جديدة، فيتكثّف الجهد "الميؤوس منه، والمثير كثيرا للشفقة" الّذي ينبغي القيام به للالتزام بالأفكار الطفوليّة المستحدثة المتعلّقة بالاحتياج.

وهذه الإكراهات اللاواعية المتأصلة داخل العقل البشري والتي أرستها آلة الإنتاج، صيّرت الإنسان كائنًا استهلاكيًّا بشراهة، يجد ذاته في التّبضّع. وكان هذا مساوقًا للضبابيّة الّتي طوّقت مفهوم الحاجة، الأمر الّذي سهّل تسيّد نسق من الاستعدادات الّتي تحدّد دور الفرد بوصفه كائنًا مستهلِكًا يهيمن عليه نمط محدّد من العيش، بل وتهيمن عليه الهيمنة نفسها كما يقول ماركس، فلا يكون ملتفتًا إلى المفاهيم التي تربعت على عرش نزوعه وتحكّمت به. ولم يقتصر أثر حملة تعديل ذوات الناس على هذا فقط، بل تجذّر إلى درجة أنه استطاع قلب علاقات الاحتياج والاستهلاك، فلم يعد الإنسان مستهلِكاً لما يحتاجه، بل يستهلِك، ثمّ يسوّغ استهلاكه بوصفه حاجة ملحّة، أقول مجدّدا، كان هذا بعد أن طُمس مفهوم الحاجة. وحين أنشد الإنسان الليبرالية بصوت عالِ خاتمةً لإنجازات وصياغات البشر الفكريّة، كان في وضع محرج وُضع فيه بعد أن أُدخل في دوامّة المعاناة الّتي تنتج عن أصل سلوكه شبه-الجبريّ الذي يدفعه إلى الاستهلاك.

لا يهمّنا هنا البحث الكرونولوجي في أسبقية "خلق الحاجة للاستهلاك" على "الإنتاج الهائل"، أو العكس، لأنّ في كلتا الحالتين، يشكّل الإنتاج المفرط الهادف إلى تنمية الرأسمال غاية أخيرة. الإنتاج غير المنضبط بيّنٌ في قراءة استهلاك البشر للثّروات الطّبيعية. وكمثال على هذا، استهلكت الولايات المتحدة الأمريكية من ثروات الطبيعة خلال القرن الماضي أكثر مما استهلكته البشرية طوال مدّة عيشها على هذا الكوكب - باستثناء القرن الماضي بالتأكيد - وهذا ليس تعبيراً عن حاجة كما سبق أن ذكرنا. ولأنّ هذا الإنتاج يؤمل له أن يتصرّف في الأسواق الّتي ترتادها مختلف الطبقات الاجتماعية في عالم يعاني من اللامساواة، لزم أن يظهر بأشكال عديدة تستجيب لقدرات شرائية مختلفة. هذه العمليّة فسحت المجال لتكوين أسواق تعكس طبقيّة المجتمع أيضًا، فأسواق الأغنياء لا يمكن للفقراء زيارتها تحت أي ظرف، ولا يروق للأغنياء التسوّق في المتاجر المخصّصة لاستقبال الفقراء. لن تجد يومًا أحد الأغنياء يجمع حاجاته من سوق "صبرا" أو من سوق "حي السّلّم"، إلّا في سبيل تسجيل المواقف أو لأجل العراضات أو من بُخل مفرِط، كما أنّ فقيرا لن يدخل أحد متاجر "آيشتي"، إلّا تحت عناوين المغامرة والفُرجة. ولمّا كان أصحاب رؤوس الأموال قد أنشأوا المولات التجاريّة لتأمين مختلف احتياجات الأغنياء والطبقات المتوسّطة، لئلا يضطر هؤلاء إلى التنقّل الذي يستنزف الوقت في عصر السرعات، أنشأ المتموّلون أيضًا نموذجًا مشابهًا يلبّي متطلّبات الفقراء، أقصد متاجر الـ "وانْ دولار".

ومحال الدولار الواحد، كما المحال المخصصة للفقراء، لا تعجّ بالأضواء والألوان والموسيقى كما اعتدنا أن تكون المتاجر الضخمة والمولات. وغالبًا ما يكون هذا النّوع من المتاجر ممتدًّا على مساحة صغيرة، تسع أو عشر خطوات بالكاد أو تزيد قليلاً، ممتلئة بالرّفوف الّتي تزخر بالمنتجات والسلع المختلفة الّتي تعثّر انتباهك. يقول روّاد متاجر الـ "وان دولار" أنّهم في أغلب المرّات يخرجون ببضاعة تزيد عمّا كان من المخطط شراؤه. وفي الحقيقة أنّ هذه الزيادة ليست مفاجأة، بل ومتوقعة في عالم يدفعك للاستهلاك من أجل تحقيق ذاتك. لقد كان متجر الدولار الواحد ملجأ للفقراء المنخرطين قهرًا في "السيستم" الذي فرضته الحداثة. إلّا أن علاقة الفقراء بالـ "وان دولار" كان لا بدّ لها من نهاية. على الأقل، يمكن الخلوص إلى هذه الخاتمة بتأمّل بسيط في اسم هذا المتجر. فالتسمية "وان دولار" تُظهر بوضوح التّشابك بين سعر البضاعة وسعر الدّولار، تماماً كما تتشابك الالكترونات كُموميًّا. تقول الفيزياء الحديثة أنّ الجسيم "ما دون الذّرّيّ" قد يرتبط ارتباطاً مبهماً مع أحد الجسيمات الأخرى، بحيث يتأثّر أحدهما بما يتعرّض له الآخر. هكذا يتأثر سعر المنتج بسعر صرف الدّولار. وبقدْر زيف مسرحيّة المحافظة على سعر صرف الدّولار، كانت مزيفة ديمومة استقبال متجر الـ "وان دولار" الفقراء. ولا يقتصر التّشابه بين الظاهرتين على هذا فقط، بل أنّ الغموض الّذي يلفّ ظاهرة التّشابك الكُموميّ في الأوساط العلميّة، يلفّ أيضًا حقيقة وضع الدّولار في الأوساط الاقتصاديّة اللبنانيّة.

ليس في الإمكان أن نستعرض في بضع كلمات مجمل التحوّلات التي استطاع النموذج المُدَولر فرضها، وبالتَّبَع المنتهى الّذي حتّمه النّموذج الّذي يخلق أزمات دوريّة ثمّ يحمّلها للطبقات الّتي لا طاقة لها على حملها. وإذا أردنا الآن أن نتنّزه عن قراءة التّفاصيل لتأمّل اللّوحة الكبرى، فإننا سنتنبّه إلى حقيقة تأبيد معاناة الطبقات الفقيرة الّتي تنتج عن دفعهم للاستهلاك من دون إنتاج آليّات توفّر لهم القدرة على ذلك. وإذا كان الاستهلاك كما سبق أن ذكرنا، يشكّل شرطًا أساسيًّا لتحقيق الذات، فإنّ معاناة الفقراء غير مقتصرة على انعدام القدرة على تأمين الضروريّات فقط، بل تتعدّى ذلك لتكون معاناة سيكولوجيّة أيضًا نتيجة فقدانهم ذواتهم. إنّ هذا النّموذج ساديٌّ يرى آليّاً في الفقراء، ومن دون الأخذ بعين الاعتبار حاجاتهم الضروريّة بصفتهم بشرًا، وسيلة خالصة لتمتّع كبرائه.