يتعالى الهواء الرّطب السّاخن من منخريه ويصبّ على زُجاجتيْ نظّارته الرّقيقتين. رويدًا رويدًا، يتجمّع البخار ويتكثّف على طول المساحة الدّاخليّة لعدستيْ النّظّارة، فتبدو صفحةُ الكتاب أمامه أكثر غباشةً وبياضًا في الوسط ومتآكلةَ الأطراف على الجانبين. الكلماتُ تطفو على الصّفحة كأنّها في بركة ماء. يعجز عن إكمال الجملة، فيرفع حاجبيه ويُخرج مُقلتَيْه من مِحجريهما مُوسّعًا حدقتيْ عينيْه كي تتيسّر له رؤية الحروف بوضوح أكبر، غافلاً أنّ على أنفه نظّارةً صار مسحها الآن أكثر إلحاحًا.. لكنّه رغم ذلك لا يلتفت، ويستأنف القراءة بعناء بعد أن تشابهت عليه الحروف واختلطت النّقاط بعلامات التّشكيل. يُجاهد ويُتابع وهو يستغرب كيف أصبح كالأعشى فجأةً وقد كان سليم البصر قبل دقائق، لا.. قبل ساعات.. حقًا ؟ كم لبث في قراءة هذا الكتاب ؟!

على صفحات الكتاب، يتابع المقاطع الأخيرة الّتي سطّرها بوئثيوس في مؤلّفه* الّذي كتبه في سجنه منذ ألف عام ونصف، قبل بضعة أشهر من أن يُساق إلى حبل المشنقة. في الكتاب، يُعزّي بوئثيوس نفسه.. هو الّذي كان سيدًا محظيًا في قومه، ثمّ صار سجينًا ذليلاً بعد أن انقلب دهرُه كما يُقلب الكبش ويُعلّق من قدميْه للذّبح. لكن بوئثيوس كان لاهوتيًا كبيرًا، وكتب رسائل عدّة في الأبولوجيا، لماذا لم يستنجد في لحظاته الأخيرة باللّاهوت للعزاء والسّلوى؟ كيف خطر له أن يستدعي الفلسفة -لا الدّين- لترافقه هي وحدها على فراش احتضاره فتواسيه دون غيرها؟ كيف تذكّر أثينا في أيّامه الأخيرة ونسيَ أورشليم ؟ يتساءل القارئ وهو ينقل بصره بين المقاطع الّتي اختلط سواد حروفها ببياض الصّفحات، ثمّ عدّل نظّارته على أنفه بحركة لا إراديّة ودون أدنى انتباه.

عدّل جِلسته، وألقى رأسه على الكرسيّ إلى الخلف، عاد واسترجع افتتاحيّة الكتاب.. في الفصل الأوّل، تدخُل الفلسفة بهيئة سيّدةٍ على بوئثيوس المريض المُحتضر، وقد أحاطت ربّاتُ الشّعر والإلهام بفراشه من كلّ جانب، وهنّ يُنشدن في أذنيه أحلامًا زهريّة وذكرياتٍ موهومة.. تهرعُ السّيدة الفلسفة إليه، وتصرفهم عنه بفظاظة وثبات. يستحضر القارئ من جديد صرختها في وجوههنّ كما سبق له وقرأها في مطلع الكتاب، ويشدّ عضلات جبينه وهو يسترجع كلماتها وهي تبعدهنّ بقوّة، غاضبًا معها وآنفًا منهنّ. كان أوديسيوس يوصي بحّارته أن يسدّوا آذانهم كي لا يسمعوا كلام السّيرينات الشّرّيرات وهنّ يغنّين من بعيدٍ لإغوائهم.. وربّات الشّعر مثل السّيرينات، هكذا تقول الفلسفة، فهنّ لا يُرينَ المُحتضر أوجاعه ليُعالجنَها، بل يُحلّينَ له السّموم ويقدّمنَ له الخشخاش فتتخدّر أطرافه وينام على بدنه الأزرق. تقفُ الفلسفة على رأس بوئثيوس ثمّ تمسح جبينه. هي منذ أن وُلدت على أطراف بحر إيجه وهي تنفر من الهلوسة وشعوذات الأوهام. الفهم وحده هو التّرياق وإن كان موجعًا. لا دواء لحمّى بوئيثيوس إلّا بعد طرد أصوات الخداع من حول فراشه وتبديد أطياف أحلامه الموهومة.

يُغلق القارئُ الكتابَ من جديد، ويضع كفّه بين الصّفحتين ليعرف في أيّ موضعٍ كان. يلقي برأسه على كفّه الأخرى، ويفكّر مرّة ثانية.. أليست ربّات الإلهام كنّ أيضًا قد ظهرن لهزيود على الجبل قبل قرون من ظهورهنّ على بوئثيوس، وسلّمنه يومها عودًا من غار؟ يومها أكّدنَ له أنّ صنعتهنّ ليست إلّا كشفًا للحقائق لا خلقًا للأوهام.. كيف تعود الفلسفة وتطردهنّ إذًا؟... لا بدّ أنّ اللّاتي ظهرن على بوئثيوس كنّ من نسل آخر.. نعم هذا نسلٌ خبيث، وذاك نسلٌ طيّب.. النّسل الطّيب يُوحي بالحلم والنّسل الخبيث يوسوس بالهلوسة.. نعم، لا بدّ أنّ زوس حين عاشر منيموزين الّتي حملت بربّات الإلهام، أنجب منها نسلاً طيّبًا ونسلاً خبيثًا.

باغته لحظتها صوتُ أمين المكتبة يستأذنه ويطلب منه المغادرة للإقفال. خلع نظّارتيه، ورأى ساعتها ما كان على زجاجتيْهما من رطوبة، مسحهما بطرف ثوبه، ثمّ ركّزهما من جديد على أعلى أنفه. نعم، الآن الصّورة أصبحت أوضح بكثير. أغلق الكتاب ومشى.


* بوئثيوس، عزاء الفلسفة   - Consolation de philosophie, Boèce