"مسلسل الكذب، كما يُمارس في عصرنا، لا يقتصر على مجرّد إخفاء وحجب الحقيقة، بل يسعى إلى نقض الواقع نفسه"

- تاريخ الكذب – جاك دريدا

عشيّة انهيار الهيكل، بدا واضحًا أنّ خزينة الدّولة ليست وحدها المفلسة.. اصطفّ زعماء القبائل متلعثمين، كلّهم، من أكثرهم اعتدادًا بالخطابة إلى أقلّهم معرفةً بأوّليات اللّغة.. كلّهم باتوا منذ الآن سواء.

في ساعة الصّفر، تخلّى جميع الزّعماء عن مسؤوليّاتهم. هذه المرّة، لم يطلقوا وعودًا كاذبة فحسب، بل أصرّوا على إنكار الواقع أيضًا. اتّفقوا جميعًا على اعتبار أزمةِ الدّولة مجرّد أزمة تقنيّة، وأنّ حلّها سياسيّ تلفيقيّ كما العادة، وأنّ الإقتصاد مرجعه إلى وصفات البنك الدّوليّ وصندوق النّقد. هكذا نخرج منتصرين مرّة جديدة.. لكن على من ؟

على المنبر وفي الشّارع، حفلات تعويض عن حال لسان السّلطة المربوط. لم تكن أحداث الإعتداء وتحطيم الخيم وحرقها أعمال ترهيب أو إرعاب.. ولم تكن تجمّعات التّهليل للأحزاب تحديًا لمعارضيها.. بل كانت كلّها إشارة إفلاس وانحطاط وانعدام بديل. بيد أنّ أهل السّلطة، على خُطى كبير كهنة المصرف، يصرّون على إنكار إفلاسهم. هم مفلسون، لا من رؤوس الأموال فحسب، بل من الخطاب السّياسيّ أيضًا.

لا أداة لمجابهة الواقع عندهم إلّا بإنكاره، بالكذب أو بالتّدليس أو بإختلاق مشاهد بديلة، لا يهمّ.. المهمّ هو عودة النّاس إلى بيوت الطّاعة.

في سيرة طفولته، يُخبرنا الأديب الفلسطينيّ جبرا إبراهيم جبرا عن حياته الأولى في بيت لحم. كان بعض الغجر يجوبون الشّوارع بين فترة وأخرى، ويصطحبون عددًا من الدّببة أو القردة. وكانت القردة والسّعادين يومها أكثر قدومًا إلى المدينة وأكثر قدرة على إضحاك النّاس لاستدرار أموالهم. هذه كانت مهنة "القرداتي" الّذي يقف في وسط السّاحة ويلوّح بعصاه للقردة الّتي يصحبها معه، يأمرها فتأتمر له، ويضرب لها على الدّفّ فتقفز للرّقص. وعند انتهاء العرض، يرفع "القرداتي" رأسه متفاخرًا بحسن أداء القردة. يقول جبرا إنّ "القرداتي" كان بالنّسبة لهم فنانًا من طراز خاص.. لكن إن نحن أمعنّا النّظر، سنجده مُفلسًا من أيّ موهبة، لا شيء يباهي به إلّا أداء القردة.. من أدائها هي يستمدّ معنى أدائه.

استعراضات الإعتداء والتّخوين والإرعاب في الشّارع، كانت كلّها الإنجاز الأخير للزّعيم بعد أن افتقد كلّ موهبة في السّياسة. انقلب الزّعيم في الأشهر الماضية إلى "قرداتي" ينقر لجماهيره على الدّفّ، ويرفع رأسه متفاخرًا حين تمتثل له. هذا الإفلاس السّياسيّ الواضح في الحكم، يجب أن لا يُجابه بإفلاس مشابه في الإحتجاج عند المنتفضين.. فلا حفلات الفلوكلور الشّعبية ستعبر بنا إلى الدّولة، ولا الإصرار على كليشيهات الأداء سيقودنا إلى عدالة إجتماعيّة. ما يعجز عنه الزّعيم اليوم هو البديل، هذه هي نقطة ضعفه وعلامة إفلاسه، وأيّ احتجاج لا ينتظم ليطرح بديلاً ثوريًّا سيكون قد تقاسم مع السّلطة نقاط ضعفها.

ليس أمام اللّبنانيّين الآن إلّا شبه دولة تنهار، وسلطة موهومة ومفصومة لم تعُد تُتقن الكذب حتّى، بل تصرف النّظر عن إفلاسها إلى حفلات الإستعراض في الإعلام وفي الشّارع وعلى ألسنة المناصرين.. إن كان ثمّة خلاص، فحتمًا لن تبدو تباشيره إلّا بعد قطيعة المنتفضين، لا مع السّلطة فحسب، بل، ومن باب أولى، مع منطقها ولغتها أيضًا.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: