" بدون تأمّل أمثولة الكهف، لا يستطيع أحدٌ أن يسلك درب الحكمة، لا في حياته الخاصّة ولا في شؤون الدّولة"

أفلاطون - الجمهوريّة

الرّؤية في تراث الفلسفة هي حبل الاتّصال بالعالم، أمّا سائر الحواسّ فمُلحقة بها. وألسنتنا أيضًا، على اختلاف اللّغات، تعكسُ هذه الحقيقة الفلسفيّة. ففي العربيّة مثلاً نقرأ أنّ الرّأي من فعل رأى؛ فأن تكون صاحب رأيٍ يستبطنُ أولاً أن تكون قادرًا على الرّؤية والنّظر.. في الفرنسيّة أو الإنجليزيّة، يكفي أن تخبر محدّثك بعد أن يفرغ من كلامه أنّك ترى ما يقول ليعرف مباشرةً أنّك فهمتَ المرادَ من كلامه كما يلزم (Je vois/ I see). يقول أوغسطين في الاعترافات: [حاسّة النّظر مرتبطة بالعينين، ولكنّنا نستخدم أيضًا هذه الكلمة للتّعبير عن الحواس الأخرى. نعم، نحن لا نقول مثلاً "اسمع كم يلمع هذا" أو "استنشق كيف يضيء ذاك" ولا حتّى "تذوّق كيف يتوهّج هذا" أو "المس كيف يستنير ذاك" إلخ.. بل نستخدم فعل النّظر وحده دون غيره في سياق الكلام عن الرّؤية. بيد أنّنا نقول في كلّ حين: انظر كيف يتردّد هذا الصّوت، وانظر كيف تبدو هذه الرّائحة، وانظر ما هذا الطّعم، أو انظر كم يبدو هذا قاسيًا خشنًا إلخ..]. الرّؤية إذًا هي أداة إدراك العالم، حضورها يعني حضور الفهم وتغييبها يعني غيابه، وهي أداة النّور في كشف الأشياء وإظهارها وإماطة اللّثام عن وجهها. حجب النّور إذًا هو إطفاء للعين. وإطفاء العين، رمزيًا هنا، هو حجبٌ للحواس الخمس كلّها، أي حجبٌ للفهم نفسه.

في أمثولة الكهف يخاطب سقراط غلوكون، ويبيّن له أنّ من يخرج من الكهف لا يمكنه أن يُعاين النّور مرّة واحدة، بل لا بدّ له أن يتدرّب شيئًا فشيئًا لتحتمل مقلتاه النّظر إلى ضياء الشّمس. سيكون عليه بدايةً أن يُعاين الظّلال ثمّ بعد ذلك يتأمّل الصّور المنعكسة على صفحة المياه، لينتقل إلى الرّسوم، ومن الرّسوم إلى الأشياء ذاتها، ثمّ يرفع رأسه فيراقب الأجرام والنّجوم، ثمّ يصرف نظره إلى الكواكب المنيرة، ومن الكواكب ينتقل فيرى الشّمس ساطعة في وضح النّهار.

إذا نحن أكملنا نصّ أفلاطون، سنجد أنّ سقراط يطرح على غلوكون احتمال عودة صاحبنا المستنير إلى الكهف بعد خروجه منه، لكن بهدف إرشاد زملائه الّذين لم يعاينوا مثله نور الشّمس. يقول سقراط إنّ عيْنيْ المستنير ستنطفئان من شدّة الظّلمة إن هو عاد مباشرة إلى الكهف، لذلك فهو بحاجة أن يتعوّد شيئًا فشيئًا على الظّلمة ليدخل على أصدقائه من جديد. سقراط هنا طرح فكرة الرّجوع إلى الكهف في سياق عودةٍ طوعيّةٍ للمستنير، يعودُ طوعًا ليُرشد أصدقاءه.

لكن ماذا لو عاد مُرغمًا ؟ ماذا لو أصرّت الشّياطين مثلاً على إرغامه أن يسكن الكهف ؟ على إجباره أن يُطفئ عينيْه بالإكراه ؟

إن كان الخروج المتدرّج هو مسيرة الكشف عن الحقيقة، وهي مهمّة الفلسفة كما يخبرنا أفلاطون، فكيف إذًا تكون مسيرة التّعمية ؟ مسيرة إخفاء الحقيقة، أقصد مسيرة التّجهيل، وهي مهمّة السّلطة وأزلامها. كيف تكون ؟

مسيرة التّجهيل تكون تدريجيّة هي أيضًا، حذر الصّدمة، حذر الانتفاضة.. سيُطفئ شياطين السّلطة عينيْ صاحبنا شيئًا فشيئًا، ويغمسونه في ظلام الكهف درجةً درجةً، ثمّ يُخمدون مصابيحه واحدًا تلو الآخر، بلحظات تقنين تزداد ساعاتُ الانقطاع فيه، على أصوات حشرجة خطاباتٍ رخيصةٍ.. فيلفّه الظّلام ويغشاه دون أن يشعر.

الظّلام ؟ هو أن لا ترى الشّمس. الشّمس ؟ هي أن تعرف الحق. الحق ؟ هو الصّحيح والعادل، أي على ما لكلمة juste من ازدواج في المعنى. الصّحيح والعادل ؟ هو أن تقتصّ ممّن أطفأ قناديلك فتقلع عيْنيْه!

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: