لم تقم الدّولة اللّبنانيّة على عقدٍ اجتماعيٍّ يُفوّض الشّعبُ بموجبه سلطتَه إلى مسؤولين يتولّون شؤون معاشه. ذلك أنّ اللّبنانيّين، منذ الاستقلال، لم يعوا أنفسهم كشعب، بل كجماعات اختلفت سرديّات نشأتها، وتنوّعت، أو ربّما تناقضت، أمانيها وتطلّعاتها. وجد اللّبنانيّون أنفسهم عشيّة الاستقلال رهينة "ميثاق وطنيّ" أشبه ما يكون بحصر الإرث، يتقاسم تركة الانتداب لا لينظر إليهم كمواطنين ينبغي تعهّد حقوقهم بل كجماعات تجب صيانة كياناتها. صيغة الحكم إذًا، سقطت على اللّبنانيّين من علِ، فلم يشاركوا في رفع قواعد دولة قائمة على مبدأ الخير العام le bien commun، أي غابت عنهم أوّل بديهيّات الإجتماع السّياسيّ.

لم يكن الاستقلال إذًا إلّا تسوية جماعات، سرعان ما انكشف العطب فيها بعد خمسة عشر سنة، حين نزعت عنها النّقابَ المتغيّراتُ الدّوليّة والإقليميّة وما نتج عنها من اصطفافات في العام 1958. تجاوز لبنان أزمته يومها بتسوية جديدة، إقليميّة - دوليّة كالعادة، واستمرّت الجمهوريّة الأولى بدفعة إنعاش دون أن تحلّ تناقضاتها، حتّى غلبها المرض في أواخر السّتّينات، ثمّ فتك بها في منتصف السّبعينات. ومرّة جديدة بعد انتهاء الحرب، لم تقم الجمهوريّة الثّانية عام 1989 على مواجهة حقيقة أزمة الاجتماع اللّبنانيّ، بل على تسوية إقليميّة - دوليّة ثالثة، أقامت توازنًا جديدًا للجماعات حسب ما يقتضيه ميزان القوى المستجدّ، من دون أن يشارك اللّبنانيّون في صياغة عقدهم الاجتماعيّ هذه المرّة أيضًا. لا الحرب بدأت بقرار داخليّ، ولا هي انتهت بقرار داخليّ، فالطّائف لم يقضِ على الاقتتال الّذي انتهى فعليًّا بعد سنة من عقد الاتّفاق. أصبح لبنان ملعبًا لسياسيّين فوّضتهم اصطفافات الحرب، ومرّة ثانية لم يعش اللّبنانيّون خبرة شعب يفوّض سلطة.

إن كانت الجمهوريّة الأولى جمهوريّة تجّار، فالجمهوريّة الثّانية جمهوريّة لصوص وارتهان مفضوح لسياسات النّظام الّنيوليبراليّ المتوحّش. بقي اللّبنانيّون في فترة السّلم الجديدة تحت الوصاية الّتي أوكل إليها العالم والإقليم شؤون البلاد ولم يختبروا ذواتهم كشعب. أمّا لاحقًا، بعد العام 2005، فلم يكن ثمّة في الشّارع إرهاصات لمواطنة جديدة، بل كان الأمر امتدادًا للثّنائيّات الّتي مزّقت اللّبنانيّين منذ قيام دولتهم.. ثنائيّات إن نحن أمعنّا النّظر في اصطفافاتها وجدنا فيها اختلافَ محاور إقليميّة، لا اختلافًا في إدارة الشّأن العام على ما تقتضيه المسؤوليّة السّياسيّة. اقتات ساسة لبنان منذ الاستقلال على ثنائيّات شبيهة مكّنتهم من تعزيز لحمة الجماعة على حساب وحدة الجميع، فكان اللّبنانيّون فريسة انقساماتهم.

بعد اتّفاق الدّوحة عام 2008، تكتّلت السّلطة في شبكة من التّحالفات عطّلت الانقسام الحادّ بين أقطابها، وكشفَ تأجيلُ الانتخابات النّيابيّة ثمّ التّسوية الرّئاسيّة ضعفها وهشاشتها، فأدرك جمهور اللّبنانيّين أنّهم ليسوا أمام أقطاب شتّى، بل في حضرة قطب واحد متعدّد الرّؤوس. اليوم، يتقاسم اللّبنانيّون بالتّساوي حصصهم من أزمة المعيشة والاقتصاد، على عكس العقدين الأوّلين من عمر الجمهوريّة الأولى حين كان للفقر تأويله الطّائفيّ يوم كان إجمالاً من حصّة سكّان الأطراف المُلحقة بلبنان الكبير، وهذا ما دفع البعض يومها لإسباغ بُعدٍ طائفيّ على إصلاح حقبة السّتّينات مع أنّ مفاعيلها طالت اللّبنانيّين أجمعين. اليوم، كلّ اللّبنانيّين سواء تحت وطأة النّهب والمحاصصة، في وجه سلطة اشتبكت تحالفاتها وفُضح نظام ارتباطها بالمصرفيّين وكبار المترسملين، وبان ارتهان قرارها، كلّها بدون أيّ استثناء، للمحاور الخارجيّة. للمرّة الأولى في تاريخ البلاد، يرتسم أمامنا المشهد بهذا الوضوح.. 

