"هذا البلد يقرص كالحذاء الضيق، لا يمكنك أن تتنفس، يمكنك فقط أن تحلم" 


لطالما فرضت الحدود تباعداً بين الجماعات البشرية لأسباب مختلفة تنوّعت بين الجغرافيا والتاريخ واللغة، والاستعمار كما هي الحال في بلادنا. وأصبح هذا التباعد واقعاً يتقبّله البشر، بل جزءاً لا يتجزّأ من نظرتنا إلى الحياة. 

ولكن أن تقسّم الحدود سكان حيّ واحد، وأن يصبح الجدار الفاصل عمود إنارة ومستوعب نفايات والشجرة التي تحييها كل صباح، فهذا ما لم تعهده إلا قلّة من الناس. 

هذه هي نواة قصة الفيلم الالماني "حي الشمس"  ( 1999)، Sonnenallee، من إخراج ليندر هاوسمان الذي يعالج من خلال شخصية الراوي مايكل المعروف بـ"ميكا" قصص شلّة من المراهقين في جمهورية ألمانيا الشرقية، في حي الشمس الواقع على الحدود مع ألمانيا الغربية في أواخر السبعينات، وحياتهم اليومية الذي يطغى عليها حب موسيقى الروك من جهة والقمع البوليسي لهذا الحب من جهة أخرى.

وخلافاً لما يمكن توقعه من تروما قد تخلفها هكذا سردية، يعالج الفيلم هذه القضية بخفّة وفكاهة.  واعتبرت جريدة "دير شبيغل" الألمانية حينها أن الفيلم يقدّم سرديّة نوستالجيّة لقصّة شعب مقموع ومراقب ومبعد، تخفي من خلاله حقيقة الحياة تحت النظام الشيوعي الألماني وتشوّه تاريخ تلك الحقبة الصّعبة.

ينطلق الفيلم في معالجة القصّة من مشاهد مريحة ومضحكة تحوّل الاختلال الوظيفي لتفاصيل حياة سكان حي الشمس إلى مواقف واضحة. إلا أن في خلفية الفيلم إشارات جماليّة وتفصيليّة ومعماريّة على وجه الخصوص، تظهر علينا من حين الى الآخر لتذكرنا بأن فكاهة الفيلم يتم تكوينها في حدود وسجون ضيقة، قمعيّة ومتباعدة.

يلعب الفيلم على جدلية التباعد والتقارب، على مفهوم الحدود، على الانقسام ودور التباعد في تكوينه للحياة الأيديولوجية والمادية اليومية للإنسان في مجتمعه، والاهم من ذلك أنه يحاول رسم صورة عن مسافة غير تقليدية لفكرة التعارض بين الغرب الجيد كأرض للحريّة والشّرق السيء كأرضٍ اشتراكيّة قمعيّة. 

تباعد مكاني 

بعد مقدمة قصيرة تشرح فيها الشخصية الرئيسية "مايكل" تعقيدات البلد الذي يعيش فيه، يفتتح الفيلم بمشهد على السياج الفاصل حيث يسخر بعض السياح البرلينيين الغربيين من الشرقيين ومن نمط حياتهم القمعي الذي يفتقد إلى "الحريّة الشرائيّة"، وينظرون إلى مايكل من خلال مناظير رغم ابتعادهم 20 متراً فقط عن المشهد، كما لو أنهم سيّاح يراقبون حيواناً في حديقة للحيوانات. 

يحلم ميكا بالذهاب الى جامعة السوربون أو اوكسفورد لمتابعة دراسته الجامعية، ولكنه يصطدم بحائط الاستحالة الايديولوجية: موسكو أقرب إلى برلين الشرقية من باريس أو لندن ولا احتمال واقعيًا بزيارة هذه المدن بأي شكل من الأشكال.  

