كان يا ما كان. لم يَكُن شيء. "بيغ بانغ"! انتهى. 

هي حكاية عن كلِّ مَن وُلِد ليَحيا ميتاً عقوداً قصيرةً، وقوداً لحروبٍ اقتصاديّة ضروس، ومؤامرات تُحاك على موائدٍ مِن الأطعمة الفاخرة، و"الضرس طيِّب". المؤامرة، يحرجوننا ليُصبح النطق بهذا المصطلح "كليشيه"؛ لن نُحرَج فجلدة قفانا منذ زمنٍ وضعناها على وجهنا. الأطعمة الفاخرة، يَحلُم بها مَن أنصفتهم العدالة الكونيّة بالتغلغل في عالم البؤس، حتّى في أحلامِهم لم يتذوّقوها، بَقيتْ الرائحة مِن الأحلام، كابوس. 

هذا هو العالم، كابوسٌ، شمال وجنوب، والوحش الأبيض يتربّص بخيراتنا، يتأرجح على دمائنا بضحكته الصفراء، ويَزرعُ فينا القلق والهزيمة ليَحصد أرقاماً وهميّة أكبر مِن إطارنا الميكروسكوبي. والقلب دائماً على الجنوب.

محاور شرٍّ وشرٍّ تَقُضُّ مضاجِعَنا ورأسنا يتخبّط يميناً ويساراً، والخير صباحنا ومساؤنا ومأساتنا التي اخترناها. العين الساهرة يتفشّى فيها الكبت، عينها ثاقبة في المُضاجَعة ككلبٍ مسجونٍ في مستودع البؤس لمدّة دورة قمريّة ونيِّف، والعدو يُحدِثُ بنا النكبة في ساعات التخلّي القليلة. الشرّ، خازوقٌ لا بُدَّ منه والنكبة موروثٌ نَخلُطه يوميّاً مع الملح والبهار في صحننا اليوميّ، داخل مدينتنا البائسة.

المدينة، شحوبٌ واصفرارٌ وشوارعٌ خالية من الوجوه والجلد واللّحم، إلّا من الأصنام والأجسام المشبوهة والدماء الزرقاء المكوَّمة تحت الإسفلت والحجارة والبحص، وتحت التراب. 

هي مجدٌ لهذه الشهوة الجامحة التافهة على الشاورما، مع الكثير من الثوم، ضروري! 

المدينة رائحةٌ كريهةٌ مِن باطونٍ وأكلٍ وغازٍ وأفواهٍ ميتة بالشهر السادس. هي شابٌ وحيدٌ في عزلته الحالكة، يَبكي لأنّه لا يعرف لماذا سيبكي. 

لم أتمنَّ لصديقي هكذا مستقبلاً محبطاً. هو المنبوذ مِن الجميع سراً، والمُحتذى به علناً. ليس للصديق اللّدود "أفلاطون" أيّ سفيرٍ لجمهوريّته لا هنا ولا هنالك. المدينة الفاضلة المعزولة، من الفاصلة إلى الفاصلة. 

عندما يُصبحُ الهلع من الدّمار شعبيّ، وعندما يَطالُ الإنهيار رؤوس الجميع، أَطمَئنّ. كلّ ما أفكر به هو أنتم، اليائسون مِن اليأس، العائشون ليس مِن قلّة الموت كما يقول بعض التافهين، وإنّما على أمل الأمل. أنتم الضاربون بالشرّ المطلق عرض الحائط. أذكُركم اليوم أكثر مِن قبل، بذاكرتي الأشبه بِذِي السّمكة إلّا حَول كآبتكم، بصورتنا نَكتُب على جدران العدالة الوهميّة التي رسمناها: سيأتي يوم تَحمِلون فيه أعباءَ أعباءنا.

نحن الخاسرون وهذه المعركة تفصيلٌ. لم يبقَ لدينا ما نخسره، لم نملُك شيئاً أصلاً. نحن الخاسرون الأوائل والأواخر. إلى أين ستذهب بنا البواخر؟ نحن الخاسرون في جميع أصقاع الأرض، ومَملكتنا ليست على هذه الأرض ولا في مكانٍ آخر. مَملكتنا هبطَتْ على رؤوسنا منذ العمارة الأولى، وجماجمنا علّقناها على واجهات البلاكين كي تَعرِف مَن نحن، كي تَعرِف سموم مَن ستغلي على جسدكَ في الحياة الأولى أو الثانية أو في أيّ زمنٍ وإنْ لم يأتِ.  

لم تستفزّني أو تُدغدِغ ذكائي المحدود أيّ لعبة، من صغري إلى شيخوختي، ولا المنافسة، فلم أملُك الوقت لمنافسٍ آخرٍ في المعركة المزمنة مع الشرّ. لكني سأبوح بسرٍّ لا أعلم لماذا أدفنه رغم تفاهته، إنّ كلّ ما كان يَهواني – كمجرّد شاهدٍ - في ألعاب البناء والتركيب هو أمرين: تشتيت التركيز، والأهمّ، والذي كان يُشعِل نشوة في داخلي، سقوط/دمار/انهيار (سمّها ما شِئتَ) ما بُنِيَ أو تمّ تركيبه. هذا المشهد عَقَدَ زواجاً مع عقلي الباطنيّ، وأبْنِي على الشيء مُقتضاه مِن بعدها! 

حروبٌ لا هويّةٌ ولا شرفٌ لها، تُشيع الرّعب حتى في الحديد الحامي والبارد، شهداءٌ وقتلى وجرحى لم يَكُن أصلاً لديهم الوقت لمعرفة ماذا يجري، أوبئة تهتاج على أنفاسنا وأجسادنا، فسادٌ يرتقي إلى أعلى درجاته مرصّعٌ بالأوسمة وبجوائز نوبل للعمار والدّمار والعمار وتَدُوم وتَدُوم... جهلٌ وفقرٌ وثراءٌ فاحشٌ تتَقرْقَع في الإناء وهو يَنضَحُ بما فيه وعلى مَن فيه.

ماذا بعد؟ إلهي إلهي لماذا تركتك؟! لأنّك لم تَترك بيننا للبحث صلة، لم تسمعني يوماً. لأنك أخذت مَن اقتضى بقاءه وتدفّقت بنسلِ مَن لا حَوْل ولا حيلة مِن ترويضه. لأنّك لم تُنهِ بعد ما فشلت ببنائه، عمداً أم سهواً، إنْ كان بيديك حيلة أساساً وجوهراً.

لن يبقى حجرٌ على حجرٍ، ولا همزة على ألِفٍ، ولا ضجرٌ أو مللٌ، وحتى الحجْرُ لن يستأصل الورم والأصل به نفاذ حبوب القمح ومضادات الإكتئاب.

ما مِن أربعة زوايا بعد اليوم. لا للأرض ولا لأيّ موجود على هذه الأرض، ولا أربعة ملائكة. الضّلع الرابع انكسرَ، لا أحد يتحسّر، والمثلثات تعقد رباط أحذيتها لتفرض وهرتها. أضلاعُ مثلّث الإنهيار والإفلاس والدّمار تكتَمِل والنقطة الأخيرة مِن المنحنى تأخذ وقتاً، فلنتمسّك.

لن يبقى سوى المذياع شغّال، على الأطلال، وهي تنوحُ وتنوح : "تفيد بإيه يا ندم يا ندم!".