Made in hollywood...

منذ اختراع الفيلم السينمائي والثقافة الأميركية تحت عدسة مجهر آهلي الكوكب. هم كانوا استعراضيين، ونحن كنّا متلصّصين إلى حد أننا لم نتآلف مع تفاصيل الثقافة الأميركية وحسب، بل أصابنا أيضًا حنين إلى ماضٍ أميركي. فعبر السينما، نجحت هوليوود في بيعنا حنينًا إلى الحريّة نفسها، إلى صورة الحرّية التي نشرتها الامبراطورية الأميركية، وفي نفس الوقت، حرّمت هذه الحرّية على شعوب البلدان التي تدخّلت الولايات المتحدة في شؤونها.

ومع حلول السينما وانتشار تجارتها حول العالم في لحظة مصيرية من صعود الامبراطورية الأميركية، بات صعبًا تصوّر التاريخ الأميركي من دون سينما. وبذلك تكون هوليوود رسّخت ماضيًا (سينمائيًا) تستحضره الامبراطورية الأحدث عهدًا على الأرض. 

كما منحت الامبراطورية الأميركية كل ما تحتاج إليه الامبراطوريات: سردية ميتولوجية. وفي حين أن الحضارات الأخرى التي تمتاز بمواضٍ ميتولوجية – في أوروبا والشرق الأوسط والهند وغيرها – تمتلك منحوتات وتحف وآثار تشهد على أصالة الهوية المتجذّرة لمواطنين عاشوا في "حاضر" معيّن، شكّلت السينما أداةً صناعية وإيديولوجية مكّنت الحضارة الأميركية من إرساء ماضٍ لها، بمفعول رجعي. 

الهوية الثقافية ذاتها تلمّح إلى نوستالجيا ضمنية تتمثل في الشوق إلى ماضٍ مثالي موروث "ترقد فيه جذورنا بسلام"، أي إلى عالم جئنا منه. فتحوّل اضطراب الهوية (الأميركية)، مع توالي بَكَرات الأفلام، إلى أكبر صناعة ثقافية طوال عقود. وجاء هذا الدافع النوستالجي العصبي نحو ماضٍ ثقافي في طليعة الأمور التي منحت السينما الأميركية مبرر وجودها السيكولوجي. 

غير أن السينما لم تُشبع فقط الرغبات الخيالية النرجسية لعقدة النقص الأميركية التاريخية. فهي لعبت دور القناع الذي لم يحجب الحقيقة وحسب، بل قدّم أيضًا حقيقة بديلة: الإبادة الجماعية للسكان الأصليين حوّلتها (السينما) نزاعًا مبدئيًا وأخلاقيًا بين الهنود ورعاة البقر؛ الحياة البائسة للطبقة العاملة من رعاة المواشي صورتها عبر البطل الرومانسي في الغرب المتوحّش وراعي البقر؛ وجعلت من الامبريالية الأميركية غايةً ومسعى لإنقاذ العالم (كم مرة ربحت هوليوود حرب فييتنام؟)

غدت السينما منحوتةً حيّة متحرّكة تهِب الأميركيين ماضيًا راسخًا. فمن "ولادة أمّة" لديفيد وارك غريفيث إلى "ذهب مع الريح" ونوستالجيا العبودية، فإلى حقبة أفلام الوسترن مع رعاة البقر والهنود، ابتدعت السينما لأميركا الشاشة التي تحجب ماضيها الحقيقي.

أشباح الطبقة العاملة

على مدى قرن بعد قيامها، خضعت هوليوود لتغييرات، كثير منها كان ماديًا (تغيّر في تقنيات الصوت، تغيّر في الرواتب، إضرابات، تقنيات جديدة، تحوّلات كبيرة إلى أفلام ناطقة وملوّنة ورقمية). وكانت تستخدم تلك التحوّلات ضمن الأعمال التي تنتجها (إما كأفلام تعكس تلك التحولات كاملةً، وإما كتلمحيات وغمز إليها في أفلام لا تعكسها).

لكن بالنسبة إلى هوليوود، تتمحور المادة وتمثيلاتها أحيانًا حول الأدوات نفسها، لكنها أدوات مجرّدة من الأيادي والعقول التي تصنعها وتشغّلها. وكما أشار فريدريك جايميسون، الناقد الأدبي والفيلسوف والمنظّر الماركسي، كانت أفلام نوستالجيا ما بعد الحداثة تحّن إلى شعور محدد في الماضي، إلى نسخة عن الماضي، ونادرًا ما كانت تتشوّق إلى الماضي نفسه. فيغدو الماضي مجرّد أسلوب فقط، شعورًا خاليًا من أي أساس مادي تاريخي. 

وهذا النهج من الأفلام النوستالجية لم يتباطأ في السنوات الأخيرة الماضية، أفلام "مقلِّدة" تتناول نسخة من تاريخ هوليوود. مثلًا فيلم "الفنّان"، The Artist، الحائز جائزة أوسكار، يدور حول الحنين إلى أفلام / صور هوليوود وإلى فيلم "غناء تحت المطر"، Singing in the Rain، أكثر مما يتعلّق بالتاريخ الفعلي لمرحلة انتقال هوليوود إلى الأفلام الناطقة، فهو يتطرّق فقط إلى الحياة البرجوازية التي اهتزّت مع قدوم تلك الأفلام، وليس إلى واقع الناس الذي وجدوا أنفسهم عاطلون عن العمل، أو إلى صالات السينما التي عجزت عن توفير التحسينات التقنية وتوقّف عملها.