والجار في حي الشمس يشكل مصدر قلق دائم، وفق منطق البارانويا السائد. فالجار هو إما مخبر للشرطة السرية "الستازي" أو محرّض ضد النظام تتم مراقبته من قبل الشرطة السريّة. في هكذا مناخ يفترض أن يتوقف القلق عند مدخل المنزل وتفقد الحدود والمسافات الأيديولوجية والقمعية الخارجية سلطتها على الفرد. ففي الزنزانة المنزليّة يفترض أن يكون الإنسان حراً طالما يقبع في داخلها، ينتقد من يريد ويفعل ما يشاء. ولكن الوضع مختلف في حيّ الشمس. فالقمع والقلق المكاني موجودان داخل جدران المنزل. يقول المهرّب هاينز، وهو خال ميكا، لعائلته إن جدران المنزل تحتوي على مادة "الاسبستوس" المسرطنة. ها نحن إذاً تحت سيطرة الحدود وأدواتها مرة أخرى، وهذه المرة من داخل المادة التي من المفترض أن تُشعرنا بالأمان، تلك الأمتار المربعة الاسمنتية التي من وظائفها حمايتنا من جنون الخارج، من ارتياب السيستم ومن غضب الطبيعة، ها نحن نتعرّض للخيانة مرة أخرى على يد أدوات التباعد التي خلقناها. 

يتجلّى القمع تدريجيّاً داخل حدود حي الشمس، من الخارج إلى الداخل، ليشدّ الخناق على السكان. يبدأ القمع بالتعارض الأيديولوجي بين معسكري الحرب الباردة، إلى المسافة الطويلة القصيرة بين برلين الشرقية وجارتها الغربية، وبين السكان والسلطة البوليسية والمخبرين، وصولاً إلى الجدار الكبير في الخارج والجدران الصغيرة المسرطنة داخل البيت.   

ولكن ماذا عن المجتمع؟ ماذا عن علاقة الأفراد في ما بينهم؟

بعد التباعد، تقارب

يمكننا اعتبار الجنس أحد أهم أشكال التقارب. فالجنس أبعد من تلامس الايدي عند المصافحة، أو الضمّة الألمانيّة أو حتى "البيزو" الفرنسي. يفوز الجنس بجائزة التقارب البشري حيث تدخل وتتداخل الأعضاء وإن كان التداخل غير كاف، تأتي السوائل الجسدية على أنواعها لتؤمّن مزيداً من اللحمة الماديّة بين جسدين أو أكثر. 

يبحث ميكا عن هذا التقارب طوال الفيلم. عقبته الأولى أمام الحب هي ألمانيا الغربية مجدداً، متمثلة بشاب "جغل" جاء زيارة من برلين الغربية لإغراء "كراش" ميكا الفاتنة "ميريام". ونرى ميكا يحاول جاهداً طوال الوقت إيجاد الوسائل للتقرّب منها والفوز بإعجابها.

في كتابها "لماذا تمارس النساء الحب أفضل في ظلّ الأنظمة الاشتراكية" تشرح كريستِن ر. غودسي كيف أدت الظروف الإنتاجية والمادية والمجتمعية في ألمانيا الغربية إلى استقلالية النساء الاشتراكيات في حياتهن وأجسادهن. ففي ألمانيا الاشتراكية القمعيّة كانت البطالة تقارب الصفر، صحيح انه كان عليك الانتظار أشهر وسنين للحصول على خطّ هاتف، ولكن الطعام والمستلزمات الأساسية كانت متوفرة للجميع من دون استثناء. كانت حرية التّنقل والتعبير معدومة وأي محاولة لمعارضة النظام تواجه بالقمع العنيف. إلّا أن النساء لم يضطررن إلى بيع أنفسهن لزوج يؤمن لهن حياة جيدة، فكانت جميع نساء ألمانيا الشرقية عاملات مستقلات تماماً عن أي سلطة مادية للرجل عليهن، لا بل كان أيضا لهن سلطة لا يستهان بها في المصانع وسياسة الإنتاج. وكان لهذا الواقع الدور الأٍساسي في تجريد العلاقات الحميمية من قيودها الماديّة، والحدّ من قدرتها على تحويل الحب إلى علاقة سلطوية. 

سرعان ما انهار جدار برلين وحدوده وتباعده كما انهار الاتحاد السوفييتي من بعده، وانهارت معهما آمال المشروع اليساري الأممي من جهة وانتصر المشروع الليبرالي وأعلن فوكوياما نهاية التاريخ.

