كُشِطتْ طبقة الطّلاء الأخيرة عن الوجوه، كأنّ البلاد حائط كلسيّ غزته الرّطوبة. هل ينبغي أن نذكّر أنفسنا من جديد بعد كلّ ما شهدناه أنّ المواجهة هي بين قلّة تراكمت ثروتها وبين شعب كامل منهوب؟


إذا كانت الدّيموقراطيّة في العالم اليوم قد باتت مسخًا، فهي في لبنان "ديموقراطيّة توافقيّة" أي ممسوخة مرّتين. هذا ما يجعل النّدوة البرلمانيّة في صلب الحدث السّياسيّ اللّبنانيّ لا هامشًا عليه. فالبرلمان ليس مؤسّسة شكليّة كما في دول الجوار بل هو الشّكل الأخير والأقصى لتواطؤ زعماء الطّوائف. أعضاؤه هم دايمونيس-الآلهة/الشّياطين، هم وكلاء كرونوس-رأس المال الذّي عيّنهم ممثّلين في المنتدى الطّائفيّ، ينوبون عن كلّ جماعة، يبطش الإله الأعلى بسواعدهم ويقترع بأيديهم. هكذا نفهم شراسة السّلطة في ساحتيْ المصارف والبرلمان، ساحة الإله ووكلائه، هنا حيث السّلطة كشفت عن أنيابها على خطّ النّار الأخير.


في واحدة من الأساطير، يخبرنا هيرودوت عن انتفاضة قادها جمع من العبيد في بلاد السّكوثيّين. كان من عادة السّادة السّكوثيّين في تلك الأيّام أن يفقأوا أعين العبيد لضمان طاعتهم والتزامهم بمهام حلب الأبقار دون اعتراض. فالعبد لا يحتاج إلى عينيه، تكفيه يداه لتنفيذ هذه المهمّة. وحدث مرّة أنّ المحاربين السّكوثيّين خرجوا في غزوة دامت سنوات واستغرقت المعركة جيلاً جديدًا كاملاً. فولد في هذه السّنوات أطفالٌ صغارٌ وشبّوا بأعين مفتوحة سليمة. وحين اختبروا العالم وأمعنوا النّظر في وجوههم ووجوه الآخرين، أدركوا أن ليس ثمّة ما يدعو إلى استعبادهم، وأنّهم أحرارٌ بالولادة، مساوون لغيرهم بالشّكل والمنطق، بل هم أجمل وأبهى. اجتمع العبيد في بيوتهم وقرّروا ذات ليلة أنّهم يساوون في الكرامة المحاربين السّكوثيّين، وهم من الآن لن يعودوا عبيدًا. وفي صبيحة اليوم التّالي، حفروا خندقًا حول منازلهم وتدجّجوا لمواجهة السّادة المحاربين العائدين من غزواتهم. لكنّ مسار المعركة يومها لم يُحسم في مصلحة العبيد، فقد عرف السّادة أنّ المشكلة إنّما تكمن في الأعين المفتوحة، وإن هم خسروا معركة "النّظر" ينبغي لهم أن لا يخسروا معركة "النّظرة"، لذلك لم يواجهوا العبيد بالسّلاح كي لا يُعزّزوا شعورهم بالمساواة في إطار المعركة، وعوضًا عن ذلك حمل كلّ واحد من السّادة بيده سوطًا كي يستثير استسلام العبيد ورضوخهم.


التّصويب على الأعين ديدن كلّ من يهوى التّعمية. ولم تكن صدفة أبدًا أن تعمد قوى السّلطة لإستهداف أعين الشّباب في الشّارع، أولئك الّذين اقتربوا من خطّ النّار البرلمانو-مصرفيّ. العين المفتوحة، تلك الّتي تدقّق في الحسابات وتُتقن كشف الأرباح المتراكمة، هي عدوّ السّلطة الأوّل والأخطر أمّا ما عداها فلا يضير السّلطة في شيء..


يميّز الفيلسوف الفرنسيّ جاك رانسيير بين البوليسيّ "police" وبين السّياسيّ "politique". فاللّفظان مشتقّان من جذر يونانيّ يعني المدينة الدّولة، حيث يحلّ النّظام في تدبّر شؤون المعيش. لكنّ البوليس بتعبير رانسيير هو النّظام الضّابط الّذي يعطي لكلّ فرد وظيفة ومكانة يؤدّيها ضمن نسق الحكم العام، نسق الأمر الواقع والشّرعيّة الّذي يرتّب العلاقات وفق قوانينه. أمّا السّياسيّ فجوهره الاعتراض والاحتجاج وإعادة النّظر في النّسق القائم، وموضوعه المساواة ووضع التّمايز موضع المسائلة، هكذا يتحوّل أيّ مكان ميدانًا للسّياسة حين يمسي محلاً للاحتجاج ونافذة اعتراض في المجال العام. وما يجعل من الاحتجاج بابًا للسّياسة هو أنّ السّياسة في حقيقتها سعي لاسترداد حظوةٍ لمن لا حظوةَ لهم un part des sans-part. هنا يولد السّياسيّ ويدخل في جدليّة مع النّظام.


البوليس هو كلّ شكل للضّبط والانتظام، وإذا تعملق البوليسيّ اضمحلّ السّياسيّ واختفى. وما الشّرطة وقوى الأمر إلّا شكل من أشكال البوليس، لكنّه الشّكل الأدنى الّذي تتمظهر فيه قوّة السّلطة وضعفها في آن واحد، قوّة النّظام عبر استشراسه في ضبط الواقع، وضعف الدّولة عبر غياب السّياسيّ وامّحائه من فضائها.


أن تكون المواجهة بين رجال الأمن وبين النّاس هي الحدث، يعني أنّ السّياسة في ورطة. هذا عوض أن يعرف هؤلاء جميعًا وحدة مصيرهم في مواجهة الخطر الفعليّ.. الخطر الّذي يهدّد وجود كلّ إطار للمؤسّسات العامّة.. نحن لسنا في حفلة مواجهة سياسيّة تُدار بالقمع فتخبو، السّؤال اليوم هو سؤال قوتنا اليوميّ، قوت النّاس وقوت رجال الأمن، هو سؤال خبزنا الّذي لم يعد كفاف يومنا.. ولن يعود.


نفي من لا حظوة له يعني نفي السّياسة كلّها. حرب النّاس مع ناهبيهم هي في جوهرها، كما يقول رانسيير، حرب لاستعادة ما هو سياسيّ في المجال العام. موجات المواجهة تعلو، تخبو، ثمّ تعلو من جديد.. هل ستكون حرب الكلّ ضدّ الكلّ، كما قال يومًا فيلسوفٌ خاف غياب العقد الإجتماعيّ، أم سيُدرك من يفقد كلّ يوم قطعة من خبزه الصّباحيّ أنّ المواجهة هي بينه وبين من يحرمه الصّوت والحظوة فيفقأ عينه هو بدلاً من فقء عين فقير آخر..