هنا، يحضر تشارلي شابلن بخاصة إلى البال بسبب قدرته على معالجة شؤون الطبقة العاملة سينمائيًا من دون أن يخون العمّال. ملايين المتفرجين ضحكوا على "المتشرّد"، The Tramp، لكن شابلن ظل حريصًا على أن يحترم المتفرّج ذلك المتشرّد لذكائه ودهائه ومتعته في تسجيل النقاط على النظام. 

ملحمة "ستار وورز" الثانية تبرز حنينًا حزينًا اعترى هوليوود إلى نفسها. فعوضًا عن الثورة التي دارت في سلسلة أفلام "ستار وورز" الأصلية الأولى، تكرّر الثانية فقط الأسلوب والمشاعر التي ميّزت سابقتها، ولهذا بدا محتواها ضحلًا ومسطّحًا، وكأنه مجرّد صدى فارغا من لب أو جوهر، خاليًا من أي مفاجأة.

وهذا لا يحمل أي نوستالجيا إلى "ستار وورز" الأصلية، بل على العكس، فالسّلسلة الأصلية كانت تُعَدّ أساسًا بمثابة استعادةٍ لحواضر السينما الأميركية الجديدة، عبر استخدام الأشكال الجديدة للسرد التي قدّمتها السينما الأميركية الجديدة، وجرّدتها من الجمالية الثورية وفرّغتها من دَسَمها السياسي، حتى حوّلتها إلى سلعة ثقافية استهلاكية مسطّحة.

وكما أشار الفيلسوف الفرنسي ألان باديو، السينما فن صعب لأنها أحيانًا، وخلف الواجهة التقدميّة، تُخفي حقيقة مُحافِظة.

سكورسيزي هو واحد من اولئك المخرجين الذين، انطلاقاً من مسيرتهم المهنية ومن حيث استخدام الثقافة كنقد سياسي وأيديولوجي قوي، كشفوا عن نقيضين، فقد بدأ سكورسيزي مسيرته كمخرج جذري مناهض للحرب يعالج قضايا الثقافات البديلة والاغتراب، ثم ما لبث أن تحول لاحقًا إلى المُخرِج الذي لا يزال يصنع أفلامًا مثاليّة من الناحية الفنيّة، ولكن بسرديّة بورجوازيّة محافظة. 

بدأ سكورسيزي مسيرته بموقف حداثي سليم، فعارض حرب فيتنام في فيلم "رجل يَحْلِق"، A Man Shaving، ثم جال في أرجاء الجانب السُّفلي للثقافة الأميركية الإيطالية، عبر الفيلم الوثائقي "أميركي إيطالي"، Italian American). وانتقل لاحقاً إلى موضوعات الاغتراب العنيف في بداية العصر ما بعد الصناعي، وعنف الذكورة وأزمتها وهزيمة مشروع الطبقة العاملة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، مع "سائق التاكسي"، Taxi Driver، و"الثور الهائج"، Raging Bull.

ومع استمرار مرحلة ما بعد الحداثة وتحوُّل السينما الأميركية الجديدة إلى مؤسسات وانتاجات سيطر المال عليها بشكل كامل، أصبح سكورسيزي مخرجًا محافظًا. فمن خلال أفلام المافيا التي أخرجها في التسعينيات مثل "الطيّبون"، Goodfellas، و"كاسينو"، Casino، خطا سكورسيزي خطوة باتجاه الخطاب المحافظ حيث قدّمَ سرديّة بورجوازية الجريمة المُنظّمة الممزوجة بالحنين إلى جذوره الإيطالية. ويمكن اعتبار فيلم "الطيّبون" تجسيدًا لـقصّة سكورسيزي نفسه، أي رحلة رجل أميركي من أصل إيطالي من أرصفة الشارع إلى القصر الفخم والثراء الفاحش.

ثم ظهر "ذئب وول ستريت"، Wolf of Wall Street، الفيلم الذي تدور أحداثه بعد 5 سنوات على الأزمة المالية العالمية (2008) وقبل 4 سنوات من وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وهو يستعير كثيرًا من ذائقة ترامب الخاصة. عرض الفيلم فائضًا من الفساد والتّمييز الجنسي والابتذال وحبّ الخلود والهوس بالنجاح والثروة مهما كلّف الأمر. ولا يعتذر الفيلم عمّا يقدمه للمشاهد، والأهم من ذلك، أنه يبقى فيلمًا مسليًّا وممتعًا. فإذا عدنا لمشاهدته مجدداً في أيامنا هذه، تظهر النوستالجيا إلى المستقبل الذي نعيشه الآن مع ترامب وشركائه، بل أيضًا النوستالجيا إلى أسلوب الحياة البورجوازي لطبقة المُدراء. 

