كان جالسًا مُتكوّمًا في الزّاوية كحُزمة ثياب متّسخة ومرميّة بإهمال في طرف الغرفة. فتحتْ لي زوجتُهُ الباب، وتوسّلت إليّ مجدّدًا كي أستفهم منه عن سبب كآبته. لمّا دخلتُ عليه رأيته مُلتفًا حول ركبتيه، على يمينه مواعين ورقٍ أبيض، وأمام قدميه أوراق ممزّقة وملوّثة قد خطّ عليها كلماتٍ غير مفهومة. لم أكد أدنو منه حتّى صرخ في وجهي: خذ اقرأ. ثمّ أدنى منّي ورقتين متوسّطتيْ الحجم. هذه قصّة قصيرة كتبتُها، هاك اقرأها. تناولت القصّة من بين يديه، لكنّه استعجلني بالشّرح دون أن يستمهلني لألقي نظرة على الكلمات، وأخذ منّي القصّة قبل أن أقرأها ورماها فوق ماعون الورق وشرع بالشّرح بعصبيّة: دعك من القصّة الآن، فقدتُ كلّ شيء يا صديقي. دعك منها الآن واسمعني، هل تعرف قصّة الملك ميداس ؟ الأسطورة اليونانيّة الّتي كنّا ندرسها في الإعداديّة ؟ هل تذكرها ؟ كان ميداس ملكًا على فريجيا، مدينة معروفة في آسيا الصّغرى. وكان رجلاً غبيًا وطمّاعًا، هكذا يقول الرّواة. وفي يومٍ مُشرق عثر أعوانُه على أب الإله ديونيسوس بالتّبنّي، وكان يُدعى سيلينوس، عثروا عليه تائهًا مخمورًا، فساقوه إلى الملك ميداس لينظر في أمره. احتضنه الملك وأحسن استقباله، وحين عرفه أكرمه وأقام على شرفه حفلاً، ثمّ أعاده بعد ذلك إلى الإله ديونيسوس. فأحبّ الإله أن يكافئ الملكَ ميداس على وفائه، وترك له الأمر في اختيار أمنيةٍ واحدةٍ كي يحقّقها له. لم يتردّد ميداس للحظة، وطلب من ديونيسوس أن يهبه قدرةً خارقةً تجعل كلّ ما يقع تحت يديه ينقلبُ ذهبًا، فنزل ديونيسوس عند طلبه وأعطاه ما أراد. صمتَ صديقي الكاتبُ قليلاً كأنّه يسترجع أحداث الأسطورة في ذهنه، ثمّ استأنف السّرد من جديد، واستدرك متابعًا: لكن، سرعان ما انقلبت عطيّة ديونيسوس إلى لعنة في حياة ميداس، إذ صار كلّ ما يقع تحت يديه ينقلبُ قطعًا ذهبيّةً صلبة.. الجدران وأثاث القصر وأواني الطّبخ ومجلّدات الكتب.. أصبح ميداس عاجزًا حتّى عن تناول طعامه، كلّما تناول عنقودَ عنبٍ أو قطعةَ لحمٍ أو كأسَ نبيذٍ، انقلب الطّعامُ بين يديه ذهبًا أصفر. لم يحتمل ميداس حياته الجديدة، وعاد يستغفر ديونيسوس ويطلبُ منه أن يعفيه من قدرته السّحريّة ويعيده سيرته الأولى. وافق الإله، شرطَ أن يعبر الملك النّهر في وسط المدينة ويسبح في مياهه حتّى يبلغ منبعه، فيغتسل هناك ليتطهّر من مفعول الأمنية. وبالفعل امتثل الملك. ومنذ تلك الأيّام، ونهر المدينة مليء بالتّبر وقطع الذّهب بعد أن كان مليئًا بالرّمال والحصى قبل الحادثة. تتزامن هذه الأسطورة مع زمن صكّ النّقود في البلاد. أضاف صديقي هذه الجملة الأخيرة ثم استشاط غضبًا: لعن الله هذه الأسطورة ولعن الله من ألهمني كتابة القصّة القصيرة. لم أقترف ذنبًا، أقسم لك، عدّلتُ شيئًا قليلاً على أسطورة ميداس وعكستها. تسير الأحداث في قصّتي بصورة معكوسة. خذ واقرأها.. في قصّتي تتحوّل القطع الذّهبيّة حين يلمسها بطل الحكاية إلى رمال تنسلّ من بين أصابعه كساعة رمليّة، ثمّ تختفي وتضمحلّ. البطل عاملٌ نشيطٌ محبوبٌ وقنوع، على عكس ميداس، لكنّه ابتُلي بلعنةٍ جعلت كلّ معدنٍ يقع بين يديه يتحوّل فجأةً إلى رمال. يكدّ البطل في نهاره وليله، لكنّه حين يأخذ أجره من سيّده تتحوّل النّقود بين يديه إلى كتلة من ذرّات صغيرة صفراء كالرّمل. أقسم لك يا صديقي كنتُ أريد أن أجعل للقصّة خاتمة تشبه الأسطورة، كنتُ أريد أن أرفع عن البطل اللّعنة في نهاية المطاف، لكن نسيتُ ولم أعرف كيف.

كان خوليو كورتاثار يقول إنّه كان يستوحي عددًا من كتاباته من كوابيس كان يراها في نومه. يستيقظ في اليوم التّالي مرعوبًا من الكابوس، لكنّه ما يلبث بعد ذلك أن يهدأ، ثمّ يجعل من الكابوس قصّة قصيرة ممتعة. كنتُ أظنّ أنّ الأمور تسير دومًا على هذه الشّاكلة، لكنّني لم أتخيّل يومًا أن يحصل معي عكسُ ذلك تمامًا. لم أكن أتخيّل أن أكتب في يوم ما قصّة بهدوء ورويّة، ثمّ تتحوّل القصّة نفسها إلى كابوس يتلبّسني وأعيشه في اليوم التّالي. حقيقة ملعونة. قال لي ذلك، وأمعن النّظر بارتباك في راحتيْ يديه وقلّبهما أمامي ثمّ دسّهما سريعًا في جيبه وأخرجهما، ونظر من جديد، لم يكن فيهما إلّا رمال. أرأيت ؟ سألني، ثمّ ألقى رأسه بين ركبتيه من جديد، وصمت.