في الشّارع اليوم، لم تعد الهويّة اللّبنانيّة محلّ استشكال، بل أصبحت عند الجيل الجديد بحكم البديهة. لا لأنّ جيل اليوم حسم أسئلة التّاريخ وفصل بين سرديّاته المختلفة فاستعاد مبرّرات لبنان الكبير في مئويّته، بل لأنّ السّؤال عند هذا الجيل سقط بمرور الزّمن. وضع الشّباب اللّبنانيّ اليوم سؤال التّاريخ والهويّة جانبًا، متخفّفًا من ثنائيّات العروبة والكيانويّة، بعد أن أصبحت بالنّسبة إليه شعارات مرحلة خالية. أمسى سؤال اليوم هو كيف نبني هذه الدّولة ولم يعد عن كيف ظهرت هذه الدّولة، لحساب من، وعلى حساب من..

الظّرف اليوم لم يُلغِ حدّة الانقسام الطّائفيّ في البلاد. فالتّناقض الطّائفيّ لا زال موجودًا، لكنّه تراجع ظرفيًا عن واجهة المشهد ليصبح ثانويًا في ضمير المنتفضين وليبدو التّناقض الطّبقيّ رئيسًا ومحرّكًا للنّاس. نحن أمام مشهد متداخل ومركّب، ومن السّذاجة الغفلة عن هذه الدّيناميّة الّتي تحكم الشّارع، فلا الطّائفيّة انتهت إلى غير رجعة، ولا هي سيّدة المشهد وحدها. أمامنا تغيّرات فرضتها الظّروف المعيشيّة من جهة، وفرضها الانقلاب المفاهيميّ عند جيل ما بعد الطّائف generational shift من جهة ثانية. وعينا لهذه الدّيناميّة يُعفينا من فائض الأمل والخيبة، ويحرّرنا أيضًا من سلطان التّهويل الّذي تمتهنه السّلطة.

الطّائف تفكّك منذ الطّلاق الّذي حصل بين رعاته في الخارج ومنذ تباشير إفلاس الدّولة في الدّاخل. ظهرت عوارض هذا التّفكّك مرارًا في التفاف أقطاب السّلطة على الدّستور وتجاوزهم المتتالي لأعرافه. لكنّ الأنظمة لا تسقط فجأة، بل تشيخ وتترهّل ثمّ تتهاوى. هذا ما حصل مع تركيبة عام 1943، فهي لم تسقط في لحظة اشتعال الحرب، إنّما بدأت تحتضر في السّتّينات، بسبب تحوّلات ديمغرافيّة وسياسيّة وبسبب هشاشة الدّولة أمام تحدّيات الخارج. هذا العجز والاستسلام والاحتضار يومها، نقرأه بوضوح في بيان عزوف رئيس الجمهوريّة الثّالث عن التّرشّح ثانيةً عام 1970 قبل الحرب بخمس سنوات، وهو بيان، بصرف النّظر عن الدّرجة الّتي نوافق فيها تصوّره لإصلاح للنّظام وللاقتصاد الحرّ، يصوّر جليًّا موت الجمهوريّة والعجز البنيويّ في مؤسّساتها. وهكذا اليوم، فتركيبة الطّائف هي الأخرى، لن تسقط في لحظات، بل هناك دينياميّة موت بطيء تحكمها، لا بدّ من رصدها بهدف معاينة الأفول التّدريجيّ أوّلاً، وبهدف إدارة المعركة نحو دولة المواطنة والعدالة الاجتماعيّة ثانيًا.

بناءً عليه، لا بدّ اليوم من ضرورة الوعي بالواقع كما هو لا كما نتمنّى أن يكون، سواء لجهة درجة ضعف النّظام أو لجهة درجة قوّة الشّارع وطبيعة انتفاضته، هذا الوعي شرط لاستمرار النّضال. إنّ فهمَ الواقع جيّدًا سيمكنّنا من رؤية تناقضاته، وسيمكنّنا من فهم طبيعة انفلاش القوّة وتوزّعها على أقطاب النّظام. فنحن لسنا أمام سلطة تتجسّد في رأس واحد، كما كان حال دول الجوار، بل أمام سلطة تتجسّد في شبكة علاقات تحكم النّظام وتحميه وتعطّل كلّ آليات الاعتراض فيه ابتداءً بإفشال الرّقابة النّيابيّة على ما يقتضيه مبدأ فصل السّلطات وليس انتهاءً بالإستحواذ على العمل النّقابيّ وخرقه وتفتيته. ويتوجّب ثانيًا، استيعاب مدى حضور مختلف الأحزاب وإدراك التّفاوت الهائل بينها في عصبيّة الارتباط مع جمهورها وحجم السّيطرة الإيديولوجيّة والميدانيّة لكلّ واحد منها. إدراك الواقع كما هو من جهة، والوعي التّام بحقيقة الحالة الاقتصاديّة للبلاد من جهة ثانية، كلاهما ضرورة لتحديد الأولويّات واستراتيجيّات العمل عند المنتفضين. هذه الاستراتيجيّات يمكن أن تتغيّر تبعًا لتغيّر أيّ مستجدّ. ليس زخم المشاركة هو الكفيل بضمان نجاح انتفاضة اللّبنانيّين، إنّما حسن المواجهة، والتّصويب على مقتل السّلطة.

في وداع تركيبة الطّائف، لا يهمّنا فقط أن نتخلّص من هذه الجثّة الّتي فاحت رائحة الموت منها، بل الأهمّ أيضًا أن نستعدّ لإقامة الدّولة الجديدة، دولة المواطنة والعدالة الاجتماعيّة.. الأهم هو أن نخوض للمرّة الأولى في تاريخ مجتمعنا، لا بل في تاريخ المنطقة كلّها، تجربة عقد اجتماعيّ، يشعر اللّبنانيّون بموجبه أنّهم شعب وأنّ السّلطة تنبثق عنهم بالتّفويض لا عن غيرهم بالتّسويات.