ينسحب سكورسيزي من الفيلم معتمدًا على حذر المُشاهد من وقوعه في فخ الإغراءات. ولكنه يقدم لنا أيضًا فيلمًا يجعلنا ننغمس فيه مرارًا وتكرارًا، ثم يُشعِرنا في نهاية المطاف بالذنب من مشاهدته. هذا الفيلم ليس نقدًا للنظام، بل نقدٌ لـ "أنفسنا" على عكس ما تكشفه نهايته. وهذا ما يجعله فيلمًا نيوليبراليًا بكل ما للكلمة من معنى. وهكذا، يدفعنا الفيلم إلى طرح سؤال حول دور النوستالجيا المقنّعة لدى ترامب أميركا على وجه الخصوص، ولدى المصفوفة النيوليبراليّة / الفاشيّة التي يعيش فيها عالمنا.

ففي عصر ترامب، عصْر العنصريين البيض والمجموعات الإثنية والأصولية المتديّنة، تنتقل النوستالجيا من كونها مجرد تجريد إيديولوجي إلى أداة خطيرة من خلال إعطائنا نافذة للهروب من الحاضر المؤلم، ووسيلة لتحريرنا من عذاب تصوُّر مستقبل آخر. فتتحول النوستالجيا نمطًا رجعيًا يسهم في ضبط السياق الزماني، وتشكيل وعاء تُستعاد فيه أساليب الإنتاج القديمة، فإمّا الرّق (العبودية) وإما الإبادة الجماعيّة المنظّمة (الفاشيّة). والنوستالجيا هنا هي الجهاز العاطفي - آلة الزمن التي يستخدمها النظام الرجعي لاستعادة أمجاد الطبقة العاملة البيضاء، كما قد يصفها الفيلسوف الإيطالي فرانكو بيراردي. 

ما الذي تفعله هوليوود إذًا؟ تلجأ هوليوود إلى نهج مختلف: أن "تشمل الجميع" (Inclusive) بدل أن تبقى إنتاجًا محصورًا بفئة واحدة (Exclusive). بمعنى آخر، اختارت هوليوود مؤخراً إضافة المزيد من الأعراق والأجناس، بالتساوي، إلى آلة الاستغلال، بدلاً من إعادة النظر في النهج المُتّبَع ودور السلطة وتجذّر اللامساواة واستغلال الأجساد والعقول في هذه الماكينة المسماة هوليوود.

وهذا النهج هو مثال للعمل الخيري الليبرالي الذي يخفي العنف المُمَنهَج، فيما تلجأ أفلام تتعامل مع فكرة هوليوود ك "الفنان" و"هيوغو" و"ذات مرة في هوليوود"، Once Upon a Time in Hollywood إلى المزيد من النوستالجيا التي تلغي تاريخ هوليوود الحقيقي - تاريخ طبقتها العاملة وظروف عملها وتاريخ التقدم الصناعي وأثره على منتجي القيمة الحقيقية في هذه الصناعة، أي العمّال.

نوستالجيا رجعية vs حلم ثوري

 في النهاية، ما توفره النوستالجيا هو مادة ثابتة لعمليّة فوضويّة وراديكاليّة: الحُلُم. النوستالجيا هي فَشَل الحُلم، وهي فشل "الجديد الراديكالي" في التحقُّق. في أول فيلم (قصير) لسكورسيزي، يجرح رجل نفسه أثناء الحلاقة ولكنه يستمر في تشطيب نفسه عمدًا حتى يملأ الحوض دمًا. فسّر النقّاد هذا المشهد على أنه ولادة السينما الأميركية الجديدة، وطريقة جذرية جديدة لمراقبة المجتمع الأميركي وأساطيره بعيداً عن النوستالجيا، أي كطريقة تعبير احتجاجاً على الحاضر ومن أجل مستقبل آخر.

قد لا يكون متاحًا لنا أن نطلب من مُخرجين سينمائيين ساروا على سجادة هوليوود الحمراء أن يصنعوا أفلامًا على طريقة "كين لوتش" الاشتراكية. ومن المحتمل أيضًا أن يكون هؤلاء المخرجين الذين يفكّرون "خارج الصندوق" قد فشلوا في استطلاع وفهم ماهية وحقيقة السّياسة، أي واقع العالم في ماضيه وحاضره والمستقبل المحتمل. ولذلك، يبدو أنهم فشلوا أيضاً في أن يكونوا صانعي أفلام ورواة قصص حقيقيين.

ربما المطلوب أولاً أن تحصل صحوات اجتماعية وثقافية وسياسية، تمامًا كما حصل مع السينما الأميركية الجديدة في أواخر ستينيات القرن الماضي، لتظهر في عصرنا هذا سينما أميركية جديدة مناهضة للنسوتالجيا، ترفض الأساطير وتعادي الامبراطورية الأميركية. وحتى ذلك الحين، يمكن للمُستَعبَدين في هوليوود أن يؤسسوا النقابات ويُنظّموا الإضرابات ليس من أجل تحسين ظروفهم المادية فحسب، بل أيضًا كي تصبح هوليوود قادرة على أن "تحلم" بِهُم بطريقة جذرية وحقيقية.