" وأنجبَ اللّيلُ القدرَ الحزين، والقاتلةَ السّوداء، والموتَ.. وأنجبُ اللّيلُ، من نفسه لا بالمعاشرة، السّخريةَ والبؤسَ المؤذي.."

هزيود – أنساب الآلهة

  لعلّ هزيود قد غفل، حين أوحت إليه ربّات الإلهام كيف تناسلت الآلهةُ بعضها من بعض، أنّ اللّيل سيُعيد إنجاب أبنائه كلّها بعد آلاف الأعوام من جديد، سيُنجبهم كلّهم دفعة واحدة، ككتلة من ظلام ثقيل، ويرميهم في العراء على أرض هذا الشّرق على ضفّة البحر..

كيف صرنا هنا ومنذ متى نقبع في هذا النّفق الأرضيّ المظلم والكئيب ؟.. تسأل مجموعة من المناجذ بصوت حادّ.. منذ أن ولدنا ونحن لا نعرف للنّفق مخرجًا. يقول العجائز في الأساطير إنّ المخرجَيْن الوحيدَيْن من الجهة الغربيّة ومن الجهة الشّرقيّة مسدودان بفعل لعنة عتيقة. هكذا تقول الأساطير.. لكن من يعرف الحقيقة ؟.. المهمّ الآن أنّهما مسدودان وكفى. كان هناك أيضًا كوّة على جهة الجنوب، ظنّناها تصلح لتكون منفذًا على أنفسنا.. فبدأنا أعمالَ التّوسعة منذ عقود. بيد أنّ سيزيف الّذي كان يحمل الصّخرة، والّذي كان يرفعها من فوقنا كي نستمرّ بالحفر، تركها فجأة تسقط على رؤوس الحفّارين. وصار يضحك بخبثٍ وبصوت عالٍ وهو يتفرّج على حطام جماجمهم.

في هذا النّفق لا ضوء أبدًا، صحيح أنّنا مناجذ وليس ثمّة في وجوهنا أعين تبصر الأشياء من حولنا، لكنّنا رغم ذلك كنّا نستأنسفي الماضي بالظّلال. كيف اضمحلّت كلّ هذه الظّلال فجأة؟ كيف استحالت الوجوه من حولنا قرونًا للشياطين؟ أرادوا لنا أن ننصت فحسب، فامتهنّا السّمع دون بقيّة الحواس.

في هذا النّفق الطّويل، يدخلُ علينا الهواءُ التّالف الموبوء الممزوج بروائح النّتن الآتية من ضفّة كانت في الماضي شاطئًا لبحر أبيض، نخشى مع كلّ نفسٍ نبتلعه أن يتسلّل إلى رئتينا السّمّ أو أن تُباغتنا جرثومةٌ كما كان يُباغتنا العدوّ في السّابق. نحاول أن نقتصد قدر الإمكان، وأن لا نأخذ الأنفاس إلّا من زاوية موثوقة سبق وصادق عليها الأطبّاء. يجب الحذر من كلّ ما نلمسه ومن كلّ ما نشتمّه. هذه هي التّعليمات اليوم. ضاق بنا النّفق الّذي لا مخرج منه.. هل سينتهي مخزون الهواء هنا قريبًا كما انتهت محاصيل الزّرع الّذي كنّا نعتاش عليه؟ هكذا نسأل كلّ يوم أنفسنا بقلق.

لا خير بيننا بعد، كلّ أشباه الظّلال اضمحّلت. حتّى صور الأبطال الّتي كانت معلّقة على الحائط، احمرّت عيونها وأصبحت على هيئات الشّياطين. ما الّذي يدفعنا للأمام بعد؟ ما الذي يدفعنا للاعتناء بالصّغار الّذين يولدون؟

منذ عقود، وقف خليل حاوي بين رفاقه، كانت البلاد في عينيه مستنقعًا شرقيًا. عاهد نفسه أن يجاهد ليمدّ ضلوعه معبرًا إلى الشّرق الجديد، وكتب القصيدةَ جسرًا. وعلى حين غرّة، استولى الغزاة على المدينة حين كان الكلّ نيام. اختنق الشّاعر، وضاق صدره، وبطلقةٍ واحدةٍ مات فجأة. يومها، صحيح أنّنا كنّا نقبع فيبطن المستنقع.. لكنّ مستنقعنا هذا كان مفتوحًا على الهواء، كان يمكن لنا أن نرفع رؤوسنا وأن نرى الشّمس، أن نحدّق في نجوم المساء، أن نستلهم من القمر ضياءً، فنقاتل ونستمرّ ونكتب قصيدة...كانت تعلو فوق رؤوسنا كوّةٌ مفتوحة. كان يمكن أن نخرج من المحنة، أن نتحرّر، أن نسلك الدّرب الأخير، كان بمقدورنا أن نموت أيضًا. أمّا اليوم، وقد مُسخنا مناجذ بعد الخطيئة، خطيئة الطّاعة هذه المرّة لا خطيئة المعصيّة، وها هم الغزاة دخلوا المدينة متنكّرين، فما عسانا نفعل الآن لنخرج من محنة هذا الدّهليز الدّائريّ المُقفل؟