مع هذا الانهيار، ظهر في ألمانيا ما يسمّى بالـ"أوستالجيا" (Ostalgie) أو الحنين لألمانيا الشرقية رغم كل شيء. وهذا فعلاً ما نلاحظه في نهاية الفيلم الساذجة نوعاً ما والتي يتجمع فيها سكان حي الشمس ليغنوا مع ميكا وشلّته اغنية روك محظورة ويشارك معهم حرس الحدود في الغناء والرقص لتتراجع الكاميرا الى الخلف تاركة هذا المشهد للتاريخ، عابرة الحدود في مشهد يتحول من الملون الى الأسود والأبيض مسدلة الستار عن هذا الاختبار الذي لم يدم طويلاً. 

ولكن هل الفيلم فعلاً نوستالجي كما اتهمته "دير شبيغل"؟

عام 1952، هرب خرّيج هارفرد الشيوعي الأميركي فيكتور غروسمان في الاتجاه المعاكس، من أميركا الى ألمانيا الشرقية حالماً ببناء اشتراكية جديدة على أنقاض النازية الرأسمالية. قضى عمره يسافر ويتحدث مع الالمان عن أميركا وألمانيا والجدار والاشتراكية والرأسمالية وكل ما يجمع أو يفصل بينهما. قبل سنوات من انهيار الجدار لاحظ انجذاب الشباب للقيم والصور الاستهلاكية الغربية التي كانت التلفزيونات الغربية تساهم في نشرها. ومن يلومهم؟ من يمكنه مقاومة حرية التنقل والسفر واقتناء الأشياء الجميلة. لكن غروسمان كان يحذرهم، بشيء من اليأس من مخاطر التقرب من القيم الاستهلاكية. حاول تذكيرهم بالأشياء التي سيفقدونها في حال انهار هذا الهيكل الاشتراكي الهش. حاول أن يقول لهم أنه عدا عن الصور التي تتلاعب باللذة، لدى الرأسماليين أشياء إسمها جوع وبطالة وتشرّد وسجون ظلم، وكلها أمور لم يعرفوها في ألمانيا الشرقيّة.

إذاً، المسافة بين ألمانيا الاشتراكية والرأسمالية قد تبدو أكبر مما هي عليه في الحقيقة، على شاكلة مرآة السيارة، والفصل بينهما على قاعدة تضاد أخلاقي بين الخير والشر "تعرض السائق للخطر". 

وهذه النوستالجيا التي يوحي بها الفيلم، والأوستالجيا بشكل عام، ليست بسذاجة أن الألمان يشتاقون للقمع البوليسي والفصل والتباعد. علينا رؤية هذا الحنين بكل بساطة كنقض واستياء من الواقعية الرأسمالية، فهذه الاوستالجيا تعني أن حرية السفر والشراء والتصويت هي أشياء رائعة، لكنها لا تكفي لبناء مجتمع. 

فمن بعد "نهاية التاريخ" المشؤومة، أو بالأحرى نهاية المنافسة الفكرية والتخيلية ضد الفكرة الرأسمالية، أصبحت آمال ميكا في مكان تضمحل فيه هذه المسافة الرمزية بين البرلينتين، بحيث يكون هذا العالم synthesis بالمعنى الهيغيلي حيث يجمع ويتجاوز مكوناته في الوقت عينه. عالم يكون فيه لميكا وميريام واخواتهم حرية حب وممارسة الجنس مع من يشاؤون، يسافرون ويلهون ويسمعون الموسيِقى مهما كانت فاسقة، يقضون فيه على كل مصادر القمع البوليسية والأيديولوجية والدوغماتية، عالم تتدمر فيه الرموز القديمة والمقدسات والحدود والأسوار، عالم لا تسويات شبه اقتصادية فيه بين حاجاتنا المادية والروحية. وعلى الحضارة الإنسانية الآتية تدمير كل هذه المسافات. 

مع نهاية الجمهورية الشرقية جاء خطاب الرئيس السابق للستاسي كنفي للحب البريء الذي هو أصلا نفي للتباعد القمعي الشرقي، متوجهًا لشعب ألمانيا  الشرقية المنهارة قائلا "احبكم جميعا"، محولا اهم تقارب بشري إلى أقسى أنواع التباعد الروحي والمادي.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: